الثلاثاء، 16 أكتوبر 2018

أزمة الجامعة الجزائرية وبعض التّدابير للخروج منها

هواري تواتي

الأمم التّي تُسيء معاملة علمائها، مثقّفيها وفنّانيها أو تقمعهم، مآلها إلى الفشل، لأنّها بذلك التّصرف لا تكشف للعالم إلاّ عن تخليها عن كلّ أشكال التّسامي التّي تُنْبِلُها وترفعها.

في حين لا يوجد فنّ للحكم لا ينطوي على فنّ للتربية. للقضية دقّة نظريةٍ رياضية: الأمم سيئة الحكم هي أمم سيئة التّربية، والعكس صحيح.

هؤلاء الأساتذة والباحثون الجزائريون، الذّين يؤدون مهنتهم بشرف، كرامة وتفاني ليس بإمكانهم التّحمل أكثر: إنّهم على وشك الإرهاق الجسدي والمعنوي، لم يعد بوسعهم تحمّل تفاهة الشّر الذّي يتعرّضون له من طرف بيروقراطية متعجرفة، مستبدّة وبلا كفاءة، إنّهم يُحْدَوْدَبون تحت مشقّة النتائج المتراكمة عن قرارات تؤخذ في الغالب بشكل ارتجالي، طارئ، متسرّع ودون تفكير.

لن يسمحوا بعد الآن بأن يكونوا كبش فداء لنموذج حوكمة جامعية لا تعرف من فعل الحكومة لا المشاورة ولا التّحكيم، إنهم يُعانون إلى درجة أنهم يعيشون هذه الكارثة الوطنية – في جوارحهم – كمأساة شخصية.

ولكن المعاناة ستكون بلا طائل إن انحصرت في إلقاء اللّوم على الغير للتّملص من المسؤولية، في حين أنّ ما وصلت إليه الجامعة الجزائرية ما كان ليتمّ دون تواطؤ – من طرف ما يطلق عليه خطأ – “المنظومة الجامعية”.

اليوم، تُراكم هذه المنظومة كلّ العيوب التّي تتسم بها بيروقراطية الدّولة: عدم كفاءة، فساد، محسوبية، محاباة، تعسّف، جهوية، لا أخلاقية، تمييز جنسي، وقائمة الانحرافات تبقى طويلة. لكن الأمر هنا يتعلق فقط بوصف جسم مريض بلغ منتهاه في التّعفن، لأنّ الأهم (موجود) في موضع آخر: إنّه في تخلي هذه “المنظومة الجامعية” عن التّشكل في تجمع عالم غيور على استقلاليته، ليس ليصبح أداة تكتّل مهني أو سياسي، لأنّ هناك نقابات وأحزاب من أجل هذا الغرض، بل شرط لوجوده ذاته حتّى يؤدي مهمته في أصلح حال ممكنة والمتمثلة في إنتاج ونقل العلوم.

هذا التّنازل هو جوهر تشكيل هذه “المنظومة الجامعية” ذاتها التّي نشأت على الخنوع والعبودية الطّواعية وبالتّالي حرمانها المبكّر من صلاحياتها المُخَوَّلة لها من طرف الأعراف الجامعية، والتّي تجعل من الانتخاب عن طريق الأقران أهم معايير الجودة في إنتاج العلوم ونقلها، كما أنّه الضّمان الوحيد لتكافؤ الفرص لجميع المترشحين لمسابقات التّعليم العالي والبحث العلمي، بحيث لا يمكن لأي هيئة أخرى لا تمثل الباحثين والأساتذة (لجان التّحكيم، مجالس علمية، لجان التّقييم، لجان التّرقية، إلخ) أن تدّعي الخبرة للتّقييم داخل أي تخصص، وإلاّ فإنّها ستكون مرادفًا للتّردي والتّعسف البيروقراطي، هذا ما نسميه تقاليد جامعية، وليس شيء آخر غيره.

