الجمعة، 22 يونيو 2018

الفايسبوك.. حلبة صراع لمن يُحسبون على الثّقافة

جلال الدّين سماعن

منذ مدّة طويلة، حمّلت كتاب (Facebook m’a tuer) لصاحبيه ألكسندر ديزيسنار و توماس زوبر. لكنني وفي كل مرة أُأجل قراءته كوني كنت حديث العهد بهذا الموقع وكنت جدّ مقتنع بأنه ليس بهذا القدر من الخطورة. كيف لا وقد مكنّني من التعرّف على أناس من مختلف بقاع العالم، بل ووصلتني كتب ورسائل من فرنسا، البرازيل، أمريكا وغيرها من الدول.

في بداية عهدي مع هذا الموقع، لم أكن أنشر إلا صور كتب ومقولات عن الأسفار والكتّاب. أنشأت أيضًا مجموعة تضم عشّاق الكاتب ياسمينة خضرة أنشر فيها مستجداته والكثير مما يكتب عنه في الصحف والمواقع.. ثم، ولست أذكر كيف، بدأت أنشر بعض خربشاتي معلقا عن الأحداث التي تشهدها البلاد وبدرجة أقل ما يحصل في العالم. فقرات فيها الكثير من التهكّم والدّعابة عن واقعنا المحزن والدّاعي إلى البكاء أكثر منه إلى الضحك.

حينها بدأت علاقتي مع الفايسبوك تتغيّر، شيئا فشيئا، قبل أن أغدو مدمنا. أتصفحه في كلّ حين لمراقبة عدد اللايكات وقراءة التعليقات التي غالبيتها العظمى مدح وثناء عن طريقة الطّرح وجمال الأسلوب. بعبارة أخرى، أصبحت واحدًا من هؤلاء التافهين الذين تحدث عنهم أومبيرتو إيكو – تغمدته السماء بشآبيب الرحمة والغفران – ممن منحهم الفايسبوك منبرًا للحديث وتخيّل أنفسهم كبارا.

ككلّ مدمن، لم أتفطن إلى هذا الإدمان إلا بعد حين، عندما تراكم عليّ العمل وحين أدركت بأن معظم الكتب التي اقتنيتها لم أقرأها وأنني إن واصلت على هذا المنوال فلن أقرأها أبدًا. تفطنت إلى الأمر حين أدركت بأنني أصبحت أنام في السّاعة الثّالثة صباحًا وحين أستيقظ لا أبدأ يومي إلا بتصفّح حسابي.

بدأت حينها فكرة قراءة الكتاب الذي حمّلته منذ مدة طويلة تلّح في خاطري ولكنني لم أفعل – وربما لن أفعل – بعدما اكتشفت بنفسي وبعد فوات الأوان ما سأجده فيه بنسبة كبيرة. مشكلة الفايسبوك ليست في كونه مستهلكا – مهدرًا – للوقت بامتياز، بل بتأثيره البالغ في تعاملك اليومي مع أشخاص هم أيضا أصدقائك في هذا العالم الافتراضي. يكفي أن يتوقّف أحدهم عن الإعجاب بما تنشره حتى تبدأ سلسلة من الأسئلة في طرح نفسها بإلحاح وتنتهي غالبا في كرهك لهذا الشّخص ورغبتك الزّائدة في عدم الالتقاء به في الحياة الواقعية. يكفي أن يعلّق أحدهم مبديا رأيا مخالفا حتى تصنفه في خانة غير المرغوب فيهم في حياتك. ولأننا بعيدون بقرون عن ثقافة الحوار وتبادل الآراء في تعقل وحكمة فكثيرا ما كان الفايسبوك حلبة صراع لمن يُحسبون على الثّقافة والفكر وكلّ منا قرأ هوشاتهم الصبيانية وكيف أضحوا بين عشية وضحاها أعداءً لبعضهم بعضا، بسبب عالم نصّر رغم ذلك على نعته.. بالافتراضي.

توقفت منذ مدة عن النشر وكثيرًا ما أوقف حسابي كلية. لن أستطيع وصف الشعور الذي ينتابني الآن وقد أصبحت أحّس إلى حدّ ما بالوقت وبشيء من الرضا عن يومياتي التي لم أعد أقضيها على الفايسبوك. قرأت كتبا كان من المفروض أن أقرأها منذ ثلاث أو أربع سنوات، شاهدت أشرطة وثائقية وأفلام غيّرت نظرتي إلى الكثير من الأشياء و أجمل من كل هذا أصبحت أقضي وقتا أطول مع جلالتها، أمي، تقصّ علي من ذكرياتها وتعلمني خرافات كبرت عليها: شركة الهلال، ماء المطر للعازبات، وخاصّة سنوات زواجها الأولى من أبي..

لعقوبة ليكم!

ملحوظة:

قد تقرؤون كلامي هذا ثم تجدونني صائلا جائلا في حساباتكم الفايسبوكية، لكنني لن أفعل ذلك إلا مرة في الشهر لأن “لعنة الفايسبوك” تشبه كثيرًا اللعنة المذكورة في أغنية فندق كاليفورنيا: يمكنك أن تقوم بإخلاء غرفتك متى شئت لكنك لن تستطيع أبدا مغادرته.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

خلفيّات العنصرية الجديدة في الجزائر

العام الفارط، ارتفعت أصوات ضدّ العبارات العنصرية التي أطلقها رئيس الحكومة الحالي أحمد أويحي، ضد …

تكريم المبدع قتل لحرّيته

منذ تولّي عزالدين ميهوبي، حقيبة وزارة الثّقافة، طغى على المشهد الثّقافي في الجزائر طابع التّكريمات، …