الثلاثاء، 16 أكتوبر 2018

إسماعيل يبرير يكتب: سابعُ دلو

وقف الدّلو (هكذا أصبحَ اسمه منذ عاد من ألمانيا الشّرقية، وربّما لم يذهب وتوهّم الأمر فقط) أمام سفارة ألمانيا حاملا وثائق غامضة، يقولُ الذين شهدوا وقفته تلك، أنّه كان يقدّم الدّليل على أنّ والدهُ ألمانيّ، وأنّهُ جرمانيّ منسيّ في الجزائر، البعضُ استغرب كيف يملك عجوزٌ في السّبعين أبا ألمانيا وأمّا جزائريّة، لكنّه كان يملك الحقيقةَ وحده، يحكي الحاضرون أنّهُ قال بصوت مجروحٍ: “أمّي كانت ملعونة، وانتقلت لعنتها إليّ، أمّي كانت بنتا جميلة لسيّد من أصول تركيّة، جزائريّ من أصول تركيّة، ليس كُرغليّا… أبدا ليسَ كذلك، كان تركيّا كاملا من الوالدين معا، والده كان مخازنيّا[1]، يعني قائما على الضّرائب، وأمّه كانت حفيدة قائد في الجيش العثمانيّ بلغ كبد أوربا، لكنّ الحياة مواضع وحالات، وقد أصاب أمّي من الوجع ما أصابها، تيتّمت صغيرة وعاشت مع أمّها في بيت كبير بالغرب الجزائريّ، لكنّ عين القايد خادم فرنسا سقطت على جدّتي بلهفة، كانت جدّتي فاتنة، ثمّ سريعا التهمت عينهُ الشّريرة البيت الواسع الكبير، هكذا وجدت جدّتي وأمّي الشّارع مأوى لهما، لم تتحمّل الجدّة الحسناء أن تهان أكثر، لهذا فقد أسلمت روحها في ليلة مباركة من شهر رمضان في مطلع القرن الماضي، وأصبحت أمّي وحيدةً، ولا تسألوني ما تفعل امرأة وحيدة، جميلة، يافعة بلا مأوى ولا أهل؟

فكّرت أمّي المسكينة أن تُسافر إلى تركيا، لكنّها لا تملكُ المال ولا اللّسان ولا الأوراق التي تقودها إلى من يفترض أنّهم أهلها، فكّرت أن تنتحر، لكنّها كانت أجمل من الموت، فكّرت أن تتزوّج برجل من العامّة، فلاح أو عتّال أو حارس من حرس القايد خادم فرنسا، أو أيّ ذكر يمنحها سقفًا، في النّهاية لم يكن أمامها إلا المبيت أمام باب بيت القايد، كانت في السّادسة عشر من عمرها، مضيئةً لا عين تمرّ دون أن تتسمّر وتقرأ بعض حروف الجمال، والجميلات متى كنّ في الشّارع صرن درنات عفنات وأحيانا عاهرات، حاشا أن تكون أمّي عاهرة، لقد ورثت الشّرف والجمال، أصبحت عاملة ببيت القايد، تُساعد زوجته وبناته على التجمّل والاعتناء بأجسادهنّ وشعورهنّ وغرفهنّ، أمضت مقدار عمرها على هذه السّيرة، ترعى بنات القايد الذّميمات حتّى تزوّجن وغادرن بيته الواسع، هو لم يكن بيت القايد بل بيت أمّي، عاشت أمّي ألما فظيعًا وبؤسا كبيرًا في بيتها الذي آل للظّالم، وذات يوم كانت الحرب قد أشعلت كلّ مواقدها لحرق الحياة، جاء رجل ألمانيّ وسيم، طويل (قال هذا وهو يُشير إلى قامته ووجهه) وأقام ضيفا عند القايد، كان الألمانيّ ذكيّا ومتعلّما ومكرّما من الفرنسيين، كان مثل القايد متنكّرا لأهله أو لنقل خائنًا، كانت لديه وجهة نظر وسبب لاختيار الفرنسيين، عكس القايد الذي لا يملك أيّ حجّة لتبرير وضعه، أقام الألمانيّ ما أتيح له، ثمّ حين غادر أصاب أمّي اليأس وطردت من بيتها، الذي أصبح بيت القايد، وعادت أمّي إلى الشّارع، ولا تحتاجون أن أخبركم ما يحدث لامرأة جميلة ناضجة في السّابعة والثلاثين من عمرها إذا رميت إلى الشّارع، لأجل هذا يجب أن تفهموا وأن تخبروا العالم أنّي ألمانيّ، ليس لأنّي ذهبت إلى ألمانيا، بل لأنّ الألمانيّ أقام ببيت أمّي الذي أصبح لاحقا بيت القايد”.

