الثلاثاء، 16 أكتوبر 2018

نغوغي وا تيونغو: الثّقافة حلبة صراع

حاوره: نيكولا ميشال. ترجمة: جلال الدّين سماعن

نغوغي وا تيونغو

في كلّ سنة، تحتقر لجنة نوبل للآداب الكاتب الكيني نغوغي وا تيونغو(Ngugi wa Thiong’o). تحرمه من جائزتها بالرّغم من أن أدبه يُعتبر واحدًا من أهم الآداب الأفريقية. أكثر من ذلك، فهو مكتوب بلغة أفريقية: الجيكويو(Gikuyu).

من مواليد سنة 1938، أي في خضم الحقبة الاستعمارية، يمتاز هذا الكاتب، الرّوائي والمسرحي، بالثّبات والدّقة المتناهية. سُجن في عهد الرّئيس جومو كينياتا، وألّف كتبه بلغته الأمّ، دافع عن هذا الخيار في كتابه المتميز “تحرير الذهن”، الذي نشره سنة 1986. من بين إصداراته الشّهيرة، نذكر: “بتلات الدّم”(2002) و”نهر الحياة”(1988).

  • بأي لغة تكتب حاليًا: الإنجليزية أم الجيكويو؟
  • نغوغي وا تيونغو: بين سنتي 1962 و1975، كانت رواياتي بالإنجليزية. ثم ومنذ سنة 1975 وإلى يومنا هذا، كتبت رواياتي، نصوصي المسرحية وقصائدي بلغة الجيكويو. بعض من كتبي وأعمالي النّظرية مكتوبة بالإنجليزية. لكنني أكتب أساسًا بالجيكويو.
  • هل مازال نضالك من أجل اللغات الإفريقية مهمًا بالنسبة لك كسالف العهد؟ ألا تعتقد بأن التحوّلات تتم بوتيرة جدّ بطيئة؟
  • التحوّلات الحقيقية تستغرق وقتا طويلا ودائمًا ما كانت بطيئة. لكنني تحوّلت إلى مناضل من أجل اللغة. أكافح من أجل اللغات الأفريقية ومن أجل كلّ اللغات المهمّشة في العالم. كلّ اللغات، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، لها الحق في الوجود.
  • ينشر بوبكر بوريس ديوب كلاسيكيات أدبية مترجمة إلى لغة الولوف وهذا في دار نشر فرنسية. ما رأيك؟
  • رائع. أنا جدّ معجب بمجهوداته. لابدّ أن تكون هنالك الكثير من الترجمات للكلاسيكيات الأوربية أو الآسيوية إلى اللغات الأفريقية.
  • ألا تظن بأن مشكلة اللغات اليوم هي مشكلة أسواق، فالناشرون يعتبرون بأن الكتب غير المؤلفة بالفرنسية أو الإنجليزية لا تُباع؟
  • لا، فالأسواق مزيج من الكثير من العناصر. أسواقنا الأفريقية هي وليدة أنظمة تربوية استعمارية كانت تُعاقب الطّلبة الأفارقة الذين يتحدّثون بلغاتهم داخل الحرم المدرسي وكانت تكافئ أولئك الذين يستعملون اللغات الأوربية (من أيّام قليلة، حدّثني عمّي عبد العزيز عن تعليمة كانت سارية في سنوات السّبعينيات والثمانينيات في الجزائر تمنع الأمازيغ من الحديث بلغتهم الأم في ساحات المدارس – المترجم). كان النظام الاستعماري يتكّل على فكرة أنه ومن أجل تعلّم لغة أجنبية يجب أن تتخلّى عن لغتك الخاصّة. لا شيء يمنع أي شخص من معرفة وإتقان لغته الأم أثناء تعلّمه للّغات الأخرى. السياسات الحكومية القامعة للّغات الأفريقية هي العقبة الأولى أمام بقائها. علينا كأفارقة أن نكسر هذه القيود النّفسية التي صنعها الغرب والتي لازلنا نقبع تحت وطئتها.
  • كتب، روايات وقصص قصيرة، ما هي طريقة التعبير المفضلة بالنسبة لك؟
  • كتابة القصص الخيالية هي من تجعلني أكثر سعادة، وبخاصة الرواية. لكنني أكتب أيضًا المسرحيات، الشّعر والكتب النظرية.
  • على ماذا تشتغل حاليًا؟
  • أشتغل أساسا على الحكايات. نشرت لتوي اثنتين: رويمبو روا نجوكي (أغنية النّحلة) و نيوني نيونيا نيون (يعلمني الطائر بأنه بمقدوري أن أرى). إلا أن الترجمات الإنجليزية لم تنشر بعد.
  • هل أنت من قراء الأدب “الأفريقي”؟
  • أقرأ كلّ شيء يبدو لي مهمّا، كائنا ما كان أصله. في وقت ما، كنت مهوسا بالأدب الروسي: تولستوي، دوستويفسكي، تشيكوف، بولغاكوف، غوركي.. ثم بكتّاب أمريكا اللاتينية. حاليًا، أنا بصدد قراءة الأساطير البراهمانية: بخاصة الماهابهاراتا والرامايانا.
  • من هو الكاتب الإفريقي الذي يثير إعجابك في الوقت الحالي؟
  • أنا جدّ مُعجب بالكاتبة شيماماندا نغوزي أديشي
  • في كتابك “تأمين القاعدة”، تعتمد على مراجع جدّ ماركسية. هل تظن بأن التّحليل الماركسي مازال مناسبًا ودقيقًا؟