يجب الاعتراف أنّ هذه التّقاليد غائبة من المشهد الأكاديمي في بلادنا، لأنّها لو وُجِدَت لكان لدينا إنتاج علمي غزير ومتنوّع. والواقع أنّه ليس هناك أيٌّ من هذا، وهو ما يفسّر جزءا كبيرا من ضعف مستوى أبحاثنا وتكويننا ليس فقط باللّغة العربية، وإنّما باللّغة الفرنسية أيضا خاصة في الحقل الأكثر هشاشة: حقل العلوم الاجتماعية والإنسانية.

بالتأكيد هناك إنتاج مكتوب يشهد عليه وجوده في مكتباتنا، إلاّ أن ما هو منشور(بالفرنسية كما بالعربية)، مادام موجودا خارج دوائر التّصديق العلمية العالمية يبقى محلي ومحيطي، وبمنأى عن أيّ ظهور أو انتشار عالمي، فهو محكوم عليه بتكرار نفس إشكاليات البحث البالية، ودليل آخر للتّأكد من أنّ بلدنا يفتقر أو تندر فيه التّقاليد العالمة الصّلبة المنتجة. في حين تشيع بين “المفرنسين” فكرة أنّ تعريب الجامعة سنة 1983 هو سبب تدمير العلوم الإجتماعية والإنسانية، أمر صحيح جزئيا فقط، بما أنّ البحث في هذه العلوم بقي لمدّة طويلة لا يتمّ إلاّ باللّغة الفرنسية وما يزال حتّى الآن – بنسبة لا يجب إهمالها –: في الإقتصاد، في علم الاجتماع، في الأنثروبولوجيا، في علم النفس، في العلوم السياسية، صحيح أنّ الأساتذة والباحثين – المعرّبين – غالبا ما يكون تكوينهم ضعيفا تمّ تحصيله بعيدًا عن التّقاليد العالمة الرّاسخة في بلدان تنعدم فيها أو تندر مثل سوريا أو كانت لديها وفقدتها مثل مصر[1]، رغم هذا فلبُّ المشكل ليس هنا – حتما –، الحقيقة أنّ الجامعة الجزائرية لم تقم إلاّ باستبدال أحادية لغوية بأخرى.

الجامعة في الجزائر ليست لها تقاليد أكاديمية

من المؤكد أنّه يُفضَّل للباحث التمكّن من اللّغة الفرنسية على التمكّن من اللّغة العربية، إلاّ أنّ هذا غير كافٍ. لأنّ الباحثين الذّين لا يتقنون إلاّ اللّغة الفرنسية يواجهون حتما – بدورهم – صعوبات وعوائق – يستحيل تخطّيها – في طريقهم نحو الانخراط في البحث العلمي العالمي، وحتّى عندما يكون الباحث جيدا فإن عدم تمكُّنه من إحدى اللغات الكبرى الأخرى التّي يتشكل منها حقل البحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية يعتبر عقبة جدّية.

وبعبارة أخرى فإن مشكل اللّغة ليس في الموقع الذّي يضعه فيه “الفرنكفونيون”، لأنّ نتيجة غياب هذه التّقاليد العلمية هي الإقصاء من حقل البحث العلمي العالمي والتّي لم تستثنهم مثلهم في ذلك مثل المعرّبين.

لماذا يعمل المُمارسون في علوم الطبيعة وعلوم الهندسة بشكل أفضل؟ لأسباب ترجع إلى حدّ كبير إلى تنظيم البحث في هذه المجالات وإلى التّكامل الدولي، تُقام الأبحاث في هذه التّخصصات في مخابر منخرطة بدورها في شبكات تعاون دولية، تكون أكبرها بالنسبة إلى أصغرها كأحواض المياه الكبرى بالنّسبة للرّوافد الصّغيرة. أضف إلى هذا أنّ طريقة العمل ليست مُماثلة لنظيرتها في العلوم الاجتماعية والإنسانية. فهي أكثر إلزامًا إلى درجة تشبهها أحيانا بنظام عمل داخل المصنع. ولهذا لا يوجد أي طالب يقبل في أيّ مخبر دون أن يحصل على منحة ليتحرّر تفكيره من كل انشغال اجتماعي قد يمنعه من التّفرغ بشكل كليّ لأبحاثه، أو بالأدق لأبحاث تكون جماعية تقدّم نتائجها أيضًا بشكل جماعي، حسب تراتبية تُحَدَّد بدرجة الانخراط والمكانة في برنامج البحث المعني.