أنهى الألمانيّ خطابه ثمّ جلسَ، اقتربت منه سيّدة في العقد الخامس حاملة قارورة ماء، ودون أن تعرضها عليه استلمها بكثير من الأدب، وشكرها قبل أن يكرع منها النّصف إلى جوفه على نفس واحدة، حين استقام في جلسته، ألقى نظرة فإذا بالوجوه التي حوله مجهولة إلا واحدًا، الأمر الذي أصابهُ بالوجوم، دقّق النّظر نحو الوجه المريب، ثمّ بدت عليه الدّهشة والرّيبة، التفت النّاس ينظرونَ؛ فإذا هو رجل من سنّه تقريبا يحمل محفظة ويرتدي بدلة، بملامح متشابهة، لكنّه أكثر سمرة وأقلَّ طولا، عمّ صمتٌ ثقيل المكان بينما اقتربت سيارة شرطة ونزل منها ثلاثة رجال يضافون إلى أمن السّفارة وباقي رجال الأمن بالبدلات المدنية، ليصبح حضور الأمن ضعف البقيّة، حاول شرطيّ أن يمدّ يده للرّجل ليرافقه فتدخّلت السيّدة التي سقته وطلبت عدم التدخّل في شأن ألمانيّ، تساءل الشّرطيّ بشفتيه واستدار يفتّش الوجوه بحثا عن الألمان في المكان، عادت لترشده مشيرة إلى الرّجل المحتج “هذا الرّجل ألمانيّ، وهو يحمل وثائق هويّته”، انتبه الألمانيّ إلى الأوراق بين يديه، وقبض عليها بإصرار.

“أنت الدّلو السّابع، لا أنت ألمانيّ ولا أنت فرنسيّ ولا أنت تركيّ، أنت الدّلو السّابع، هكذا أخبر عنك والدي قبل موته”، جاء صوت الشّبيه الأسمر مدويًا من خلف التجمّع، ولم يكن بإمكان أحد أن يفهم مقصودَهُ، ولم يكن هناك وقت كاف للتساؤل بشأنه طالما يطلب رجل خرج من السّفارة من المحتجّ أن يدخل إلى مقرّها، نهض الرّجل في افتخار شديد، ومشى بكثير من الخيلاء إلى داخل السّفارة بينما كان مرافقه يعامله باحترام جمّ، أصبح الأسمر في وضع حرج عندما راح الحاضرون ينظرون إليه باستخفاف واحتقار، همّ بالمغادرة حين نطقت السيّدة السقّاءة: “حسد أم حقد أم هو أمر آخر ما حرّكك؟”. التفت إليها، تأهّب ليردّ عليها، لكنه قرّر المضيّ في طريقه لولا أنّها أضافت: “ربّما أنت نجل القايد الخاين الذي باع بلده ووطنه واستولى على بيت أمّ الألمانيّ!”، كان رجال الشّرطة والحضور ينقلون رؤوسهم الحائرة جيئة وذهابا بين الأسمر والسقّاءة، ذات الملامح الحادّة والشّعر الأحمر والتي تبدو متربّصة لمعركة ما، استدار الرّجل تماما، وابتسم ثمّ تنهّد وسألها: “وأنت من تكونين؟ ألمانيّة أيضا؟ أم شاهدة على زواج الألماني بخيرور”، عرف الحاضرون والسيّدة أنّ زوجة الألماني وأمّ الرّجل داخل السّفارة اسمها “خيرور” فتبادلوا النظرات وحركات الرّؤوس.

