الخميس، 20 سبتمبر 2018

اعترافات حراڨ.. حين تهرب، لا تفكّر في العودة

فارس حدّادي

حين دخلت إلى الفندق، كان الوقت فجرًا. تثاقل الكهل الأعرج في فتح الباب، بعد أن تمكّن منه النّوم وأغراه الدّفء. طردت كلّ الأفكار، من رأسي، واستسلمت للنّوم كوسيلة للهروب من الإحباط، في انتظار غد آخر قد يحمل جديدًا، يبعدني عن أزمير، تلك المدينة المزدهرة بالخيبات.. التي تُشبه الجزائر في جفاءها، عدوانيتها وساديتها. بالمناسبة، كيف هي الجزائر؟ لم يعد يربطني بمسقط رأسي إلا عيون أمي..

عثرنا على مُهرّب ٱخر، لم يقنعنا عرضه رغم بساطة المبلغ  المطلوب. أراد أن نعود إلى اسطنبول لنجرب برًا على مدينة إدرنة شمال غرب تركيا للدخول إلى البر اليوناني، لا يمكن العودة إلى اسطنبول بدون جواز سفر، خاصة مع وجود حواجز كثيفة للدرك التركي في الطريق المؤدي إليها، ثم الأخبار القادمة من هناك لا تشجع على المغامرة، بسبب تدهور الطقس ووحشية حرس الحدود الأتراك واليونانيين على حدّ سواء.

اتصلت بمكتب تأمين الأموال في اسطنبول، الذي وضعنا فيه أموالنا بعد الاتفاق مع المهرّب سيء الذكر هناك، قبل توجهنا إلى أزمير مع احتفاظه بالجوازات.

تخلينا نهائيا عن فكرة المحاولة معه مجددًا، بعد أن رأينا منه مسلسل خيبات وفشل، نجح السمسار في الحصول منه على الجوازات فيما المال حوّله المكتب إلى بسمانة مقابل عمولة مالية عبر وسيط سوري، وهكذا تخلصنا من الرداءة  والنحس المتواصل ولم يبقى أمامنا إلا البحث عن مهرّب أخر، طبعا لا يوجد أفضل من السوداني الذي نصحنا به مواطنه صلاح .

صباحًا، في الفندق عائلات سورية حجزت بجوارنا، الفزع يصرخ من عيون الأطفال بثيابهم الرثة وملامحهم المثيرة للحزن.

الطفولة المعذبة، المستباحة في فرحها، حياتها، حاضرها، مستقبلها، أولئك الأطفال يمشون بتثاقل، بعضهم ترك لعبته في فناء البيت ويحن إلى محفظته، بعضهم ينقصه النوم وأحلام الطفوله وانتظار العيد، وبعض آخر يسعل بشدة ويمسح أنفه بكمّ قميصه، وبنت جميلة في العاشرة من عمرها يسكن عينيها رعب مع أيادي ترتعش من الخوف والبرد، حدائق الشّام يابسة في شفتيها، نهر بردى يذرف دموعا من عينيها السوداوين الواسعتين، جيل الحروب والظلم سياحكمك أيها العالم في محكمة التّاريخ!

ماذا كان سيكتب الماغوط، ذلك الكئيب السّوداوي، عن التغريبة السورية؟

شاب جزائري، بوجه شاحب وثياب احتلها ملح البحر، في ردهة الفندق يدخن ويتحدث في الهاتف ويشكو سوء الحظ ونفاد ماله وقراره العودة إلى الجزائر بعد أن حاول كثيرا بلا فائدة، يسخر منه الوطن ويستعد لمنحه مزيدًا من البؤس وإكرامه بطبق خيبة أكبر من الخيبة التي نالها في تركيا .