تحافظ المخابر على منتوجيتها أساسًا من هذا النّظام الملزم. هذا السّبب يفسّر لماذا في الجزائر المختصّون في علوم الطبيعة والهندسة أكثر إنتاجا وخصوبة من زملائهم في العلوم الاجتماعية والإنسانية. إلاّ أنّهم منتجون في لحظة فقط من مشوارهم وهي لحظة تواجدهم في الخارج.

بمجرد عودتهم إلى بلادهم، تظهر عليهم نفس الخصائص الفريدة الموجودة عند أحسن أقرانهم من العلوم الاجتماعية والإنسانية، أن يضلّوا منتجين ما لم يصبحوا أساتذة في التعليم العالي، بمجرد بلوغ هذه الغاية يتوقّف معظمهم عن الإبداع، وينخفض إنتاجهم الفكري كمًا ونوعًا.

يتراجع محصولهم في حالة انعدام ما يحفزّهم، هذا ما لاحظه المدير العام للبحث العلمي وأسرّ به إليّ في صيف 2016. استطعت من جهتي التأكّد من ذلك من خلال تتبّع مسيرة بعض الباحثين الشّباب الأكثر نجابة، فليكن ذلك الذي قُدِّم على أنّه الأكثر ذكاء بين أبناء جيله في تخصصه، سندعوه هنا – مولود –، مساره مثال لكلّ أولائك الذّين يعودون إلى الجزائر بعد حصولهم على شهادة الدكتوراه من أحد المخابر المختصّة في مجالهم من الخارج، لاسيما في فرنسا، بين سنتي 2004 و2018 كان مولود موقعا مشاركا على 46 مقالا، كان الموقّع الرّئيسي في ثلاثة منها، هذه المقالات هي ما شكّل صيته العلمي: الأوّل منها تمت الإشارة إليه حوالي مئة مرة، والاثنان الباقيان خمسون مرة لكلّ منهما، من ثمّ حدث عنده تعثّر مُعَبَّر عنه في عدم اهتمام الباحثين بأعماله، فلم تذكر العشر مقالات الأخيرة منها إلاّ ما بين ثلاثين إلى عشر مرات، إنّه تمهيد لتقهقر معلن. لأنّ المقالات اللاّحقة لم يلتفت إليها أحد، التّخلي التّام لمولود، وهو ما يترجم فقدان المكانة التّي احتلتها مقالاته الثّلاث الأولى، والتّي لم يحتلها بعد ذلك إلاّ مرة واحدة سنة 2013. فما الذّي حدث إذن حتّى يتراجع مولود بقوة وهو الذّي كان واعدا بمسيرة علمية مهمة؟ لمعرفة ذلك يجب العودة إلى توزيع مقالاته زمنيا: 35 منها نشرت ما بين 2004 و2010، أي في الفترة التّي تقع بين حصوله على الدكتوراه والتّي أصبح فيها أستاذا (بروفيسور)، في سنّ كان فيها طالب من العلوم الاجتماعية والإنسانية غالبا لم يكمل فيها بعد رسالة الدكتوراه.

من الواضح أنّه من لحظة الحصول على المرتبة المرغوبة، بدأ انهيار مردود مولود العلمي. العبرة من هذه القصّة هو أنّنا في الجزائر نصبح أساتذة تعليم عالي بسهولة بالغة، تحديدًا لأنّ المناصب الموجودة ليست مفتوحة للمنافسة ولأنّ معايير التّرقية إدارية أكثر منها علمية وتربوية. ليس من المستغرب بأن يجازى الوطن بسوء من طرف هؤلاء الذّين أنفق على أبحاثهم أثناء الدكتوراه في مخابر أجنبية، وإن كان هذا لا ينطبق على حالة مولود الذّي تقدّم لمنحة فرنسية وحصل عليها بالخضوع للعبة المنافسة، ومهما يكن من أمر، فإنّ مولود كان مُنْظَمًّا لأحد المخابر الجزائرية، إلاّ أنّ اسم هذا المخبر لا يذكر في هذه المقالات بالرغم من كونه من أجود المخابر في الجزائر، النتيجة: أعمال مولود تُعزى إلى البحث في فرنسا وليس إلى البحث في الجزائر.