  • لا أنا هذه ولا تلك، فقط أنا لا أحبّ الظّلم.
  • ومن المظلوم؟ أنتِ؟
  • لا طبعا وهل أسمح لأحد أن يظلمني، أتحدّاك أن تفكّر في فعل ذلك.
  • أنا لا أفكّر في فعل شيء، لكنّي لا أفهم ما تريدين!
  • أريد أن تترك الألمانيّ وشأنه، ما حاجتك به؟ ولماذا تلاحقهُ؟
  • لم أفعل، أردت فقط أن أنقذه.
  • تنقذه من أيّ خطر وقد أصابه الرّعب حين رآك، يبدو لي أنّك الخطر الوحيد في حياته بعد القايد الخائن الذي استولى على بيت أمه الذي يفترض أن يكون بيته.
  • أيّ قايد وأيّ بيت! أنت لا تفهمين شيئا.
  • بل أفهم الكثير، أعرف المآزق التي يتسبّب فيها الأشرار للأخيار، عشت تجربته ويمكنني أن أفسّر سبب ثورتي الآن وتضامني معه.
  • لا أريد سماع تجارب أوربية أخرى أنا مكتف.

همّ الأسمر بالانسحاب، لكنّها قفزت من مكانها صوبهُ وأمسكت بذراعه، “لن تغادر قبل أن تسمعني”، توقّفَ مشدوها، لا يعرف إن كان الأنسبُ أن يدفعها أم يفرّ جريا أم يشكوها لرجال الشّرطة الثّلاثة الذين يقفونَ واجمين؟ أخذت السقّاءة مكانَ الرّجل ونظرت إلى الحضور بكثيرٍ من الصّرامة، كأنّها تشترطُ التّركيزَ التّام، ثمّ بدأت بصوت متهدّج لا يتناسبُ والنّظرات والشّطحات التي سبقت مقامها هذا، قالت السيّدة: “أوّلا أعرّفكُم بنفسي، أنا أمّ الخير الريّان، يفترض أنّي طبيبة، طبيبة وفقط لست أخصّائية، كان بوسعي أن أكون أخصّائيّة، لكنت نجحت كطبيبة قلب، أعرف تقلّب القلوب، أمّا كطبيبة نساء فهو أشبه بالعنصريّة المقيتة، كأنّنا نقول للنساء أنّهن نوع آخر مختلف، المهمّ أنّي لم أمارس مهنتي كطبيبة بسبب المآزق التي يتسبّب فيها الأشرار للأخيار، واكتفيتُ بدور الممرّضة، كان بإمكاني طبعا أن أكون قابلة تولّد النّساء وتصغي بامتعاض لصرخاتهنّ، حتّى أنّها كانت فرصة جيّدة لقرصهنّ وتعنيفهنّ، لكنّي ترفّعت عن هذا، أمضيتُ ثلاثين سنة أعيش بين المرضى وأصوّب للأطباء خطاياهم، يعني الطّبيب يمنحني وصفة فأعدّلها بما يفي الغرض ويشفي النّزيل، وهكذا أصبحت عيادةُ السبيل أهمّ عيادة في البلاد، وهي عيادة تُؤدّي دورها جيّدا في التّكفّل بالمرضى، وتُؤدّي إلى طريقين اثنين لا ثالث لهما، إمّا إلى الشّفاء أو إلى المقبرة، تلك هي عبقريّتي، لا تماطل ولا تعذيب علاج سريع أو إخلاء سبيل، عُموما أنا ضحيّة لزوجي الذي احتال عليّ وتركني وتزوّجَ طبيبةً مزيّفةً، نعم هي مزيّفة وحقيقتها لا تكادُ تصل إلى مساعدة ممرضّة، لكنّها استطاعت أن تحصّل شهادات بعلاقاتها وجسدها وأصبحت طبيبة، حتّى أنا لي جسدٌ (تنظر إلى جسدها وتعتدل في وقفتها)، لكنّ الشّرف والكرامة كنزاي، ليس هذا يومي بل يوم الألمانيّ، فأنا لا أريد لي شيئا، لا شيء سوى أن يكون ذلك الرّجل بأفضل حال، عارٌ علينا أن نُسيء إلى أجنبيّ لم يعرف يوما بلده، ومنح بلادنا كلّ عمره”، عندما أنهت السيّدة خطابها جلست على الرّصيف كما فعل الألمانيّ، وانتظرت قليلا قبل أن تسأل الحضور: “أليس فيكم من يسقيني ماءً”، لم تنتظر أن يجيبها أحد وسحبت قارورة ماء صغيرة من حقيبتها الورديّة، “تجربة طبيّة وليست أوروبيّة” قال الأسمر وهو يلقي بخطاه منصرفا، لكنّها صاحت به: “تذهب لأنّك تخشى خروج الألمانيّ”، التفت إليها: “بل أخشى أن يتداول على منصّة الاعتراف كلّ الحضور”.

