الخميس، 18 يوليو 2019

جين هوكينغ : النجوم ليست للسّماء فحسب

أسماء جزائري

ليست السّماء وحدها معنيّة بتوزيع الأشعة ومصادر الضوء، على الأرض أيضاً كلمات كالنجوم، أياد كالشعاع، وجوه كالقناديل في العتمة، أشخاص تختصر فيهم كل مصادر الإنارة، إنارة الذات المطفئة هي أعظم  إضاءة.

«العديد من النّاس الذين حدقوا بقسوة بستيفن مستغربين إعاقته، في حين أن نفس الأناس الذيّن دعوه بالمعاق، كانوا فزعين بشكل واضح من منظر معاق بشكل جدّي مع أطفال جميلين بشكل لافت، كان كل منهما معجزة للكمال التام، اكتسب ستيفن الثقة من خلالهما، واستطاع أن يربك هؤلاء الناظرين الشكاكين بأن يعلن لهم : هؤلاء أطفالي. أعطتنا لحظات الحنان العميق في تلك الأوقات طاقة كبيرة، واحتضنتنا نحن ومنزلنا وعائلتنا وامتدت لتصل لكل المحيطين بنا». بهذه الجمل أعربت جين عن قمّة التّحدي، فصناعة ما لا يتوقعه الآخر، هو أكبر ما يقدّمه المعني بالتقليل، ذلك هو أقدس التحديات التّي يقوم بها فرد أو مجموعة من الأفراد، كأن يعزف بيتهوفن ما لن يسمعه، ويكتب طه حسين ما لن يقرأه بعينيه، ويسافر ستيفن هوكينغ عبر الكواكب والنجوم، وهو عاجز عن التحرك من فوق كرسيّه بخطوة.

قالت صديقتي معبّرة عن حزنها : «عاد إلى حيث ينتمي إلى النجوم إلى الكون اللامنتهي حيث كان دائماً»؛ لكن هذا لا يعني أنّه لم يعش محاطاً على الأقلّ بنجمة، سمحت له بالمضيّ في ظلمة عمر بقي منه سنتين إلى تجاوز سنّ 76 ، المرأة التّي أخرجته من الغرفة التّي أراد أن يموت بداخلها بعيداً عن طموحاته، متنازلة عن طموحاتها، والآن بينما أقف على بعض النقاط التّي رمتها السيدة هوكينغ على وجوهنا، أتذكر أنّه حتّى النجوم في الفضاء وإن اختفت، لا تختفي أماكنها، وأنّ الأماكن ما كانت لتشعّ لولا انعكاس الضوء عليها، وأنّ كلّ فضاء مهما كان واسعاً فإنّه ليس برحابة صدر المخلصين، في كتاب جين هوكينغ : Traveling to Infinity: My Life with Stephen  «رحلة إلى اللانهاية، حياتي مع ستيفن» يمكنك أن تقترب أكثر مما يجب من هذه السماء، التّي سمحت بدخول النجوم إلى بيتها، وجلست هي في الغرفة المقابلة تشاهد حياة لم تحلم بها، لكنها حين أصبحت قدرها، قفزت إلى داخلها دون تردد وتفكير، فإن كان عقله غيّر عالمنا فحبها غيّر عالمه، ورغم أنّه فكّر ببعدين فقد أحبته بأبعاد كثيرة، هكذا هي فيزياء الحب غريبة، إذ من داخل ثقب أسود بالصعاب والمشاق، تظهر إشعاعات أيضاً تضعها العزيمة، فالرحلة مع شخص بالكاد يستطيع التكلم بعد فترة، ليست مهمة شاقة فحسب، بل هي المعنى الحقيقي للإلحاد بألوهية المستحيل.

