الأربعاء، 15 أغسطس 2018

سارة النّمس تكتب: خواطر حيوانات منويّة

سارة النّمس
سارة النّمس

اللغة العربية والرّواية المصرية

في قراءاتي للكتّاب المصريين، غالبًا ما كنتُ أتعرّفُ على جنسيتهم حتى وإن لم يلمس الموضوع أي جانب من الثّقافة المصرية، كانت اللغة كافية لتوشوش لي بأنّ الكاتب من هناك.

تجدها لغة في غايةِ البساطة وأحيانًا في غايةِ الضّعف (حسب براعة الكاتب) لهذا مازلتُ كلّما أفتحُ روايةً جديدة أوّل ما يلفت انتباهي هو اللغة.

مؤخرًا، بدأت أقرأ لكتّابٍ كثر برعوا في جعل لغتهم العربية محايدة، صافية، أنيقة وجذّابة حتى لا تعرف من كتبَها إذا كان من الخليج أو الشّام أو المغرب وإذا أردتُ التحدّث عن آخر قراءاتي من مصر فهي رواية “52”(دار روافد، 2016) للكاتب والسيناريست محمد فتى.

خواطر حيوانات منوية

تسردُ رواية “52” دورةَ حياة الحيوانات المنوية في جسدِ الإنسان. لكلّ حيوانٍ منوي رقم، صفات وأحاسيس وأحلام وطموحات في المجدِ والخلود والانتقال إلى العالمِ الآخر، أي عالمنا نحن والذي يرمز في الرواية أيضًا إلى الحياةِ بعدَ الموت، تنتمي الرواية إلى مدرسةِ الواقعية السّحرية ومن هنا يتضّح لنا تأثر الكاتب بأدب أمريكا اللاتينية وقصص الكولومبي غابريال ماركيز الذي عوّدنا على قصص يمزج فيها الواقع بالفانتازيا. بالطريقة نفسها كتب لنا “فتى” قصّة جديدة تحتمل تأويلات متعدّدة.

 قصّة حب بين x وy

في الرّواية، يتعرّفُ القارئ على شخصية “52” وهي شخصية أنثوية تتميّز بأفضلِ الصفاتِ في إناثِ عائلتها ومشروع امرأة جميلة وذكية، أمّا شخصية “111” فهي مذكّرة وتنتمي إلى من يصفهم الكاتبُ بالمشوّهين، من تنقصهم صفات معيّنة، حيوان منوي رأسه أكبر ممّا يجب أو أصغر وآخر يتميّز بذيلٍ قصير وما إلى ذلك وهي الطّبقة التي تعاني من الاضطهادِ والتمييز في مملكة الحيوانات المنوية، وظيفتهم التنظيف والطّبخ وخدمة الحيوانات الأفضل.

تنشأ قصّة حبّ بين الشخصيتين السّابقتين، يرفضها مجتمع الحيوانات المنوية فيعانيان من تسلّط الأخ “31” الذي يتميّز بصفات العسكري وقسوة الأب الذي يُريد لابنته مستقبلاً أفضل بالإضافةِ إلى غيرة المضطهدين من مشوّهٍ استطاع الظّفر بالمستحيل.

قصة الحبِ هذهِ بقدر ما أضافت للروايةِ لمسة لطيفة بقدرِ ما أضعَفتها وجعلت حبكتَها هشّة، فقد شغلت مساحة كبيرة من الرّواية كما لم تتميّز بأحداث مختلفة، أحداث عرفناها في كل قصص الحبّ المحكية والمصوّرة، البطل الذي يُغازل البطلة ويقطف لها الورد ويدعوها للرقص والبطلة التي تقضي ليلها في البكاء لأنّ البقاء مع حبيبها مستحيل عكس الإبداع والأفكار الجديدة التي أتت بها الرواية.

غلاف الرّواية
غلاف الرّواية

“52”.. لغةً وسردًا

الرّاوي العليم كان السّارد لجميع أحداث رواية “52”، يصف الشخصيات وخواطرهم وينسحب قليلاً ليتيح لهم تبادل حوارات صغيرة وسرعان ما يعود للظّهور ليفّسر نوايا الشخصيات وتصرفاتهم، أمّا اللغة التي كتب بها محمد فتى الرواية فكانت بسيطة وجذّابة وحديثة تناسبُ اختلاف القرّاء في أعمارهم وأذواقهم. ثمّة عقدتان في الكتاب قصّة الحب المستحيلة إلى جانب الانتقال إلى جسدِ الأنثى في موسم القذف ورحلتهم في البحث عن طرق للوصول إلى البويضة وتجربة حظّ تلقيحها، أمّا أحد التّفاصيل التي أهمل محمد الانتباه لها هو الاختلاف الكلي بين البيئتين، بيئة جسد الرجل التي كانت عبارة عن مدينة متخيّلة وبيئة جسد المرأة وهي بيئة واقعية تتمثل في التكوين الطبيعي للأنثى من مهبل وقناة وصولاً إلى الرحمِ إذ نتساءل لماذا لم يجعل كل من البيئتين إمّا متخيلتين أو واقعيتين.

رمزيات “52”

تعدّ “52” رواية بسيطة وسهلة، مع ذلك تمكّن الكاتب محمد فتى من النجاةِ بها من أن تكون سطحية، فهي تضجّ بالرموز والتساؤلات السياسية والوجودية إذ يمثل العيش خارج أعضاء الإنسان بالنسبة للحيوانات المنوية ما تمثّله فكرة الحياة بعد الموت للإنسان اليوم، النهاية الغامضة والمجهولة التي يتعاطى معها كل فرد بطريقة مختلفة وفقًا لقناعاتهِ الدينية والفلسفية. أمّا الصراع الواضح بين فئتي الحيوانات المنتقاة والحيوانات المشوّهة فيذكرنا بالصّراع السياسي والاجتماعي في مجتمعات دول العالم الثالث، فئة غالبة ومسيطرة مستبّدة تسيّر فئة مغلوبة ومضطهدة وتفرض عليها قوانينها، لذا الثّورة التي دعت إليها الحيوانات المشوّهة، الحلم في التغيير وفي أن تصبح الحيوانات المنوية متساوية في الحقوق ما هي إلاّ ثورة حقيقية يطالب بها الكاتبُ المصري من أعماقهِ في مجتمعه أملاً في عيش واقعٍ أفضل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

نصيرة محمدي

نصيرة محمدي تكتب: لا عودة

أنا امرأتك هناك في الأعالي وفي جسد النصّ أنا نزهتك في حديقة الصّمت وفي الرّغبة …

أين تذهب النّسوة إذا كانت "بلاصتهم ماشي في الكوزينة"؟

أين تذهب النّسوة إذا كانت “بلاصتهم ماشي في الكوزينة”؟

يتساءل أحدهم: أين يذهب الظّلام حين نُشعل النّور؟ يُردّد الغرابيب البيض.. في صمت: أين تذهب …