الأربعاء، 15 أغسطس 2018

الخطّاط الطّيب لعيدي ﻟ”نفحة”: الجزائري لا يقتني اللوحات الفنيّة

حاورته: فائزة مصطفى

الطّيب لعيدي
الطّيب لعيدي

من يقف أمام لوحات الطّيب لعيدي سيجد نفسه أمام فنّان مُكتمل، فإلى جانب كونه رسامًا وخطاطًا، فهومثقف أيضاً، وفيّ لعمله ولموهبته، ويحرص على مواكبة ما استحدث في عوالم الخط العربي والزخرفة والمنمنمات.

يستحضر الطّيب لعيدي في لوحاته حكم أشهر الفلاسفة والشّعراء، من ابن عربي وإخوان الصفا إلى الأمير عبد القادر، دون إهمال تجارب المبدعين المعاصرين له من جزائريين وأجانب، ليغدو مبدعا منفتحا على الثقافات، وهو ما خوّل له نيل عدة جوائز دولية والمشاركة في كثير المهرجانات الفنية.

اخترت في بداية مسيرتك التخصّص في رسم البورتريه، واستخدمت الرمل في إنجاز أعمالك الفنية، ثم تحوّلت إلى الاهتمام بالخط العربي في السنوات الأخيرة، فهل للأمر علاقة  بما يحظى به اليوم الخطّ من إقبال كبير لدى مختلف الأجناس، ويظهر ذلك جليا في الوشوم التي يتسابق الناس على حفرها على أجسادهم، لاسيما المشاهير منهم؟

كان انتقالي من التّشكيل وليس البورتريه فقط، وهو انتقال طبيعي لكلّ فنان يبحث عن تطوير مهاراته والتّجريب، ويسعى إلى المغامرة في هذا المجال. إن أغلب الفنانين المحترفين في الرسم ينتقلون في مرحلة ما بعد تشبّعهم إلى التجريد أو إلى عوالم أخرى مثيرة، وهذا أشبهه بحالة التصوّف. لقد كنت من البداية أحاول أن أشق طريقي على أرض صلبة، حرصت على فهم ماهية الفن، ودراسة أبجدياته وتاريخه وفلسفته وكذا جغرافيته،  وأقصد هنا بإدراك المحيط الذي ينمو فيه المبدع وما يتأثّر به من تراثه ومعتقده حتى يستطيع فيما بعد أن يقدّم الجديد، فلا يُمكن أن يبدع الإنسان في حيّز مكاني لا ينتمي إليه، وهنا تحضرني مقولة لصديقي الفنان محمد بوكرش: ”أنا لا أستطيع أن أميّزك من رائحة غيرك”.

وبعد أن قطعت شوطًا في مجال التّشكيل بأنواعه، وولوج إلى التقنية الحديثة في الرّسم بالرمل، كان لزامًا عليّ أن أحدد أسلوبا أستطيع أن أثبت نفسي من خلاله، وأقدّم ولو خصوصية بسيطة للصّورة البصرية الحديثة، فاخترت توظيف الحرف العربي والرموز الأمازيغية  بطريقة حديثة، عبر المؤثرات التشكيلية المعاصرة، مُحاولا أن أثبت أن الحرف العربي يمكن أن يثري تراثنا العربي والأمازيغي والإنساني عامّة، فهو لا يزال خامة يمكن الاستفادة منها.

لماذا – في نظرك – انتشر الخط العربي بهذه السّرعة العابرة للقارات والثقافات؟ وكيف استطاع الخطّاطون العرب اقتحام الساحة الفنية العالمية؟

أولاً، يجب أن يقدّم التراث في طبق يفهمه كلّ العالم، فأنا مثلا عندما أوظّف نصوص التراث في اللوحة اشتغل أكثر على جمالية الحرف، وأقدمه كقيمة تشكيلية وليس وظيفية، لأن الجمهور خاصة من المجتمعات الأخرى لا يفهم اللغة أو هجاء الحرف، بقدر ما يحسّ بحركته الجمالية، وينجذب إلى انسيابيته، فأنا أقدّم أعمالا فنية للعرب ولغيرهم من جنسيات أخرى، لأني أدرك إنسانية الفنّ، ومقدرته على توحيد كلّ البشر، كما هو نتاج بشري تمخض عن تجارب متعاقبة من الفنانين على مدى أجيال.