غلاف الكتاب

تتصرّف معكَ الظروف بالمجاز، كما وكأنّها توظّفك لتبدع في شرح ذاتها للحياة، وعليكَ أن تكون مصدرها حين لا تكون هي انعكاسا لما تريد منك، وأن تكون انعكاسا لها حين تصادر مصادرك، لقد حلّت الفيزياء الجزء الأهم في حياة كانت من المفروض أن تكون ثنائية، لقد تفرغ ستيفن للعالم بأسره، وتفرغت جين له ولعائلتها الصغيرة، لقد قلق لأجل مستقبل البشرية، وقلقت جين حين واجه ابنهما روبرت عسرا في القراءة، حيث لم تكن هذه الحالة معروفة في النظام التعليمي في بداية السبعينيات، وكانت تردّد أنّه في هذه الأيام يقال بأن ليوناردو دا فينشي وآنشتاين غالبا كانوا يعانونه “فقد عانينا من أن ستيفن كان لديه عسر في القراءة، وكنّا متأكدين تقريبا من الأمر مع روبرت، ولكن عدا صفوف القراءة العلاجية لم يكن هنالك أي طريقة مساعدة مخصّصة لعسر القراءة في نظام الولاية، لقد كانوا في أفضل الأحوال يصنّفون كسالى، وفي الحالات السيئة يصنّفون على أنهم متخلفون وكسالى في عمر الخامسة، أنا كنت أعرف بأن روبرت ليس متخلفا بل كان طفلا في الرابعة، وبينما كنا نعتني بحديقتنا ذات يوم، أخذ يطرح عليّ أسئلة صعبة وأكبر من عمره وهو ابن الخامسة؛ لقد كنت متأكدة أنّ تشديد المدرسة على الأدب عوضا عن المهارات الرقمية، كان غير صحيح لروبرت، وعندما كان في السادسة، أتت مدرّسة جديدة للمدرسة، وأعلنت أنها تريد أن تنشئ مجموعة متقدمة للرياضيات، وقد ناشدتها أن تسمح له بالانضمام للمجموعة، وكان واضحا أنها منعت نفسها بصعوبة من الضحك، وقالت محتجة ولكنه لا يستطيع القراءة كيف سيستطيع حلّ الرياضيات؟”.

كلنا يعي ما معنى أن تصاب الأمهات عن طريق أطفالها، وكيف ستتحوّل إلى كافرة بكلّ هذه الحواجز، وكيف أن في داخل كلّ أم إيمان مستقل يستطيع إيجاد الحلول التّي تبدو شفافة للآخرين، تضيف بعد أسابيع من هذا التهكم أنها تلقت دعوة من هذه المدرّسة، وحين ذهبت لمقابلتها قالت لها : “سيدة هوكينغ أنا مدينة لك باعتذار، لقد بنت ما كان يعتقده الناس وحتى ستيفن معجزة”

تقول جين بنبرة حزينة لا تخفيها في طريقة تعبيرها، عن حياة قدّمت فيها الحبّ مقابل خيار نجاح الطرف الآخر، معتبرة الفيزياء نوع من الأعطاب الزوجيّة : “انتابني القلق في ذلك الوقت، حين ظننت أن ستيفن لم يكن يشعر بأنه بصحة جيّدة، وكنت أهنئه في كل مرة على نجاحاته، لكني كنت أعلم في سري بأنني والأطفال قد خضنا للتوّ معركة تلك الإلهة التي لا تقهر، والتي قابلناها للمرة الأولى في أمريكا في العالم 1965 إنها الفيزياء، التي حرمت الأطفال من والدهم والزوجات من أزواجهن، أذكر جيدا بأن السيدة آنشتاين قد صنفت الفيزياء طرف ثالث أثناء المضي بمعاملات طلاقها”. العطاء العالمي يقابله بالمقابل تقصير على مستوى الحيّز الذّي يخوض معك هذا الغمار، تجد نفسكَ مضطرا لاعتبار حقوقك واجبات، والأمور التّي هي من الطبيعي أن تحصل عليها ليست إلا فكرة مغايرة على مشروطية تأجيلها أو الاستغناء عنها، في كلّ علاقة هنالك سقف تحدده ظروفها، هنالك بديهيات ترسم من أوّل ليلة على شكلها الطبيعي؛ مع جين كانت حتّى رغبتها في الحديث إليه مطلب مبالغ فيه أحياناً : كانت مدد التركيز الحاد التي تصيب ستيفن مفيدة في إعادة توجيه تلك الطاقة الداخلية الصامتة، لتمكنه من التفكير في أحد عشر بعدا مختلفا، ولم أكن أدري إن كان مجبرا على تجاهل رغبتي بالحديث معه والانغلاق بعيدا عما يحيط به، أو أنه لم يكن يهتم بتلك الرغبة على الإطلاق، كانت تلك المدد عذاباً لا يطاق، خاصة حين تصاحبها جلسات طويلة من أوبرا فاغنر، وبالتحديد تلك التي تدعى دورة الجرس”.

