الأربعاء، 15 أغسطس 2018

اعترافات حراڨ.. من سجن إلى آخر

فارس حدادي

السّجن ورائي والأمل أمامي، يبتسم لي ويسخر من تركيا، أو هكذا أقنعت نفسي، بعد أن ابتعدنا عن مركز الاحتجاز..

الحرڨة من حكومات مُنافقة تُحيلنا إلى مهربين سفلة ومهاجرين بعقليات مختلفة، إلى رجال أمن، أغلبهم فاسد، وإلى حلم يرواح مكانه.

كلّ ما تحمله من أفكار عن الهجرة يزول أمام ما تواجه على أرض الواقع.. إنك في حضرة عالم بلا رحمة، الخطأ معه موت مؤكد ومعاناة لا تريد أن تنتهي. عليك أن تتأقلم أو أن تعود من حيث أتيت.

إنها طريق شاقّة، مع جبال ووديان وقطّاع طرق وحدود دولية، بحرس متوحّش، لا يجد حرجًا في إطلاق النار وفي نصب أسلاك شائكة ومكهربة مزركشة بثياب مهاجرين علقت هناك كدليل إدانة في جبين العالم “الحرّ”، فضلا عن البحر ذلك الكائن الجشع بامتياز الذي لا يشبع من ابتلاع طرائد لذيذة، جاءت إليه بمحض إرداتها متوهمة رحماته. كل ذلك لا يمنع من المغامرة..

المطر والليل لوحة نشاهدها دومًا في أزمير، هذه المدينة الملعونة التي ترفض مغادرتي لها، هي أشبه بنحس يحتاج سكرة تاريخية لأتحرر من رجسك أيتها المدينة المملة.

كان اللورد يضحك طوال الطّريق، يسخر من رجل الأمن ومن المشهد الهزلي الذي عشناه لساعات. دخّنت سيجارة الحرية وأخرى للأمل.

عبرنا وسط تجمعات سكنية فاخرة ونظيفة، أهلها النيام غير معنيين بما يحدث خارج غرفهم الدّافئة. كنا نبحث عن مسلك للوصول إلى الطريق السريع المؤدي إلى محطة الحافلات في أزمير، المكان هادئ والحركة شبه معدومة إلا من شاحنات رفع القمامة وعمال نظافة لم يتوقفوا عن رمينا بنظرات استغراب ودهشة: “ماذا يفعل هؤلاء هنا؟”، “من أين جاؤوا؟” و”إلى أين يتّجهون؟”..

وصلنا إلى الطريق السريع، توقفنا قليلا حتى جاءت حافلة متجهة إلى وجهتنا. جلس اللورد إلى جانب السّائق التركي والكردي هو الآخر وتبادلا بعضا من الحديث. اتصلت بمرافقي الاخر، كان قد وصل إلى الفندق وينتظر قدومنا.

المحطة أو “الكاراج”، كما يسميها الأتراك، كانت تستقبل يوما آخر حافلاً بالحركة.. تناولنا شاياً وبعض الحلويات على حساب اللورد، واتجهنا إلى تاكسي ليأخذنا إلى بسمانة.

السابعة صباحا ولا نملك مالا بعملة تركية بإستثناء الأورو.. أصحاب سيارات الأجرة أرادوا التحايل علينا حين عرضوا خدماتهم بأسعار خرافية. قررنا الانتظار حتى طلوع النهار. تمدّد اللورد في كرسي المحطة فيما بقيت أنا ومرافقي نُراقب حركة المسافرين وفي معظمهم مشاريع مهاجرين من جنسيات مختلفة: عرب وشرق آسياويين وأفارقة جاؤوا إلى بسمانة للمرور إلى أوروبا وفي أنتظارهم مهرّبون وسماسرة عرب وأكراد وأفارقة..

أزمير تدير لهم ظهرها، وترحب بهم على مضض فيما أصحاب سيارات الأجرة يتهافتون عليهم لإيصالهم إلى وجهاتهم.