من أعمال الطّيب لعيدي
من أعمال الطّيب لعيدي

في أعمالك تبدو الجمل متفجرة ومتمردة ومتراكمة على بعضها، تندس بين حروفها جمل أخرى تتوالد وتمتد، كما يبدو وكأنك تعتمد على أسلوب واحد في توزيع حركات الريشة وأقلام الباستيل والحبر الملون، هل لهذا معنى ورسالة مقصودة أم الرسم عندك تجربة عفوية؟

أنا أؤمن بأن أي عمل إبداعي يعكس عصره بالضرورة، وعليه يجب ان تكون الوسائل التي يستخدمها الفنان من ألوان مثلا تعكس ما نراه من أطياف وأشكال في حياتنا اليومية، كوميض السّيارات المتداخل، والأضواء المتسرّبة من البنايات، وموضة الملابس، وانعكاس معادن الأشياء، وكل ما نستخدمه عادة. ويجب أن تعكس حركات الريشة والأقلام خلال رسمنا الحركية والضّجيج المحيط بنا، أن نترجم كل ما نصادفه في يومياتنا سواء أشياء روتينية أو ما يحيط بنا ولا نستطيع أن نراه بالعين المجردة، علينا أن نرسم ما لم يشاهده الإنسان القديم كالصّور المجهرية أو ما كشفت عن شكله التجارب العلمية، فأنا أؤمن بأن الفنان ملزم بمعرفة كل ما يحدث في عصره من علوم وأحداث، إلخ.

كثيرة هي المعارض التشكيلية التي شاركت فيها، في الدول العربية والاسلامية والغربية، كيف تقيم تجربتك خاصة والتجربة الجزائرية في هذا المجال، ومن هم أهم الخطاطين الذي تأثرت بهم؟

من حسن الحظّ، قد أصبح لدينا أكثر من 100 خطاط محترف، بعد أن كانوا من قبل ذلك يعدون على أصابع اليد الواحدة، وخير دليل على ذلك حصدهم الكثير من الجوائز الدولية. ومن أهم هذه الأسماء بالنسبة للشباب محمد صفارباتي، وعيسى بودودة الذي يحضر دكتوراه في تركيا في مجال الخطّ، اما مجال الحروفية أو الخطّ المعاصر هناك خالد سباع ومحمد بوثليجة، والقائمة طويلة ولذلك أعتذر عن عدم ذكر الأسماء كلّها، كما لا أنسى التّذكير بأن هناك شبابا أقل من العشرين من العمر ويقدمون أعمالا لافتة في هذا المجال.

أصدرت، قبل فترة، كتابا فنيا، فماهي  أهمية النشر في الترويج للوحة التشكيلية لاسيما وأنك تحضر لمشروع تركيب شعري، فهل يمكن أن تحدّثنا عنه أيضًا؟ وماذا عن الذّوق الفني والاستثمار في الفنون في مجتمعنا، هل لازال مرتبطا بالطبقة البورجوازية؟

بدأت تجربتي في عالم النشر مع اشتغالي على شعر الأمير عبد القادر الجزائري، فرسمت أبياتا له في التصوّف والغزل، وصدر الكتاب، ضمن منشورات المؤسسة الوطنية للنشر والإشهار عام 2013، وأنا حاليا معتكف على التحضير لكتاب مشترك مع الشاعرة رشيدة محمدي، هو في روتوشاته الأخيرة نتوقع صدوره مطلع هذا العام إن شاء الله، أما عن موضوع الذائقة الفنية وإقبال الشّعوب والمجتمعات العربية والإسلامية على المعارض واقتناء اللوحات، فلا يجب أن ننكر وجود شريحة واسعة من الناس تهتمّ بالفنون، ولكن للأسف شراء التحف واللوحات هو سلوك منعدم تقريبا، وهذا انعكس سلبا على الفنان خصوصا المتفرغين منهم لممارسة الفنّ، دون مزاولة مهنة أخرى موازية لكسب قوتهم اليومي كحالتي، فلا الأفراد يُقبلون على اقتناء الأعمال الفنية حتى الأغنياء والميسورين منهم، ولا مؤسسات الدولة تهتم بذلك، بما في ذلك المتاحف نفسها، وهذا كله  دفع بالكثير من الفنانين الموهوبين إلى الاعتزال للأسف الشديد.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

لماذا الإسلام في قفص الاتّهام؟

لماذا الإسلام في قفص الاتّهام؟

1 لا يُمكننا أن نُنكر دور الدّين كفاعل أساس في توجيه بوصلة أفكارنا، ولعلَّ حضوره …

جنس جماعي.. وكتب من التراث العربي الإسلامي

بثينة سرمدة يمثّل الجنس الجماعي أحد أهم مرتكزات الايروتكية العربية ، تعود جذوره إلى عصور …