ستيفن مع زوجته جين وأبنائهما

“بدأت أكره فاغنر، حين شعرت بصوتي يختنق، وبمزاجي العفويّ محتجزا في داخلي، كانت الموسيقى قوّية للغاية، قوّية لدرجة تُجبرني على الاستماع إلى النّشوة الفاخرة التّي تحملها تلك الأوتار الساحرة والانتقالات اللّحنية المثيرة، لكن جولاتي اليوميّة لم تكن لتمنحني لحظة واحدة من الرّاحة، فانتقل دون توقف بين التسوّق والطبخ وأعمال المنزل ورعاية الأولاد وستيفن نفسه، كنت مأخوذة تماما بالقدرة الملائكية والنّغمات الآسرة لتلك الموسيقى وأنا في المطبخ والحمام، أو حتى في غرفة لعب الأولاد في الطابق العلويّ، محاولة تجاهل قدرتها المغرية الغامضة، لأني أعرف قدرتها على التلاعب بحالتي العقلية المرتبكة بكل سهولة، كان صفاء موسيقى البحر المتوسط، معياري الموسيقي الأسمى، لا الموسيقى التشاؤمية السوداء لأساطيل الشمال، التي يموت فيها الأبطال وهم في ريعان الشباب، وتسود الفوضى وينتصر الشرّ، كان ستيفن مسحورا بتلك القوى كما سحرته الفيزياء؛ القوتان اللتان أصبحتا معتقده الذي يؤمن به، لكن يتعيّن عليّ أن أصحو من كل هذا، سيسقط ما بنيته من حولي، ويتحوّل إلى غبار إن سمحت لنفسي بالانقياد لسطوة تلك الموسيقى، بدأ فاغنر يتحوّل في عقلي إلى نابغة شرير، فيلسوف العرق الأسمى، والشيطان وراء معتقلات أوشفيتز، لقد كنت صغيرة جدا على التأقلم مع هذا الضغط العاطفي”.

“لا يبدو الاعتناء بستيفن على هذا القدر من الصعوبة” هكذا قالت يوماً والدة ستيفن لجين !!

تحويل التحديات التّي يقوم بها الآخر إلى البساطة، لا تدمّر فقط  قيمة الشخص بل تدمّر معها ذلك التّحدّي الجليل، فحين يتصوّر الإنسان أنّه يقدم كلّ ما يملك “لقد كرست نفسي من أجل ستيفن، ليحيا حياة طبيعية قدر الإمكان، ولم يكن لدي أدنى نية في التراجع عن ذلك، ولكني كنت معزولة أرقب حياة الآخرين، وما من جهة كان يمكنها تقديم المساعدة لي، إذ كان عليّ إيجاد طريقي ضمن متاهة من المشكلات والصعاب”. ثمّ يوضع في المكان الذّي لا يستحقّ يشعرُ أنّ هذا التّعب يحتاج فعلاً إلى تجريب فعليّ، للتخلّي حتى يختبر الآخرين في غيابك مدى أهميّة ما تقدمه، في الحقيقة هذا القتل الرحيم سردته السيدة هوكينغ بالكثير من الكسور، فالعالم يشترك مع بعضه في الطباع، وإن استطاع الهرب إلى الأمام في الكثير من الحداثة، خاصة في عالم النساء، حيث نقرأ الأحداث في حيوات مختلفة كأنما وقعها واحد، تفرط الكثيرات في تعنيف الذّات عن طريق تعنيف الظروف الحياتيّة التّي وجدت نفسها مرغمة على التأقلم معها، معتبرة أن العالم الآخر تجاوز تلك المآسي النفسية، وفهمها إلى الحدّ الذي جعل الأخريات أكثر حظا من الأخريات أمثالها، وتصرّ أن الأمر محدود جغرافياً، وفي الحقيقة عليها دائماً أن تستمع لمآسي العالم الآخر، قبل أن تتمعن في الصورة الميثولوجية التّي تقدّمها التصوّرات، التفاصيل جهد يعينُ الإنسان على مصافحة إنسان عبر الاشتراك في هذه المطبات، التّي بالضرورة ستقوم بمنحك المزيد من القوّة لا الكسر، والدة ستيفن لم تكُ بعيدة عن الحموات العربيات في ردة فعلها هذه ، حيث تعتبر النساء لا تقمن بأي شيء خارق، ولا تقدّمن إلا المعقول أو أقلّه، هذه الثيمة التّي لا تجعل من السيّدة سيّدة، ولا من التفوّق إلا إمكانية تستطيع حتى حشرة القيام به، تضيف جين بالكثير من الحزن “إلا أن العزف المستمر على وتر مدى سهولة المسؤوليات الملقاة على عاتقي، والإيحاءات التي تدل على عدم أخذ طلبي بالمساعدة على محمل الجد، جعلت من ثقتي المستيقظة اتجاهها تتضاءل (تقصد والدة ستيفن )، بدت لي غير قادرة على استيعاب وفاة براءة الطفولة عندي منذ زمن طويل، وأن تفاؤلي الكامن قد تلاشى بالكامل، وبأن مجرد التفكير بحدوث هذا مع روبرت أيضا بعمر أقل من عشر سنوات، أمر لا يطاق، لكنها لم تكف عن العودة إلى ملاحظاتها، لتعلن بعبث في نهاية الأسبوع : الكرسي المتحرك ليس ثقيلا، حتى إن لوسي قد ساعدتني على وضعه مع البطاريات في السيارة، وفعلنا ذلك بشكل رائع “ومثل ” لا يمانع روبرت على الإطلاق في مساعدة والده، بل أعتقد أن هذه المساعدة مفيدة لكليهما”.