الأمر يستحق التّأمل وليخرس الحمقى لأنّ لا أحد من حقّه أن يشكّك في امتنان مولود لوطنه. المشكلة التّي تثيرها حالته بنيوية ولذلك وجب معالجتها بطريقة بنيوية، وهو ما يتعذّر – بكل أسف لأمد طويل – طالما لم يوجد منظومة عالمة جزائرية تدبرها أعرافها الخاصة، وهي تقاليد تتّفق حولها كلّ المجتمعات العالمة، هذا لن يتم إلاّ عن طريق إصلاح جامعتنا وحوكمتها.

بيد أنّ إصلاح الجامعة الجزائرية في الوقت الرّاهن، يبدو مستحيلا في حال وجدت إرادة حقيقية للقيام بذلك، فما بالك مع انعدامها، لا الدّولة ولا الإدارة ولا حتّى الأساتذة أو الطّلبة يرغبون بذلك. ولأسباب أخرى شخصيا لا أرغب بذلك أيضا، لأنّ نتائجه وخيمة، وهي نتائج خطيرة سياسيًا، إصلاحات مُماثلة لو تمت فإنّها ستُخْلِي الجامعة من غالبية طاقمها الإداري، أساتذتها وطلبتها.

هذا هو السّبب الذّي من أجله لا أرغب من جهتي بذلك، وليس لأنني مشفق أو لدواعي اجتماعية. لا أرغب بذلك لأنّ الجامعة الجزائرية دائمًا على حافة الانفجار، لأنّها تعيش تحت وطأة تهديد قنبلة ديموغرافية لا يُقدِّر أحد خطورتها، على المواطن الجزائري أن يعرف أنّ بلاده تمثّل تشوّها غريبا، فهي تحتل مكانة من بين الدّول الأكثر تطورا، فيما يتعلق بعدد طلبتها:  بـ 1.6 مليون طالب، تنافس بذلك فرنسا التّي يبلغ عدد طلبتها 2.5 مليون وألمانيا بحوالي 3 مليون طالب، أحسن (أو أسوأ): فإنّها تتفوّق على هاتين القوتين العالميتين إذا ما ربطنا الكتلة الطّلابية بالتعداد السّكاني الكلّي لكل منها، إذن الجزائر لديها ضِعف طلبة كلّ واحدة من هاتين القوتين، ولكي يتفوقا عليها لزم أن يجتمعا في فئة إحصائية واحدة.

نفهم الآن إذن لماذا ليس من الممكن الإصلاح وليس من الممكن التّوقف عن توظيف بكثافة وسرعة أساتذة رديئي التّكوين كطلبتهم. كلّ سياسة تُنتهج لا يمكنها في أحسن الأحوال القضاء نهائيا على هذه الظّاهرة التّي بقدر فوضويتها الشّاملة الضّخمة بقدر ضررها على أمن المجتمع والدّولة.

الجامعة الجزائرية في خطر

تفكيك قنبلة ديموغرافية مماثلة سيستغرق سنوات أو ربما عقودا، في حين أنّ الدّولة الجزائرية توقفت منذ زمن طويل عن كونها دولة تخطيط، استشراف المستقبل، التّفكير على الأمدين المتوسط والبعيد، تصميم توقعات ومحاكاة، هذه الأمور ليست من ضمن أدوات عملها.

لا يمكننا مع ذلك الانتظار بيأس وطويلا أياما أفضل. يجب استباق الأحداث، ولأجل ذلك يجب الاستعداد لها من خلال التّفكير ولكي يكون رصينا وفعالا يجب أن يكون حاملا لحلول لا يمكن إلاّ أن تكون حلولا دُنْيَا[2]، أحدها يمكن استلهامه من مثل الصّين، التي ومن أجل تقييم جامعاتها وترتيبها أخضعتها إلى تشخيص لا هوادة فيه، وبهذا تتلقى أحسنها الدّعم والأدوات اللازمة لبلوغ مستوى العالمية بينما الأخرى ذات المستوى المتواضع تُشجّع بمختلف التّدابير لاجتثاثها من الرّداءة. واقعية هي الخطّة ومنصفة.