مع طلوع الشّمس، وجدنا تاكسي يبدو محترمًا لا يسيل لعابه للعملة الصّعبة على غرار بقية زملائه. أوصلنا إلى بسمانة، لنتجه إلى الفندق، على تواضعه إلا أنه هادئ والنّوم فيه ممتع ويتوفّر على شبكة واي فاي تتدفق بغزاره وصاحبه رجل طيّب متواضع لا يتوقف عن مناداتنا ﺑ”حبيبي”.

بعد حمام ونوم طويل أفقت مساءً، على صوت شيار يتحدث بصوت مرتفع في الغرفة، كان يسخر من رحلتنا الفاشلة وينصحنا بالبحث عن مهرب آخر.

لم أبالي كثيرا بكلامه، كنت أفكر في قارورات منعشة، تزيل بعضا من خيبتي، مع موسيقى أرمنية قادمة من ملهى مجاور تلامس الروح، ترحل بي بعيدًا عن عالم المهربين والمهاجرين ولعنات أزمير.

زارنا المهرب في الفندق وفاجئنا بحديثه عن رحلة ستكون في الغد. أدرك بأننا سنفلت منه وفي كل مرّة كان يبرر فشل الرحلة بغباء شركائه الأتراك.

بقية النفرات “السّود”، كما يسميهم، في السّجن ولا يملك إلا أن يرسل من تبقى من نفرات مع مهرب آخر.  لم أكن متحمسا ورفاقي أيضًا حتى شيار توقّع فشلاً ذريعًا للرحلة، ومع هذا قررنا المحاولة أملا في التخلّص من النّحس الذي لم يكف عن مطاردتنا.

في اليوم الّتالي مساءً، جاء المهرب وطلب منا الاستعداد. صادفنا في الفندق المهرب السوداني، الذي حدّثنا عنه صلاح، أطلق عليه شيار اسم “الحوت الأسود”، كان بغاية الهدوء والأدب. لم نتحدث كثيرا، واكتفى بالدعاء لنا.

من البداية، كانت العملية مفضوحة، النفرات تسير في الشارع المزدحم وتحمل أمتعة ونجادات وتتّجه إلى محطة التاكسي، نحن الثلاثة والفلسطينية وأبنائها وشيار وشقيقه يرديه وزوجاتهما.. على الرصيف كان بعض الأشخاص، ملامحهم غير عادية، يتظاهرون ببيع سجائر مهربة وساعات وعطور لكن ما هم إلا مُخبرين..

ركبنا التاكسي وسارت بنا لفترة خارج بسمانة أين يظهر تمثال ضخم لأتاتورك تمّ نحته في الجبل ببراعة فنية مدهشة، توقفت التاكسي على جنب الطريق أمام زحمة كبيرة. كانت تنتظرنا حافلة سوداء صغيرة من نوع فولكسفاغن، هي نفسها التي جاءت ليلا قبل أسبوع، إلى المكان الذي تركنا فيه سائق الحافلة البائسة سيء الذكر، بعد أن تعطلت قبل وصولنا إلى الشاطئ وانتظرنا هناك لساعات رفقة الجليد وتلكؤ المهرّب.

على متنها عدد كبير من الرّكاب، تمّ شحنهم فوق طاقتها الاستيعابية، معظمهم من العراق مع شاب وفتاة من الدومينيكان، بالكاد حصلت على مكان أجلس فيه، اختناق شديد والحافلة تترنح وضجيج الأطفال، ركوبنا بتلك الطريقة وأمام المارة لن يمر هكذا كما توقعت.