احتلّ الصّمت المكان، وتحوّل الحاضرون إلى أشباح صامتة، وبعد سويعة من الزّمن كان الجمْعُ يتقلّصُ، كأنّهُ كتلة جليد تأكل منها الشّمس، انزلق الأسمر إلى شارع جانبيّ ودخل مقهى، بينما ظلّت السيّدة قابعة في مكانها تحتسي الماء كأنّه قهوة، فجأة هرعت من مكانها تفتّش عنه، كان خارجا من المقهى حين وقفت بوجهه، ابتسم قليلا فأبان وجها يقترب من الخيّرين بنظرها، سألته ما الذي يعرفه عن الألمانيّ ويمكنه إخبارها عنه، قال لها: “أعرفُ أنّه ليس ألمانيّا، لأنّي لست كذلك، هو أخي”، أصابها الوجوم، ورغبت أن تسخر منه، لكنّها كانت ترى ملامحه الشّبيهة به، لهذا فقد ابتسمت هي الأخرى ابتسامة جعلته يرى فيها بعض الحكمة، تردّد في الرّحيل وتردّدت في طلب سماع أشياء أخرى، انتبها أنّهما يقفان على باب مقهى عندما طلب أحد الزّبائن الإذن بالدّخول، ضحكا معًا ضحكة بلا داع، ثمّ مشيا نحو السّفارة الألمانية، قالت له: “أشعر أنّ العالم مليء بالمظلومين، والألمانيّ شقيقك مقهور ومظلوم، وهو ليس شرّير”، ظلّ هو على صمته، بينما خفّضت هي من إيقاع خطاها آملة أن يجاريها فتورّطه في قول شيء مفيد، لم يقُل شيئا كثيرا، حين وصلا أمام السّفارة، حيث المكان الذي شهدَ خطاب الألمانيّ والسيّدة، كان قد أخبرها سريعا أنّ الألمانيّ أخ من امرأة لم تكن زوجة لوالده، وأنّ الأب أخبرهُم بذلك قبل موته، لكنّه لم يمنحهُ اعترافا قانونيّا، الأمر الذي أبقاه عجوزا باسم أمّه، سألته وما حكاية الدّلو السّابع؟ فرفض أن يجيب ورحل مسرعا، حاولت إيقافه وصاحت به أن يعود، لكنّ رجال الشّرطة الثلاثة أوقفوها كأنّهم مكلّفون بحمايتها أو حمايته! لحظتها كان الألمانيّ يخرجُ شامخا من مقرّ السّفارة، ليعُود إلى منبره، حاملا بوقَ وثائقه المهمّة، لكنّه لم يجد من جمهوره إلا السيّدة التي نابت عنه في الخطابة، ابتسمت وهي تراه، استلمته ورافقته ليجلس على الرّصيف ذاته حيث ارتاح، أعطته قارورة مائها، شرب النّصف المتبقّي وشكرها، أخبرها أنّها سيّدة نبيلة وسألها إن كانت لها أصول أوروبية، اكتفت هي بالنّفي عبر حركة من رأسها بينما كانت شفتاها تشكّكان في أصلها، “كيف كان اللّقاء؟” سألته، “أيّ لقاء؟” أجابها مستغربا، وقفت تتأهّب لغضبة حين قال لها: “لم تكن تلك سفارة ألمانيا إنّها سفارة إسبانيا”، جلست مجدّدا إلى جانبه، صمتا قليلا ثمّ دعاها إلى مطعم ما لتناول شيء احتفالا بالتعرّف إلى بعض، وقبلت سريعا، غادرا شارع السّفارة بينما سيّارة الشّرطة تتحرّك خلفهما.