الاستدلال المسترشد به فيها بسيط لكن لا يمكن تفاديه، إنّه كالآتي: بما أنّ كل الجامعات الصينية لا تقدم نفس مستوى التّكوين والبحث، لا يمكن أن تتم معاملتها كلّها على قدم المساواة، وعليه وجب تمييزها من أجل خلق المنافسة بينها والسّماح للمتفوقة منها مغالبة كبرى الجامعات الغربية. تهدف الصّين من خلال ذلك إلى أن تصبح خلال العشرية اللاّحقة في مقدّمة الدول في الإنتاج العلمي العالمي. من المؤكّد أنّ ليس هذا الهدف هو ما سيجعل من المثال الصيني جذابا بالنّسبة لبلادنا، بل المنهج، وهو أكثر ما ينقصنا. لأنّه يرتكز – كذلك – على سياسة اجتماعية: قبل كل شيء تمكين الأساتذة، الباحثين والطّلبة من الحركة، والتّي تعدّ مصدر حيوية ودينامية إلى حدّ تتحول فيه كل جامعة إلى بوتقة وطنية، ثمّ تصحيح التفاوت الإقليمي من خلال السّماح للثّانويين النّجباء من المحافظات الفقيرة بتحصيل تعليم عالي ذو جودة، استطعت ملاحظة ذلك السّنة الماضية في جامعة بكين: الطلبة الذين تابعوا محاضراتي أتوا من مناطق مختلفة من البلاد، ومن هؤلاء علمت أنّ القبول في أهم جامعة صينية كان مشروطا بالحصول على الأقل 75 نقطة من 100 بالنّسبة لتلاميذ العاصمة الذين ينهون الثانوية، مقابل حدّ أدنى 65 نقطة فقط بالنّسبة لتلاميذ المناطق النّائية جدًا.

هناك – حتمًا – حلول أخرى يمكن إبرازها من خلال النّقاش العام، ولكن يجب على الدّولة أن تتحمّل مسؤوليتها من الآن تجاه الباحثين والأساتذة الأكفاء، يجب أن يتقاضوا رواتب حقيقية، استرجاع  الجامعة لكرامتها يمرّ من هنا. المبادرة شرعية، يجب على الرئيس اتخاذها لأنّها ستشرفه، ولكن هذا لا يجب أن يكون دون نظير له، لأنّ الهدف ليس رفع الرواتب إلى مالا نهاية (رغم أننا نصدم بضعف رواتب المربين: أستاذ الثّانوية المغربي أو حتّى الفلسطيني راتبه أكبر بضعفين أو ثلاثة أضعاف مقارنة بزميله الجزائري، أما بالنّسبة لأساتذة التعليم العالي فإن هذا الفارق يتعمق إلى أربعة أضعاف، لا يمكن أن نرغب في تربية شعب وأجور المربّين تصل إلى درجة الإفقار المفرط، هذا لا يليق ببلدنا)، لا، ما يتعلق به الأمر هنا شيء آخر تمامًا، إنّه يتعلق بالاعتراف (بردّ الاعتبار) بعلمائنا وأساتذتنا الجيّدين منهم في بلدهم.

في كل مكان يكون هذا الاعتراف عبر الأجور التّي تتناسب طردا مع الكفاءة والمهارة التي يُعْتَرَف لهم بها في الأوساط العلمية العالمية بفضل أعمالهم العلمية وسمعتهم الفكرية. كذلك الأمر بالنسبة لمعايير تقييمهم لا يجب أن تكون إدارية مطلقا، بل يجب أن تكون تلك المتعلقة بالكفاءة والتّفاني.

وفي انتظار أن تبلغ جامعاتنا النّضج الضّروري كي تتولى التقييم بنفسها، حاليا وحدها لجان تحكيم دولية يمكنها القيام بعملية تقييم مماثلة والتي لا يجب أن تثير مخاوف أحد. بداية لأنّ باحثين وأساتذة جزائريين يشاركون أو شاركوا في لجان مماثلة. ثمّ لأنّ هذه اللّجان تميل إلى أن تصبح القاعدة بما في ذلك في الدول المتقدمة علميا[3].