اتّصلنا بالسّوداني من أجل أن يسحب لنا المال، لأن الجوازات لم تصل بعد من اسطنبول، جاء رفقة كهل ستيني سوري يقيم في تركيا منذ عقود، بواسطة هويته التركية سحب لنا المال من مكتب الوسيط السوري. يقع المكتب في بناية شاهقة، أغلبها محجوز لتجار وسماسرة سوريين يتاجرون في كلّ شيء: عطور، معدّات إلكترونية، سيارات، عقارات، إلخ. اتجهنا بعدها إلى مقهى مقابل مسجد بسمانة بعد أن دفعت للكهل السوري 60 ليرة تركية نظير ما قام به، كان خليل، ببشرته السمراء الفاتحة وطول قامته المعتدل ولهجته السودانية الجميلة، وديعًا جدًا وهو يعرض خدماته، عرض مبلغا معقولا وبعد مفاوضات قام بتخفيضه إلى 500 أورو وهو مبلغ أقل من المبلغ الذي اتفقنا عليه مع مهرّبنا  الأول  الوغد، وغالبا ما يدفع السوريين وغيرهم ضعف المبلغ وأكثر، خليل اقتنع بمعاناتنا ووضعنا الحرج بعد مرور أكثر من شهر على وجودنا هنا، دفعت له المال مسبقًا دون أن أضعه في مكتب تأمين كما نصحني بذلك، وجدت أنه جدير بالثّقة وليس نصابا بتعبير السوريين .

في الفندق جاء مهربنا الأول ولم يجد منا إلا رفضا قاطعا، رغم كل إغراءاته بدفع إيجار الفندق واقتنع بأننا أفلتنا منه، حتى اللورد لاحظ ذلك وأدرك بأن أمرنا حسم لصالح مهرب آخر، ومع هذا بقي بيننا وبين اللورد محبّة وتقدير لم ينقطعا ويتجاوزا جشع المهربين وخستهم .ربما باستثناء خليل الذي يبدو إنسانا صادقا لا يبعث على الريبة .

زارنا شيار، كان يبدو عليه الحزن بسبب وفاة جنين زوجة شقيقة يردين بعد أن سألناه عن وضعها، توفي الجنين بسبب البرد الشديد الذي ناله في ذلك اليوم الجليدي الذي تعطلت فيه الحافلة وبقينا في البرية لساعات.. ما أبشع الحياة..

عاد يريدن برفقة زوجته المفجوعة إلى اسطنبول بعد أن خاب أمله في الوصول إلى اليونان ونفاد ماله، فيما شيار فضّل المحاولة مجددًا مع زوجته وكان قد اتصل بمهرّب سوري وطلب منا أن نحاول معه ولم يقتنع بالمحاولة مع صلاح وتوقّع أن نفشل مجددا، ودعت شيار بعد أن تجولنا قليلا في سوق بسمانة وتمنّيت له حظا موفقا.

هذا الكردي المرح بشخصيته القوية خلفه الركام وأمامه حلم يهرب بنفس السرعة التي أخذ فيها الموت جنين يردين.

آخر غداء في أزمير التي أصبحت عقبة أمام حلمي، في مطعم صغير مقابل لكاراج بسمانة تملكه سيدة كردية بارعة في شوي السمك وتقديمه مع بهارات وفلافل وحساء لذيذ وبأسعار مخفضة جدا، تدخّن وتحتسي شايا وببراءة الجدات ترتدي نظارات طبية وتتصفح الفيسبوك من هاتفها الفاخر، دفعت حساب الوجبة وشكرتها على الوجبة اللذيذة، تشكرآآآت ماما. تبتسم والصفاء الكردي يصرخ من عيونها الخضراء الصّغيرة.

الأكراد شعب الله العاشق للحياة والفرح، البارع في البوح بمآسي تاريخية لأمته التي طالها التّشرد والقمع ومصادرة الهوية، عبر الغناء والمواويل بموسيقاها الموغلة في الحزن. غير بعيد عن الفندق، هناك محل يديره شاب كردي يتحدّث العربية بصعوبة ويحفظ بعضا من كلمات نابية للجزائريين ينطقها بمخارج تبعث على الضحك، عرض خدمته علينا مقابل سعر زهيد لكن فضلنا عدم المغامرة في كلّ مرّة نتردّد على محله للحصول على قهوة سادة.