  • الجدلية الماركسية – التي تم تطويرها انطلاقا من هيغل ومن التّقليد الجدلي الممتد حتى الإغريق – مهمة كي نفهم العالم الحالي.
  • في الكتاب نفسه، تتهجم على السلوكيات النيوكولونيالية لدول مثل فرنسا، المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية.
  • أظن بأنه من النفاق من دول تمتلك كمية من أسلحة الدمار الشامل أن تواصل القول بأن الخطر منبعه أولئك الذين ربما يمتلكونها وليس من تلك الدول التي تمتلكها مسبقا. أنا أدافع عن حملة دولية للتخلص النهائي من الأسلحة النووية.
  • انتقاداتك للحكومات الأفريقية أيضًا قاسية إلى حدّ ما..
  • عمومًا، أنا منتقد للأنظمة الاقتصادية والسياسية التي جعلت من القارة الإفريقية هدية تواصل منحها للغرب. هل هناك سبب مقنع كي تبقى أربعة عشر خزينة لدول أفريقية مستقلة تحت سيطرة وزارة المالية الفرنسية؟ بعد خمسين سنة من الاستقلال؟! الجنود الفرنسيون منتشرون في كلّ مكان في إفريقيا الغربية. هل سبق وأن رأيتم جنودا أفارقة يحرصون على استتباب الأمن في ضاحية من ضواحي فرنسا؟
  • هل تظن بأن الثقافة مازال في وسعها أن تكون مصدرًا قويا للمعارضة؟
  • الثقافة جزء لا يتجزأ من وجودنا الاقتصادي، السّياسي، الاجتماعي والروحي. هي حلبة صراع. الثّقافة بالنسبة للمجتمع كالأزهار بالنّسبة للنباتات. فالأزهار جميلة وتمنح هويتها للنبتة؛ كما أنها تحتوي على بذور المستقبل.
  • “تحرير الذهن”.. هل يُخالجك شعور ما بالتطوّر منذ أن استعملت هذه العبارة؟
  • زاد الحديث عنها بشكل ما. في جنوب أفريقيا، فكرة تحرير المؤسسات الاجتماعية باتت تغذي النضال الحالي من أجل تغيير اجتماعي. لكن الطريق لا تزال طويلة.
  • في كل سنة، يتداول اسمك بين المرشحين لجائزة نوبل. هل هو شيء تتمنّاه؟
  • أُثمن كون هذا العدد الهائل من الأشخاص يظن بأن عملي يستحق هذه الجائزة. لكن ليس لدي ما أقوله حولها.
  • هل على إفريقيا أن تنشأ جائزتها الخاصّة؟
  • هناك جوائز أدبية في أفريقيا لكنها ليست بقدر غنى ولا شهرة جائزة نوبل.
  • حاليا أنت تعيش في الولايات المتحدة الأمريكية. هل الأمر مردّه ذلك الاعتداء الذي تعرّضت له سنة 2004 في كينيا؟ هل تشعر بأنك منفي؟
  • زوجتي نجيري وا نغوغي وأنا نعمل لصالح جامعة كاليفورنيا في إيفرين. بالرغم من الاعتداءات السّابقة إلا أننا ننوي أن نتقاعد في كينيا. حين عدنا إليها مؤخرا، لقينا استقبالاً حارًا من طرف الرئيس إيهورو كينياتا.
  • هل تظن بأن العالم الأدبي فقد قوّته السياسية بسبب إستراتيجية “المسيرة الفردانية” للكتاب؟
  • لم يحدث وأن فقدت الكلمة قوتها. ثم إنني سجنت سنتي 1977-1978 بسبب الكلمات. يشهد الأدب في وقتنا هذا صراعا مع التلفزيون، السينما، الأنترنت. إلا أن التكنولوجيات الرقمية تفتح أفاقا جديدة، إمكانيات جديدة.
  • أنت من أشد منتقدي الديمقراطيات الغربية. ما هو النظام السياسي الذي تحلم به؟
  • أحلم بعالم معدوم من الجوع، من الأمراض، من الجهل، من السّجون، من الشحاذة.. أرغب في رؤية عالم لا يُقاس فيه التطوّر بطريقة عيش فاحشي الغنى ولكن بطريقة عيش كلّ أولئك الذين يسمحون لمصانعنا بأن تشتغل ولحقولنا بأن تكون منتجة.
  • باعتبارك مفكرا، هل تظن بأن صوتك مسموع من طرف رجال السياسة الأفارقة؟
  • ليس في وسعي إلا أن أتمنى أن يسمعني كل من له أذنين. ولكن أريد أكثر أن يستمتع النّاس وهم يقرؤون لي. تغمرني سعادة حين ألتقي بشخص غريب ويخبرني إلى أي مدى واحد من أعمالي أثّر في حياته.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عمار بلحسن

شعرية القصّ في مملكة السرد عند عمار بلحسن

عبد القادر ضيف الله الحديث عن الشعرية عند عمار بلحسن، هو حديث عن جمالية عالم …

عمار بلحسن في ذكراه : الكلمة والموقف

في مثل هذا اليوم 29 أوت من سنة 1993، رحل الكاتب عمار بلحسن، وهو في …