سرنا، لأقل من ربع ساعة، ثم سمعت أبواق سيارات الشرطة خلفنا، ضاعف السائق من سرعة الحافلة لكن بدون جدوى، حاول الإفلات وتغيير المسار بلا فائدة، لم يبالي بسلامة الركاب الأطفال في معظمهم، راح يناور ويبحث عن مخرج حتى أدركته سيارات الشرطة التي اصطدمت به مباشرة وتحطم زجاج نافذة الباب على ناحيته والمرٱة ولم يبقى له إلا التوقف والهرب بعد أن تعالت صيحات لأفراد الشرطة مطالبة إياه بالتوقف، ومع هذا فتح الباب وهرب لبضع أمتار أين تلقى طلقة من مسدس كهربائي شلّت حركته. لم أسمع صراخًا رغم كل ما حدث، الكل كان متعايشا مع الوضع على خطورته.

تم اقتياد السّائق إلى سيارة شرطة أما الحافلة، فتولى قيادتها رجل أمن بزي مدني، كانت تسير بصعوبة وكما يبدو تتجهه إلى مديرية شرطة أزمير.

توقفنا أمام المديرية، نزلنا وتم وضع الأمتعة في ناحية معزولة، وقفنا في صف لنبدأ في الدخول، الليل يسخر من مشهدنا الهزلي والبرد يتسلّل بهدوء، لم أكن مباليا بما سيحدث لنا، سيمر كلّ شيء كما السابق، تحقيق سخيف وتوقيع ثم الإفراج عنّا. مزيج من الإحباط يحاول وميض من الامل تجاوزه رغم العقبة الأخرى التي صادفتنا مجددًا.

صعدنا عدة طوابق لنصل إلى ردهة طويلة، على جانبها عدد من المكاتب.

أفراد الأمن يتأملون ملامحنا والسّائق في مكتب التحقيق يتعرض لإستنطاق، مصحوبا بأصوات عالية، كانت إلى جنبي العائلة عراقية، سيدتان وأطفال وشاب لم يتجاوز العشرين، شاب أنيق من السماوة جنوب العراق على ضفاف الفرات، يتحدث لهجة عراقية فخمة، لم يكن مرعوبا بل يتصرف بمسؤولية، أخبرني بأن والده يقيم في بريطانيا وقرر الالتحاق به مع عائلته ليطلب اللجوء هناك بصفة “بدون”.

خرج من مكتب التّحقيق شرطي، بزيّ مدني، كان يتحدّث بصوت مرتفع محاولا تخويفنا كما يبدو، مركزا نظره على مرافقي الذي كان واقفا وبحوزته هوية فرنسية، لم تُصادر منه كما حدث معي ومرافقي الاخر ذات ليلة. توقف قليلا وقال له: yes I know u are” algerien”، أنكر مرافقي ذلك تماما و قال له: “no Im from syria”، لم يقتنع الشّرطي بكلامه وراح يفتشه بشكل دقيق ولم يعثر على شيء سوى على سجائر وهاتف ..
كان هناك أيضا شاب عراقي آخر اعتقدت للوهلة الأولى أنه جزائري من خلال ملامحه، ضللني الوشاح الرياضي الخاص بفريق شبيبة القبائل الذي كان يلف عنقه، ولا أدري أين عثر عليه. ابن مدينة بغداد كما علمت لاحقا، هرب من الميليشيات الطائفية وإرهاب داعش وفساد حكومة المزبلة الخضراء كما يصفها. تعرض للتفتيش أيضا وأخبرته بأني سوري حتى لا يصل الى سمع الشرطي لفظ “جزائري” العزيز على قلوبهم كثيرًا، ربما إصرارهم على البحث عن جزائريين بيننا سببه قيام بعض المهاجرين، من بني جلدتنا، بالإعتداء على رجال أمن أكثر من مرّة.

يُتبع..

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

امحمد بوخبزة : حصافة الرأي وشجاعة الموقف

كمال زايدي   نزاهة المثقف، جرأة المثقف، استشراف المثقف؛ هكذا كان الدكتور امحمد بوخبزة (1941-1993) …

حوار نادر مع المترجم الجزائري مارسيل بوا

اسم مارسيل بوا (1925-2018) يرتبط خصوصاً، بترجماته لروايات عبد الحميد بن هدوقة (1925-1996)، إلى الفرنسية؛ …