وصل السّمسار وبحوزته الجوازات في كيس أسود صغير، دفعت له ثمن خدمته الجليلة ولم يتوقّف صاحبنا عن عرض خدماته واكتفيت بشكره.

هاتفني خليل وطلب منّي الالتحاق به عند محل لبيع وتصليح الهواتف في سوق بسمانة الشّعبي، أخبرنا بأننا سنغادر إلى بيت في ناحية غير بعيدة، كان برفقته شاب مصري أسمر يحمل حقيبة ظهر ويدخّن كثيرًا، يبدو في عقده الرابع.

سوق بسمانة يشبه كثيرا أسواق الجزائريين، مقاهي على جنباته، محلات عتيقة ومطاعم شواء وأطعمة تقليدية وفواكه معروضة على الرصيف بأسعار منخفضة.

سرنا خلف خليل والشّاب المصري خارج المدينة، خرجنا من الطّريق السريع إلى زقاق شعبي على جنباته ملاهي وكباريهات تظهر من زجاج واجهاتها شقروات بثياب مثير، نهود متدلية وسيقان بيضاء ناعمة مكشوفة، ملامحهن توحي بأنهن روسيات وأوكرانيات يشتغلن  كعاهرات وراقصات، على الرصيف تزودنا بكمية من السجائر المهربة المحشوة داخل أكياس بلاستيكية صغيرة.

خليل أمامنا يمشي بكلّ ثقة في النّفس غير آبه بأحد ويتبادل حديثا مع المصري، هذا الشّاب السوداني تتدفق طيبته كنهر النيل، وعوده بالنجاح تدفعني لتصديقه بكل حماسة.

وصلنا إلى بيت عتيق، يقع في طرف طريق عام في زاوية لا تلفت الانتباه، يتكوّن من مطبخ إلى جنبه حمام مع غرفتين وردهة صغيرة وبلا نوافذ باستثناء المطبخ، وجدنا هناك شبابا من باكستان أو “البكْ بكْ” كم يشتهي الجزائريون تسميتهم . أحدهم يتقن العربية رحب بنا وصافحنا مع إبتسامة تكسر الحاجز بين الغرباء. شاب من بيشاور خريج جامعة بملامح طفولية وعيون خضراء وابتسامة لا تفارق حديثه، إلى جانبه كهل مع مراهقين وشاب آخر أنيق، كانوا يشاهدون فيلما هنديا على هاتف تم ثبيته في الجدار.

في الغرفة الأخرى شاب كونغولي ضخم مع شابتين وشاب من الدومينيكان.

يتبادلون النّكات بإنجليزية ركيكة مع مفردات إسبانية..

خرج المصري لتناول الطعام، وبقينا هناك نعبث بالهواتف ونحتسي شايا وندخّن.

في المساء، عاد المصري. كان متوجسا منا نحن الجزائريين، جاء شاب سوري أشقر متردّد وخجول حتى بادره المصري بالحديث.. عبد الرحمن، طالب طبّ، هرب إلى تركيا من حلب قبل سنتين، بعد أن وصله استدعاء الخدمة العسكرية، والداه بقيا في حلب وشقيقه يقيم في ألمانيا. كانت له تجربة في بحر إيجة، يرويها بحسرة وألم، كانت فيها الضّفة الأخرى على مرمى حجر(اقل من 300 متر) ، لكن قائد القارب رفض الاستمرار خوفا من البحرية وفضل عبد الرحمان العودة من حيث أتى لأنه لا يُجيد السّباحة.

على الشّاطئ، وجد أفراد الجيش التركي في انتظاره، أكرموه مع مرافقيه بالضّرب والإهانة وأنقذته اللغة التركية التي يجيدها بعد أن حاول ضابط إدانته بتهمة التّهريب.

يُتبع..

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عمار بلحسن في ذكراه : الكلمة والموقف

في مثل هذا اليوم 29 أوت من سنة 1993، رحل الكاتب عمار بلحسن، وهو في …

كاتب ياسين مدافعاً عن اللغة العربية

جلال الدّين سماعن في مارس الماضي، نشر غي دوغاس (Guy Dugas) في مجلة (Continents manuscrits)، …