الخميس، 20 سبتمبر 2018

عن الأدب الجزائري(1): بين “نجمة” ورشيد بوجدرة

كاتب ياسين

منذ أن كتب كاتب ياسين “نجمة”، صار المراهقون، في الروايات الجزائرية، يصلون عبر القطارات والحافلات إلى بيوت عمات وخالات بعيدات، يدخلون مرحلة الرّجولة عبر مدن وتجارب جديدة. يُردِّد الكثيرون أن ياسين – بما فيهم هو نفسه خلال حواراته – جعل في روايته أربع شخصيات حول نجمة لأنه كان يُريد أن يكتب قصّة الشّباب مع بلده الجزائر وقتها، هذا ليس صحيحًا، خُرطي في خرطي! الأربع شخصيات كانوا ياسين في الوقت نفسه.

أربع شخصيات تمثّله هو، أربعة ظلال لشخص واحد، دفع كاتب ياسين بوجوده من أقصى لأقصى، تجاه الماضي والمستقبل وفي أربع اتّجاهات مختلفة، أربعة مصائر تدور حول نجمة، سمّها ما شئت: تمثيل للخامْسَة، تمثيل لرقصة قَبَلية قديمة، توزيع الهموم والحبّ الذي عَصَرَهُ في منتصف الأربعينات على أربع شخصيات… سمّها ما شئت، كل هذه الاقتراحات أكثر عقلانية من القراءة التي تقول أن نجمة هي الجزائر! نجمة هي امرأة، أحبّها ياسين، وملأ فراغات هذا الحُب بالأدب، بحياته هو، بالخيال، بالكلمات… نجمة امرأة لم ينَلها ياسين فكتبها في أكثر من كتاب.

دائماً ما جرّ كاتب ياسين، بشطحاته، نفسه والأدب الجزائري من ورائه إلى أسئلة لا جواب لها، جعلته يدخل في سلسلة لا تنتهي من الجدران، من أوّل رمزية الشخصيات وعلاقة الفردي بالجماعي حتى استعمال اللغة الفرنسية ووصفها تارة بغنيمة حرب، ثم القول أنّها فم الذئب… ثم التحوّل للكتابة (أو ترجمة الأصدقاء لأنه لم يُحسن الكتابة سوى بالفرنسية) بالدارجة حتى يفهمه “الشّعب”، دون أن يُحدّد من يكون هذا الشعب؛ المُشكل طبعاً ليس في كاتب ياسين، ليس ذنبه إن كان وقتها صاحب موهبة وتصميم وشخصاً يُلاحظ ويكتب بلا توقّف، طبعاً كان الأمر صعباً وقتها، عليك أن تكون كاتباً ومُشاركاً في بناء المجتمع وشخصاً يُخفي توجّهاته السّياسية – أمرٌ لم يكُن يُحسن فعله – وفوق كلّ هذا أن تكون قوّاداً وتحرس نفسك من القوّادين، كانت جزائر ما بعد الاستقلال كل هذا وأكثر… لكن ما يهُمنا نحن هو “نجمة” التي نُشرت عام 1956.

أظنّ أن القراءات التي خنقت الرّواية جاءت من الأكاديميا الفرنسية، البلد الذي لا يزال يطبع الرّواية – شُكراً للربّ – حتى اليوم ويجعلها متوفّرة (وإن كان ذلك بأغلفة بشعة عن سلسلة Points لدار Seuil)، المهم، الفرنسيون أرادوا نجمة مُقابلاً جزائرياً لغريب ألبير كامو، وركّزوا على الجريمة التي يقوم بها مُراد في الفصل السّابع، لكنّهم لم ينتبهوا – أو تجاهلوا – أن ياسين يلعب في منطقة بعيدة عن ألبير كامو، فبعد الجريمة، وبدءاً من الفصل الثامن، تتكهرب الكتابة وتبدأ الصّفحات التي صنعت مجد ياسين في الظهور. فرنسية لا كما يعرفها الفرنسيون. شيءٌ بين لُغة “الأهالي” الذين لا يُحسنون نُطق لغة المستعمر وبين شِعرية ياسين، الذي كتب ديوانه الأول في سنّ السّادسة عشر. حوارات تتداخل، الزمن يفقد رتابته ويمّحي، مونولوغات، فلاش باك وتسريع للأحداث. ثم تلك الجملة الرّائعة: Mère le mur est haut، أو كما نتخيّل لخضر يُغنّيها في السّجن: يُمّا السّور عالي. ثم صفحات من الحكايات في عنابة، التي تنطلق منها ألسنة الشخصيات في رقصةٍ قبلية تنتهي أمام باب بيت نجمة، ثم بواخر تعبر البحار إلى مكّة والقاهرة ومارسيليا، وسيارة تتحطمّ براكبيها في تونس، ومراهق قذرٍ يصلُ من الأوراس. تنتفي الكتابة البيضاء المُسطّحة الخادعة التي بدأت في الصّفحات الأولى ويتسلّمنا ياسين، نحن القراء، ولا يتركنا إلاّ والدهشة قد تمكّنت منّا.

