الأربعاء، 15 أغسطس 2018

اعترافات حراڨ.. هكذا تُعاملنا الشّرطة التّركية

فارس حدادي

“أيّها النّبي الأحمر تجلّ

الوحش الذي قمعك
وصادر حريتك
وسلط عليك جحيم السّجون والمنافي
تمدّدت أذرعه في الأرض
حبس فراشات في دهاليز النّسيان
وبحر إيجة النّهم لم يقرأ قصائدك.”

ناظم حكمت

في الطّريق إلى الحافلة، التي كانت في انتظارنا بفناء مديرية الدّرك، كان يردين – شقيق شيار – يحدّثني بمرارة عن مأساته في أسطنبول، التي يكدح فيها بأجر زهيد، بالكاد يكفيه لضمان عيش محترم وأسرّ لي برغبته، في العودة مع زوجته الحامل، إلى سوريا، بعد أن ضاقت به تركيا.

أخذنا أماكننا في المقاعد الخلفية للحافلة، وجلس بقربي صلاح السّوداني الذي كان هدوءه يخفي خيبة وحزنا.. أخبرني عن محاولته العبور برا إلى اليونان، من مدينة إدرنة شمال تركيا، في ليلة شتوية قاسية أكرمتهم بالبرد والثّلج، تخللها إطلاق نار بين حرس الحدود الأتراك ومهرّبين أكراد، وكادت أن تتحول الرحلة إلى مجزرة.

الكلّ كان مبتهجاً، داخل الحافلة، معتقدين أنه سيفرج عنا. شيار يمازح بانغو واللورد غادره الفزع واستعاد هو الآخر مرحه وعفويته. الجو خارج الحافلة مظلم وماطر وأزمير تظهر من بعيد كفتاة شبقة تستعد لطقوس الليل ومواعيد طويلة مع تجّار وسيّاح ومهربين ومهاجرين وسماسرة، يرغبون في نهش جسدها الأبيض النّاعم.

أزمير ليلا يلفها مزيج عجيب من الأنس والدفء ونسيم أوروبي بارد وأضواء زاهية، تشرق من ملاهيها وحاناتها المغرية، ومقاهي عتيقة تسهر طويلا مع رواد يحتسون الشاي ويدخنون ويلعبون النرد والدومينو.

الأتراك شعب هادئ ومسالم، يقدّسون كثيرًا زعيمهم الوطني أتاتورك، الذي نصبت له تماثيل في كل ناحية ولا يخلو محل أو فندق تدخله من صوره بالزي العسكري والمدني مع طربوش أحمر وشارب قصير ونظرات حازمة. يتعلّق الأتراك كثيرا بقوميتهم ونادرا ما يخاطبك تركي بلغة غير التركية ولا يهمّه إن كنت تتقنها أم لا، ربما بإستثناء عمّال الفنادق والمطارات وبعض رجال الأمن، يتكلمون بهدوء ويدخنون بشراهة، يشبهون الجزائريين في ولعهم بالنساء والخمرة ..

لم تتوقّف الحافلة في بسمانة كما توقعنا، بل استمرت في المسير إلى وجهة نجهلها. عبدو الأوغندي أخبر مرافقي أننا نتجه إلى مركز احتجاز يديره الأتراك بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي وأضاف بأنه سيفرج عنا نحن “العرب” ويسجن الأفارقة.

المركز يقع خارج بسمانة في موقع جبلي، بعيد عن السّكان.

المطر لم يتوقّف عن الهطول. كانت الساعة حوالي منتصف الليل، تعاظم الإنهاك والتّعب والنعاس ولا ندري كيف سيكون مصيرنا في هذا المركز المخيف والمعزول المحاط بسور طويل ومرتفع، لا يختلف عن تلك الأسوار التي تحيط بسجون الجزائر، التي ارتفع عددها وحجم استيعابها للمساجين في زمن “الحكم الراشد” و”المصالحة الوطنية” وشعارات “العزة والكرامة” و”ارفع راسك ٱبا” وبقية الهراء الوطني الذي يجتهد الإعلام الرسمي في تعليبه وتقديمه لمن تبقى من مشاهديه.

