الإثنين، 19 فبراير 2018

ماركس إنْ غضب!

ضيف حمزة ضيف

كارل ماركس

(1)

في نقدهِ لأستاذه هيگل يعتبر كارل ماركس أنّ وجه الاختلاف الموضعي بينهُ وبين هيگل يكمنُ في طغيان الجانب الصّوفي على أسلوبهِ في الديالكتيك.

ويشكو ماركس بٌعيد هذا النّقد الوجيز لهيگل في كتابه الضّخم “رأس المال” (صفحة 27، من أصل 834 صفحة) وما تلاها(المجلد الأول)، بأنّه في الفترة التي انشغل فيها بإكمال مؤلفه السّابق الذّكر، برزت طبقة “تافهة” و”مضحكة” و”مقلّدة” في ألمانيا، تصدّرت المشهد الثّقافي واستولت على الواجهة، استهانت بهيگل مُستعينة تحت تأثير “الغباء” بأفكار ماركس، مثلما كان “المِقدام” (هكذا وصفه ماركس ساخراً) موزيس مندلسون في عهد ليسنگ يستهين بـ سبينوزا كـ “كلب ميت” (يقصد مندلسون)..

ثم يختتم ماركس بالقول بأنّه “تلميذ لهذا الفيلسوف العظيم”، ويعترفُ بأنّه حاكى هيگل في التّعبير عن نظرية القيمة، وبأنّ وجه الاختلاف بينهما؛ يتجلّى في صوفيّة هيگل في الديالكتيك، وبأنّه – أيّ ماركس – قد استفاد من خلع التصوّف الفلسفي عن الديالكتيك الهيگلي الذي حوّلهُ إلى حركيّة عقليّة في نقد رأس المال البرجوازي.

بغضّ النّظر عن ذبّ ماركس عن أستاذه الذي انتقدهُ، وانتقد على إثره الهيگليين الشّباب، لا سيما برنو باور، يبقى مفهوم القيمة في حدّ ذاتهُ، إفصاحٌ جديرٌ بالنّظر في الإطارين الكوني والمحلي، إذ إنّ القيمة المتوخّاة من حركتين يدويتين، هي ما يمكن أنْ نستمدّ منها معنى يفدُ إلى الذّهن أولاً، ثم ينتقل إلى الممارسة الحياتيّة، فالشاهد أنّ خلوّ مفهوم “القيمة” من التّداول القرائي، هو ما يؤسّس عادةً لوجود نقّادٍ من خارج الخدمة النّاجعة، أولئك المقصيّون من العمق، والعابرون من الشّيء إلى اللاشيء، ما يفرز لنا مثقفين ونقّاداً لم يقدّموا محتوى نقدياً، جديراً بأن يرى في مفهوم قيمي من خارج نصٍ؛ هو الموضوع، وشرحٍ يأتي مكملاً للمعنى، منصرفٍ عن التّلخيص..

لكنّ غير هذا الرهان النقدي ينبغي له أن يتذكّر جيداً ما عقّب به ماركس عن النقّاد الألمان الذي تناولوا الجزء الأول من كتابه “رأس المال” بملاحظات جانبية ليست ذات بال، فوصفهم ماركس في ذروة الغضب المنهجي بـ “أصحاب الألسنة المعوجّة” في التهميشات والحواشي السّفليّة من كتابه موضع الشاهد.

(2)

أصّل كارل ماركس في “الإيديولوجيا الألمانية” لمقولة الفيلسوف الألماني ماكس شتيرنر: “إنّك تساوي قدر ما تملك من مال لا غير” (تقابلهُ في الموروث المصري: معك قرش تسوى قرش). ويصف هذا القول بـ “الشّعار البرجوازي” التافه.

يفرّق ماركس بين المال كحالة نفعية خالصة للفرد في تطوره لكي يصبح جماعةً، وبين كونهِ مجرد “مظهراً للقوّة الشخصيّة” دون أن يدلّ على مضمون هذه القوة في سياقه النّفسي، ويعتقد بأنّ الأوهام البرجوازيّة تداخلت كثيراً مع أحلام الفقراء بالشّكل الذي يجعل البرجوازيين يحرفون المعركة التي يقودها الفقراء ضدّهم، إلى تحويلها إلى صراعٍ نفسي حادّ ذي طابع فرداني.. ويستشيط ماركس غضباً في دفاعه الشّريف والمحموم على الفقراء واصفاً شتيرنر بـ “الحمار المتبخّتر بكلتا أذنيه”.

المأزق الأكبر في رؤيتنا للمال، بوصفه حالة من خارج التّداول النفسي، بحيث يصبح المال ذو دور تأسيسي في بناء النّسق النفسي، أنّه يفرض علينا جملة من التصوّرات القائمة على التّمييز دون أن تكون قابلة للتّمايز، فيتحوّل الفرد إلى جماعة، والجماعة إلى فرد، أيّ هنالك سحل موضعي للهندسة النفسيّة بناءً على مراكز اجتماعيّة عارضة، كان يجب أن تبقى من خارج البنية النفسيّة للإنسان.

لطالما كانت المعايير مقلوبة والمقاييس متناقضة في عالم البشر الذي لم يتعفّف قطٌ عن السحر الدنيويّ. لم يكن هنالك شيء جديرٌ بأنّ يفهم في نطاقه المنطقي. كلّ شيء مدرج على سياقٍ مماثل لفهمه المعكوس، عاشَ البشر على غرارهِ؛ ضحايا النّقيض المتلازم، وشهداء المضامير المرهقة! في الحبِ والكُره مثل الحياة والسّياسة والاجتماع؛ يتأدّى النّظام عن التشابكِ، والاستقامة عن الاعوجاج، والسموّ عن الانكسار، والكفاف عن الادّقاع..

ليس الاختلاف بين أفكار النّاس وملامحهم ما هو جدير بالتّأمل حقاً، إنّما التشابه بينهم في حدّ ذاته، فإنْ صادف أنْ لاقيت في مسارب حياتك، ما يجعلُ وجهين متطابقين بفارقٍ ضئيلٍ أو فارقين، تستهويك تلك الدهشة حيالهما، أنّ ترى أحداً بدون الآخر، أو ترى الآخر منزوعاً منه آخر، ما يثير في مخيلتك القدرة على تصفّح ورقتين في صفحة!
ثمة مثيل ودخيل، ليس فارق العمر والفكر على ما فيهما من حجّة وبيان، ما يكفي لطرد الابتسام في حضرتهما.

وماركس كان يمعنُ في وجه الشّبه بين النّص والنّقد الموجّه لهُ، فيعمل على الاستعانة بما يراهُ في الحرية بأنّها “وعي الضّرورة”، فيخرج عن النص حين لا يرى ذلك الوعي في النّقد الذي يوجهه أيّ دارسٍ إلى كتبه أو كتب غيره.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

رودريغو بلانكو كالديرون.. لا فرق بين الجزائر وفنزويلا

 ترجمة: سماعن جلال الدين نشرت مجلة “لير” الفرنسية، العام الماضي، مقالا عن الكاتب الفنزويلي رودريغو …

“مولانا” يعيد فتح جراح الجسد العربي

زهور شنوف أخيرًا، وصل فيلم “مولانا”، إلى الجزائر، وعُرض مؤخرًا ضمن “مهرجان وهران الدّولي للفيلم …