الأربعاء، 15 أغسطس 2018

اعترافات حراڨ.. الشّرطة تطوّق أحلامنا

فارس حدادي

.. سمحوا لنا بالتّدخين في حمام المديرية، الذي تردّدنا عليه كثيرًا وكان المكان المناسب لمرافقي ليتخلّص من “الهوية الفرنسية “، بعد أن نصحته بذلك..

الرّدهة كانت تضجّ بشغب أبناء الفلسطينية ويردين منشغل بزوجته التي داهمها المخاض، كان مضطربا ولا يدري كيف يتصرّف بعد أن تجاهله رجال الشرطة ورفضوا الإفراج عنهما إلا بعد استكمال تمثيلية التحقيق. جاءوا بمترجم عراقي، شاب ثلاثيني يُقيم في أزمير، يُرسل ضحكات توحي بأن المشهد برمته عابر.
بدأ التًحقيق معنا فردًا فردًا، لم يكن هناك شيء بإستثناء الامضاء على محاضر تحقيق.

جاء دوري، واكتفيت بالتّوقيع، مع دردشة قصيرة بادر إليها المترجم، بعيدًا عن آذان رجال الشرطة . قال مازحا: “من وين أنت صراحة؟”.. بعد أن تأكد بأنني لست جزائريًا ربما بحكم خبرته، أخبرته بأنني سوري، لكنه لم يقتنع وأصرّ على كوني ليبي وراح يسألني عن أمازيغ ليبيا. لم أخض كثيرا في الحديث معه وسألته عن مصيرنا هنا وأكد لي بأنه سيفرج عنا.

أثناء خروجي من مكتب التّحقيق، صادفت السائق مكبّل اليدين يجره رجل أمن ..

رجل أمن آخر كان يحمل صندوق عرق تركي، بزجاجات بيضاء شفافة أنيقة، تسيل اللعاب، عثروا عليه في الحافلة، تقاسمه فيما بعد أفراد الشرطة فيما بينهم، رأيت أحدهم يحمل زجاجة منه ورفيقه أحضر قاروة كوكا كولا ليمزجها مع العرق وقام بغلق باب المكتب لتصلني بعد لحظات رائحة ذلك العرق الفاخر.. إنها غنيمة أخرى لا تختلف عن غنيمة السّائق الذي سيدفع كفالة بعشرات آلاف الدولارات ليفرج عنه كما يحدث دومًا.

بعد انتهاء التّحقيق، رافقنا شرطي إلى طابق أرضي ودخلنا قاعة انتظار بنصف إنارة، دون أن نعلم طبيعة الإجراء التالي، شيّار منشغل بالحديث مع شرطية حاول إقناعها بضرورة نقل زوجة يردين إلى المستشفى، لكن بلا فائدة رغم قساوة الألم الذي كان باديا على ملامحها الشّاحبة وأنين صوتها الذي آلمنا جميعا دون أن نقوى على فعل شيء .

في غرفة الانتظار، كان يجلس الشاب الدومانيكاني مع مواطنته الشابة السّمراء غير المبالية بما يحدث، تتشابك يديها بيدي مرافقها ويتبادلان الأحضان والقبلات في مشهد حميمي لفت إنتباه الجميع، شيار يغمزني ويتأمل المشهد الرومانسي المُعاكس لوضع زوجة شقيقه، التي دخلت غرفة أخذ البصمات رفقة زوجها بعد تدهور وضعها الصّحي، بحيث لم تعد تقوى على المشي ولا حتى الجلوس على الكرسي ومع هذا أخذوا بصماتها تمهديدا لإخلاء سبيلها دون مراعاة وضعها الخطير..

بعد مرور يردين وزوجته، دخل البقية تباعًا، لتأخذ بصماتهم ويتم تصويرهم.

منتصف الليل، ولم ينتهي مطب التبصيم والتصوير رغم ذلك شعرت بإرتياح بعد أن سمح لزوجة يردين المسكينة بالمغادرة، مع زوجها إلى المستشفى لتضع مولودها .

جاء دوري لأخذ بصمات اليد، دخلت زواية صغيرة لإلتقاط صور للوجه، طلب مني المصوّر أن أقف ناحية اليمين واليسار والأمام والخلف ليأخذ صورا كاملة، لم أرتح كثيرا لهذا الإجراء بداية الأمر، علمت لاحقا بعد البحث في الأنترنت أن دوائر الشرطة التركية مع مكاتب الهجرة تأخذ بصمات “الغرباء” للتأكد من هويتهم لاحقا، مجرد بصمة جنائية لا أكثر تبقى في تركيا ولاتمنح لأي جهة في الإتحاد الأوروبي ولا علاقة لها ببصمة دبلن التي يتجنبها معظم المهاجرين .

تم تبصيم الجميع وتصويرهم وزوجة يردين دخلت إلى المستشفى كما أخبرني شيار بعد أن اتصل به.. خرجنا من مديرية الشرطة لنجد حافلة تنتظرنا. صعد الجميع والوجهة غير معلومة. بقيت خارجا أدخن غير مبال بما يحدث، أتأمل وجوه أطفال العراق وملامحهم التي اجتمع فيها النعاس مع التعب مع عبارات وجدتها ترغب في الصراخ من أرواحهم التائهة: ملعونة أوطان الجريمة والفساد والتخلف، أوطان الزّور والتّزوير ومصادرة حياة الإنسان.

