الخميس، 20 سبتمبر 2018

حوار متخيّل مع الجاحظ

ضيف حمزة ضيف

حدّثني الذي اعتصرهُ الاختصار ولم يغثه الاجمال عن التّفصيل؛ سيدي ووليّ لغتي؛ أبا عثمان عمرو بن بحر بن محبوب بن فزارة الليثي الكناني الفقيمي البصري المكنّى بالجاحظ، فقال:
– يخرج المعنى يا بنيّ؛ عن طور كاتبه إذا ما تمّ تحريره من محبس العقل إلى فسحة الإفصاح، فالمعنى أسيرٌ بأسرين، أولهما ما كان ابتدائيّاً في ذهن صاحبهِ، وثانيهما ما كان خاضعاً لتقرير قارئه حيناً، وتفسير صاحبه المتجانس مع الكثرة، والمترفّع عن القلة أحياناً، فالمعنى هو الانحسار والانحصار معاً، وهو الخروج عن لحظة البدء بأكثر من سِعة تعبّر عن بدايات أخرى ونهايات؛ تبدو غائمةً ويشوبها دغلٌ عميم.
لا مشاحة في أنّه – أي المعنى – فوّارٌ بأكثر من لونٍ، ومضّاءٌ بأكثر من شفرةِ؛ إنّه المساحة التي لا تقبل القسمة المستقرّة على العدل بالإقتار، والنّهاية المبشّرة بأفقٍ لا تعوزهُ الشدّة عن الانعتاق، ولا تكتفي به الحاجة من أجل الكفاية.
إنّه مهذارٌ بغير اختصار، ومكثار بلا اقتضاب، لا يتولّى عجز اللغة عن الإفصاح، ولا يعذر المفردة عن الانحباس..
فقاطعتهُ:
– يشبهُ في ذلك يا سيدي؛ ما وقع للبطل الإفرنجي المغوار وليام تيل؛ فقد احتفظ بسهمين، واحدهما الحقيقة؛ الذي يُصيب بها التّفاحة على رأس الولد، قد تتحوّل إلى مجازٍ بعد حينٍ حين يخطئ الهدف، والآخر مجازاً؛ يقتل الملك بعد أن يصيب الولد، تحت مضنّة الخطأ وعجز الرماية، قد يتحوّل هو الآخر إلى حقيقة حالَ انفلاش الإصابة.
– قال: لا أعلم من زمان غيري شيئاً.
– قلت: لا تثريب عليك، فأكمل.
قال:
– استواءُ الجزاء المعنوي في خلد المشتّت في نفسه بغير لفظه، والمتوقّف عندهُ، والكثير بوحدهِ، والقليل بغيرهِ؛ بين أخذتُ وحُرمتُ، ومُنحتُ وسُلبتُ، وأُعطيتُ وأُقترتُ، ولمّحتُ فأجزتُ، وحدّثت فوفّيتُ، وصمِتُ فأوّجزتُ، في انتظار الظّفر بالمقابل، هو الأسمى للنفس والأصدق للروح والأبقى للذاكرة، فقد تراءى ليّ، بأنّ انتظار اللفظِ المتَمّم بغيره، كالوصول إلى المنقوص من نفسه.
فبئس الرّجاء في اللغة، ذلك الذي لا يحيد عن طرح الأمل من المعنى، ولا يستأنف مشقّة التعبير بالعمل على التقدير، كأنّه اقترب من القنوط فربما؛ غنمْ، وابتعد عن المذلة فسلمْ، واكتفى بحجّته عن نفسهِ، فاصطفى الفهم لغيره، وأوحى بالشّكر لخلوتهِ، فأراح واستراح، وأشاحَ فاستباح..
ففيما يعبرُ المعنى الضّفة إلى “ما قيلَ”، فيستعيدُ ما تقطّع في اللفظ ممّا “لا يُقال”، كأنّ عبقرية الوحش الرابض تحت سقف الإفصاح، لم يرنُ إلى الغصّة في حلق اللغة، فيداوي الضِعة بالمكابرة. ولم يستنكفَ برهةً عن ملاحقة المعنى، فيُداري المفاصحةَ بالمداورة..
إنّ شأناً عتيّاً في روح الكاتب، يطردُ مأتياً، وهينةً في المعيش تدفعُ مقضيّاً، وسُحنةً في الوجهِ تستدركُ مقصيّاً، وهزّة في البدنِ تستذكر معنى مغشيّا..
ثم استندَ على عكّازتهِ، وأشار بسبابته، ثم أردف قائلاً:
– إنّ شأن اللغة والمعنى يشبهان ما يستقرّ بجوف الدّنيا من الغرائب والنّوازل، فأعقد المكاره قد تُفرجُ بأيسر الحلول، وأبسط المصائب قد تُفكّ بأصعب المناهل. فمن سخريّة الدنيا أنّ الأضداد فيها متلازمة؛ فاليسر لا يستثني المشقّة، والنّعيم لا يلغي الجحيم، والمسرّة لا تَعْدم المضرّة.

وما هي إلا برهة من الوقت، حتى تأفّف واستدار، وحدّث بالغائب عن الحديث، بمُكنة الحاضر من الصمت:
– لقد امتثل إلى ناظريّ ما سوف يجيء ويليّ؛ فأمر الدّنيا أمَرُّ في القلب من السلوى، وأشقّ على الحال من ضيق الفجوة، ذاك أنّ الخلوة بالناس محنة الجاهل، والجلوة بالنّفس منحة العاقل، والصّبر على المسرّة أهون من الجزع على المضرّة، وما ظهر على القلب، طواهُ اللسان وسترهُ العقل، وما خفي على الخلقِ، طفحَ على الجنان وعرّاهُ الجزع.

قلتُ:

– أعدني إلى المعنى واللفظ:
قال:

– إنّما المعنى واللفظ؛ توأمان، ولو كانا مُختلفان، شأنهما؛ شأن الفجر والغروب، والليل والنهار.
قلت:

– كيف؟
قال:

– الفجر أخو الغروب، والليل شقيق النّهار، رغم أنّهما يختلفان في هيئة التعادل، ولكنّهما متقاربان في طويّة النقيض؛ أحدهما يُذكّر بشيء انتهى فقضى، والآخر يبشّر بأمر قد بدأ وشرعْ.
قلت:

– أخبرني عن القارئ، فقد أزفت اليقظة؟
قال:

– قد آل إلى التلاشي مع انبلاج الزّمان على الصوراف، فلا نزول إلى أعلى إلا قليلا، ولا هجرة إلى الداخل إلا يسيرا، ولا تقدّم إلى الوراء إلا نادراً، ولا اصطفاء للثمين إلا بالركون إلى الرخيص، ولا سُخرة للمعنى إلا بوضيع اللفظ..

قالها ومضى، وسكتُ لأبقى..

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

“مصحّة فرانز فانون”.. أو الجنون الذي تخلّفه السّياسة في الشّعب

تشرّح رواية “مصحّة فرانز فانون”، لعبد العزيز غرمول، وضعا مزريا للمرحلة الحالية للجزائر، التي لم …

يوم التقيت الكاتب

عمّار لشموت كان من المقرّر أن تبدأ النّدوة على العاشرة صباحًا، في مكتبة الاجتهاد، بشارع …