لذلك ليس هناك أي سبب للتملّص منها، إذا ما أردنا الولوج إلى جمهورية الآداب والعلوم الكبرى، ولأجل ذلك على الجامعة الجزائرية الخروج من الحلقة المفرغة للتّقييم الإداري والانضمام إلى الحلقة الفاضلة حلقة الكفاءة والكفاءة لا غير، المُعْرَب عنها بالابتكار البيداغوجي، نوعية التعليم، إتقان اللّغات الأجنبية، الإنتاج العلمي، المسؤولية العلمية، براءات الاختراع التقنية، التّرجمات، طبعات نقدية ونشر المعرفة في المجتمع، في شكل علمي مبسّط.

من واقع التجربة، فإن عملية تقييم مماثلة مخيفة خاصة في بلدان مثل بلدنا حيث استيعاب القواعد الكونية متوسط. وبالتجربة أيضا نعلم أنّ الجيّدين يجنحون إلى الحطّ من قدرهم في الحين الذي يميل فيه الأقل مستوى إلى المبالغة في تقدير الذّات.

بينما لو تمكَّنا من وضع تقييم دولي مماثل في بلدنا، سينجح نحو خمس في المئة إلى ألف على الأقل من أساتذتنا وباحثينا وبتفوق. هؤلاء، مثلهم مثل الفنانين الكبار والكتّاب الكبار(الذين لا نفتقر إليهم)، هم وحدهم ملح الأرض التّي نزرع فيها أمالنا للرفعة الروحية والأخلاقية، شريطة أن نحسن التّعرف عليهم والاستماع إليهم.

ترجمة: عائشة بلعابيد

 

[1]  في حين بقيت دول أخرى متمسكة بتلك التقاليد مثل الجامعة العراقية، رغم الحرب تواصل اشتراط على الطّلبة الراغبين في التسجيل لنيل شهادة الدكتوراه ان يقدم شهادة التمكن من اللغة الانجليزية(TOEFL)، وهي الشهادة التي تطلبها كل الجامعات الأنجلوساكسونية من طلبتها غير الناطقين بالانجليزية.

[2]  لقد قوِّض تفاؤلي هذا في سبتمبر 2013: فثلاثة أشهر بعد أن طلب منّي السّيد حراوبية وأمينه العام السيّد غراس، إعداد برنامج لتحسين مستوى الأساتذة والباحثين الشباب (كتابة منهجية، ورشات للكتابة العلمية، تطوير مشاريع التعليم والبحث، مساعدة في كتابة المقالات، إلخ) تم التخلي عن خدماتي بالشّكل الأكثر عنفا من طرف الوزير والنائب العام للوزارة المعينين حديثا لحظتها، اللذين رفضا متابعة المشروع، على الرّغم من أنني باشرت العمل بالتعاون مع المديرية العامة للبحث العلمي والمشاركة في عدّة اجتماعات عمل، دون الحديث عن الزيارات التفقدية الميدانية.

[3]  هذا ما تقوم به فرنسا في برنامجها “استثمار في المستقبل” شُرِع فيه سنة 2010 بميزانية بلغت 50 مليار أورو، لاختيار مخابر الامتياز تستخدم هذه الأموال لتشكيل لجنة تحكيم دولية، يشرف عليها رئيس معه ستة نواب يشكلون مجلسا من 78 عضوا من 32 دولة مختلفة، أحد نواب الرئيس هو البروفيسور ذو الأصول الجزائرية ياسين آيت صالح، أستاذ العلوم الاقتصادية والمالية في جامعة برنستون.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

بيت الشعر الجزائري: ما يُقال وما لا يُقال

رشيد عبد الرحمان جاء بيت الشعر الجزائري بعد موات حقيقي تعرفه الساحة الثقافية في الجزائر؛ …

لماذا الإسلام في قفص الاتّهام؟

1 لا يُمكننا أن نُنكر دور الدّين كفاعل أساس في توجيه بوصلة أفكارنا، ولعلَّ حضوره …