غادرت الحافلة لتتوقف عند مدخل مستشفى كبير، دون أن نستوعب الإجراء القادم، كل ما في الأمر أن طاقما طبيا، من بضعة أطباء تسلل إلى الحافلة ليتفحص وجوه الركاب دون أن يسألهم عن وضعهم الصّحي، خاصة الأطفال الذين لم يتوقف معظهم عن السّعال. مجرد تمثيلية لا أكثر يجيدها الأتراك جيدا، تسجيل المهاجرين وتبصيمهم والتظاهر بمرورهم على المستشفيات لمعاينة وضعهم الصحي ثم تخييرهم بين الحجز أو إجبارهم على ذلك أحيانا والإفراج عنهم أحيانا أخرى خاصة السوريين.. إجراءات تتم بالتنسيق مع الأوروبيين ويجتهد الأتراك في عدم الإنفاق كثيرا عليها ..

غادرنا المستشفى لنعود إلى مديرية الشرطة، استلم الجميع أمتعتهم وساد حوار بين أفراد الشّرطة لم أفهم منه شيئا. تقدّم أحدهم يحمل رزما من الأوراق وصعد الحافلة بعد أن صعد البقية.. الوجهة مجهولة دائما، اتضحت الرؤية بعد أن أخذت الحافلة مسارا آخر غير المؤدي إلى بسمانة لتتجه مباشرة إلى مركز الإحتجاز الذي صادفنا فيه قبل أيام المحقق الوغد ذاك، بعد أن أدركت معالم الطريق الذي كان مؤلوفا بالنسبة لي.. سارت الأمور بشكل عادي وكأنها حلقات من مسلسل تركي طويل ومملّ.

تقدم منا شاب، يبدو من خلال هيئته ونظاراته الطبية الواسعة مسؤولا كبيرا.. سأل عن شخص يجيد التركية ليترجم ما سيتحفنا به، تقدم شيار كالعادة ..

أخبره حضرة المسؤول وعيناه تكادان تخرجان من زجاج نظاراته أنه مهما حاولنا وحاولنا العبور إلى الضفة الأخرى سينتهي بنا المطاف هنا في مركزه الفخم.. يهددنا هذا الشّيء أم ماذا أم يريد العبث بعزيمتنا؟.. تظاهرت أنني لم أسمع هراءه ورحت أتأمل بناية زجاجية متوقعا رؤية الحاج بانقو أو زوجته المعتقلين هنا رفقة ابنتهما منذ أيام، لم يظهر بانقو حتى هاتفه مغلق من لحظة احتجازه..

بعد أن أنهى حضرة المسؤول خطابه البائس لم يبقى إلا أن نغادر بعد أن أبقوا على الشاب الدومينيكاني ورفيقته في المركز، لم يخفي الأطفال العراقيين بهجتهم فيما أبناء الفلسطينية استسلموا للنوم. غادرت الحافلة ذلك المركز الكريه دون أن يعترض سبيلنا أحد هذه المرة كما حدث سابقا .

لم يستمر بنا السائق إلى بسمانة كما توقعت، توقف عند محطة صغيرة جانب الطريق السريع لا تبعد كثيرا عن “كاراج أزمير”.

الثانية صباحا، برد قارس وكلاب ضالة تجوب المكان. غادرت العائلة العراقية إلى فندق غير بعيد وبعدها السيدة الفلسطينية التي اتصلت بالمهرب السوداني الذي كان ينتظرها رفقة أبنائها في محطة بسمانة، من أجل أن يدفع لها أجرة التاكسي بعد أن تظاهرت بأنها لا تملك مالاً. ركبت معنا أنا ومرافقي وبقي شيار هناك مع زوجته ومرافقي الآخر في انتظار تاكسي. الطريق إلى بسمانة شبه فارغ لم يمنع السائق الذي يتقن الإنجليزية من تحدي ومناوشة سيارة كانت أمامنا لم يسمح له صاحبها بتجاوزه “سلوك اعتقدت أنه ماركة مسجّلة باسم الجزائريين فقط”.

فجر آخر قادم لا أدري ما يحمل لنا. ركام فشل يحاصرنا، تركيا أصبحت ثقيلة جدًا على قلبي وكل ما فيها صار يثير تقززي ورصيدنا من المال على وشك النفاد .

كان في حجري محمد ابن الفلسطينية يشخر ويرتعش من البرد.. الطفولة وحدها من يدفع ثمن أخطاء العالم وقسوته ومخاطرة أوليائهم بهم.

وصلنا بسمانة، استقبلنا المهرّب السوداني “خليل”، بثياب النوم ورافقناه إلى الفندق مع الفلسطينية، حملت محمد وهو يرتعش غير آبه بما يحدث له إلى غاية وصولنا غرفة حجزها خليل مسبقا في الطابق العلوي للفندق، سلمت محمد لوالدته بعد أن قبلته وداعبت شعره الناعم الطويل.. ملائكة الله القادمة من الشرق الأوسط الحافل بالخراب وصراع مجانين الربّ هذا قدرها اللعين .
تحدثت مع خليل السوداني خارج الفندق وعاب كثيرًا على الأتراك إهمالهم الشديد وبدون مقدمات طلبت منه أن يمنحني هاتفه لنتواصل لاحقا..

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

امحمد بوخبزة : حصافة الرأي وشجاعة الموقف

كمال زايدي   نزاهة المثقف، جرأة المثقف، استشراف المثقف؛ هكذا كان الدكتور امحمد بوخبزة (1941-1993) …

حوار نادر مع المترجم الجزائري مارسيل بوا

اسم مارسيل بوا (1925-2018) يرتبط خصوصاً، بترجماته لروايات عبد الحميد بن هدوقة (1925-1996)، إلى الفرنسية؛ …