ستيفن مع زوجته جين

النساء مصارعات ثيران المصاعب، مع هذا يسهل على نسمة عابرة كسرهن، هذه المفارقة ما بين الهشاشة وامتحان التّحدي، تجعلنا لا ندري أمام أيّ تفاهة سننهار، وأمام أيّ عاصفة سنقفز إلى الأعلى، أمام أية ردة فعل سنقلب الظروف، وأمام أي ظرف سنستعيد ردّة فعلنا القويّة، الامتنان ليس إلا رافعة معنويّة لتحسين القيام بتلك المشاق فقط، عدم تقديمه لا يعني بالضرورة أنّ الآخر سيتوقف عن فعل ذلك، لكن على الأقل سيشعره أنّ أحداً ما يراه، وأنّ البطولة لا تقتصر فقط على تحريك صخرة وحمل بندقية، ربما تكمن في التفاصيل التّي لا تكتمل بعد مرور تلك التفاصيل إلى تشكيل مشهد يستدعي العالم للاندهاش، تحتاج النساء تحديدا إلى النظر في الرّضا، رضا ما تقدمه، لا الغضب عليه، الاقتناع الذاتي لا يكفي في بعض الظروف، لأن يقفز فوق عدم التراجع، كأن تحضر جين ظروف قاسية سفهت فيها نظريّة الثقوب السوداء، وما إن يحتفل بستيفن لأجل نجاح ذات النظرية ينسى اسمها، “وأعرب عن شكره لدينيس سيياما، لدعمه وشكر أصدقاءه على حضور الحفل، وقد مضى في حديثه كعادته مستخدما كلمة أنا بدلاً عن نحن، انتظرت مطوّقة أطفالي بيد أن يأتي على ذكرنا في جانب من حديثه، أو أن يلتفت إلينا بابتسامة، أو مجرّد كلمة موجزة عن تقديره لتسع سنوات من زواجنا “. ما أصعب هذا الانتظار . . !!

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

صورة من قلب الحراك تثير جدلاً واسعًا

عمر عبداوي أثارت الصورة التي التقطها من المصوّر الهاوي خير الدين، نقاشا واسعا، بين مؤيد …

حراك 22 فيفري يُقاوم

حراك 22 فيفري يُقاوم

د. لطيفة لونيسي صدمتان سيّاسيتان عرفتهما الجزائر، تولّدت عنهما ممارسات تحكمية للسّلطة بدلا من الممارسة …