قليلون هم من فهموا هذا، وعلى رأسهم رشيد بوجدرة. لاحقاً، وعندما سيبدأ هذا الأخير في الكتابة، يُمكننا أن نتتبّع أثر “نجمة” في كلّ كتبه، هو الذي ينتمي لطبقة اجتماعية أعلى بقليل من طبقة ياسين، وكلاهما يأتي من الشّرق الجزائري. يقول بوجدرة أنّ أول رواية جزائرية حقيقية هي “نجمة”، وعندما قرأها وهو مُراهق صعقه النّص، كأنه يقرأ ويليَام فوكنر جزائري… خاصة أنّ هُنالك شخصية “قسنطينية” اسمها رشيد في الرواية؛ أيّ هدية أجمل من هذه بالنسبة لمراهق يعيش الحرب والضجر من الأدب المحلي حديث الولادة؛ يُمكننا وبقراءة سريعة لأعمال بوجدرة من السّتينيات وحتى اليوم، أن نُلاحظ تسرّب شخصيات مثل العم سيد أحمد الذي يُضيّع ثروته وحياته وراء النّساء والسّرعة، أو شخصية السي مُختار العجائبية، وحتى نجمة نجدها في كل شخصيات بوجدرة البعيدات المتبخّرات رغم حضورهن الجسدي، بُعدٌ وتبخرٌ لا عجائبية فيه، بل لأن الشخصية الرئيسية لم تستطع الوصول إليهن.

هناك أيضاً شخصية المراهق التي عرف بوجدرة كيف يبدأ بصوتها كل رواياته، مُراهق أصغر بقليل من مراهق كاتب ياسين، لأن مراهق بوجدرة يعيش ما بعد اندلاع الثورة (1954) بينما لا يزال مراهق كاتب ياسين فيما بعد صدمة 8 ماي 1945. عرف بوجدرة كيف يُوسِّعُ من عالم ياسين ويفتحه على عالمه هو، وبذكاء، نافِياً كُل شُبهة رمزية عن شخصياته، رُبما أيضاً لأنّه وليد لحظة الثورة ولم ينتظر الاستقلال طويلاً، وعندما جاء هذا الأخير تأقلم بوجدرة بسرعة أكبر مع العالم الجديد.

أكمل بوجدرة رسم الدائرة التي بدأها ياسين… ولكنّه في الأخير أغلقها على نفسه.

مع أعمال رشيد بوجدرة تنتهي دائرة الحياة الأساسية والقوية للرواية الجزائرية، الدائرة التي جلبت الماء لطواحين الكُتّاب الآخرين كما يقول المثل الفرنسي، وعلى الرواية الجزائرية – باللّغتين – والأدب الجزائري عموماً، أن تُجدّدَ نفسها أو تتبخّر.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

“مصحّة فرانز فانون”.. أو الجنون الذي تخلّفه السّياسة في الشّعب

تشرّح رواية “مصحّة فرانز فانون”، لعبد العزيز غرمول، وضعا مزريا للمرحلة الحالية للجزائر، التي لم …

يوم التقيت الكاتب

عمّار لشموت كان من المقرّر أن تبدأ النّدوة على العاشرة صباحًا، في مكتبة الاجتهاد، بشارع …