اختفى الألمانيّ والدّكتورة أمّ الخير في ركن بمطعم الجنينة، وجلسَا كأنّ بينهما علاقة محبّة تمتدّ إلى عصور، منسجمين يبتسمان لبعض ويتحدّثان في هدوء، أخبرها كلّ شيء عن وضعه الحالي، كيف أنّه مدير متقاعد من إحدى الوزارات، كيف أنّ ابنته وابنه يعيشان بفرنسا، كيف أنّ زوجته انفصلت عنه منذ سنوات بسبب اكتشافها أنّه ألمانيّ، سألته في منتصف غبطته بها عن مؤدى لقب “دلو سابع” فصمت قليلا، ثمّ قال لها: “ينبغي أن تبعث أمّي التركية من قبرها لتجيبك”، “لا أفهم” قالت وهي ترمي بقطعة من الدّيك الرّومي إلى فمها، التفت يبحث عن النّادل، وأمعنت هي في تفتيشِ صحنها بالفرشاةِ، عندما وضعَ ملأ النّادل كأسَ النّبيذ الرّابع التقطه الألمانيّ شاكرا واحتسى مغمض العينين مرّتين متتاليتين، اعتدل في الجلسة وبدا كأنّه سيقول أمرا جللا، وهو يفتحُ بوق أوراقه، لكنّه اكتفى بعبارة غريبة “كانت أمّي تعمل ببيت والد الأسمر وكانت سابع امرأة تحمل دلاء النّظافة، من أجل أن تعيش اختارت العمل، وقد أسمتها السّمراء أمّ الأسمر “بيدون سبعة”[2] وحين رفضت أمّي التّسمية قيل لها “أنت دلو يفرغ فيه ما فاض عند السيّد من ماء”، امتقع وجه السيّدة، واكتفت بأن أطرقت رأسها وتوقّفت عن الأكل، ولأنّه شعر بارتباكها طلب كأسا خامسة وقال لها: “أنا أتحاشى السّابعة” وضحك بغصّة، ثمّ أردف: “تعرفين كانت أمّي جميلة حتّى وهي عجوز، وقد منحتني ما يمكن أن تمنح أيّ أمّ لابنها، حتّى اسمها الذي أحمل، لهذا فأنا لا أشعر بأنّها أقلّ شأنا من غيرها، بل هي أمّ عظيمة، ضحّت بما تملك لأملك هذه اللّحظة من التّصالح مع نفسي”، سألته: “وما علاقتك بالألمانيّ؟” طلب كأسا سادسة واستدار نحو باقي الطاولات.

  • سمعت أمّي تحكي عنه.
  • هل قالت أنّه والدك؟
  • عرفته أثناء حملها بي.
  • وكيف اعتقدت أنّه والدك؟
  • لا أمّي ولا الرّجل والد الأسمر يملكان عينا زرقاء وبشرة بيضاء.
  • هل سألتها يوما إن كان لك أب معلوم؟
  • لا الأمّهات لا يسألن عن خطاياهنّ.
  • تبدو واثقا ممّا تقول، لكن ما الذي تريده الآن؟
  • لا شيء أنا مرتاحٌ، أريدُ أن أملك هويّة جديدة أضيفها إلى هويّاتي المفترضة.
  • وما نفعها؟
  • تسلّيني في وحدتي.
  • الوحدة، فعلا إنّها قاتلة.
  • هل أنت وحيدة؟
  • جدّا، انفصلت وزوجي، ولم ننجب وأنا كنت أريد أن أصير طبيبة، لكنّي تنازلت عن حلمي واكتفيت بأن أكون ممرضة ناجحة بدل أن أكون طبيبة فاشلة، وأنا متقاعدة وأقيمُ ببيت أخي، أخي رجل طيّب، لكنّ أبناءه يستغلّون طيبته ويستولون على ماله، ويطمعون في تقاعدي الزّهيد.

أنهى كأسه السّادسة، وهو يصغي لحديثها الهادئ والبطيء، ثمّ طلب منها أن ترافقه إلى البلدية ليتزوّجا، فوافقت سريعا، قام وترك بوق أوراقه مبعثرة على الطّاولة، استدارت لتجمعها فطلب منه تركها، سألتهُ “ما فيها؟”، قال لها: “لا شيء مهمّ صور لجنديّ ألمانيّ”. في الطّريق سألته: “هل أتزوّجك ألمانيّا أَمْ…؟”، فقال لها: “بل أَمْ”.

 إسماعيل يبرير

 

[1] .المخازنيّ: الجابي

[2] . بيدون: دلو بالفرنسية (bidon)

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

رواية التفكّك لبوجدرة.. هل كتبها بالعربيّة حقا؟

بعد مرور 36 سنة على صدور أوّل رواية بالعربية للروائي الجزائري الكبير رشيد بوجدرة؛ لا …

ياسمينة خضرا يفضّل سيدي بلعباس

صنع الروائي الجزائري ياسمينة خضرا، أو محمد مولسهول (1955-) وهو اسمه الحقيقي، الحدث في مدينة …