توقفت الحافلة عند باب حديدي ضخم، اقترب الحارس بعد أن فتح الباب واستلم من الدركي الذي كان يجلس بجوار السائق قائمة تضمّ أسماء الرّكاب.

أقلعت الحافلة إلى غاية توقّفها عند بناية ضخمة واجهتها زجاجية، تقدم رجل ضخم يرتدي زيّ حراس السجن وتفحص وجوهنا وسلمنا قائمة وطلب منا التوقيع بعبارة لم افهم منها إلا كلمتي “إمزاء أفنديم”. بعد الإمضاء تم المناداة على الأفارقة، نزل بانغو، مع عائلته، ثم عبدو الأوغندي ومرافقه الأريتيري والتحق بهم الشاب الكونغولي “أبو أحمر” رفقة السيدة مع رضيعها.

بقي فقط صلاح السوداني الذي تظاهر بالنوم وكان قد حدثنا عن مهرب سوداني “إنسان طيب ابن حلال ويشتغل كويس” على حدّ وصفه، ونصحنا بالبحث عنه في بسمانة. طلب منه الحارس أن ينزل بعد أن قال له صلاح بأنه من إريتريا.. تعاطفت مع هؤلاء الأفارقة الذين تقاسمنا معهم المعاناة وشقاء الرّحلة وحلم الوصول إلى أوروبا.. لا أدري لماذا شعرت بأن سلوك الأتراك معهم ينبع من عنصرية فاضحة ضدّهم، فيما نحن الذين تظاهرنا بأننا سوريين تم إخلاء سبيلنا ..

بعد دخول الأفارقة إلى مركز الحجز أقلعت الحافلة وتنفست الصّعداء واستحضرت دفء الفندق.

توقّفت عند بوابة الخروج، وصعد رجل بزي مدني قصير، لحيته خفيفة، حاصرها الشيب، وبعينين خضراوين ترسلان نظرات قاسية راحت تتفرس وجوهنا. كنت في المقاعد الخلفية للحافلة مع مرافقي واللورد، ومرافقي الآخر يجلس خلف السّائق رفقة أبناء الفلسطينية. أشار بسبابة يده إلينا نحن الثلاثة وطلب منا النزول. ماذا يريد منا هذا الكائن العابس؟

نزلنا وطلب منا أن نرافقه إلى غرفة تقع بجوار خفارة المركز. كانت الحرارة بداخلها مرتفعة جدًا. راح يتأملنا ويدقق في وجوهنا مع نظرات لا تخلو من القسوة لم يكن يجيد الحديث إلا بالتركية، مع انجليزية ركيكة، ثم ارتدى قفازات طبية وبدأ في تفتيشنا بشكل دقيق، حتى أنه طلب منا نزع الأحذية ليقوم بالبحث عن شيء نجهله. سحب من الجيب الداخلي للجاكيت مبلغا من المال بالأورو لتصل أنامله إلى مكان كنت أخبئ فيه هوية فرنسية، مع وثيقة يونانية “خرطية” تتيح الخروج من الجزر اليونانية إلى أثينا. أمرني بسحبها من لباسي الدّاخلي. تغيّرت ملامحه ثم تأملني لفترة واقترب من مرافقي ليجد معه نفس “الغنيم” باستثناء اللورد الذي لم يجد معه شيئا.

نزع القفازات وخلل أصابعه بمعقم وكأنه كان يفتّش كائنات موبوءة..

وضع الهويات الفرنسية واليونانية بالإضافة إلى المال فوق مكتبه وراح يتفحص الوثائق ويحاول التأكّد منها وعيناه لا تتوقف عن إرسال إشارات تهديد ووعيد.

سألنا عن جنسياتنا وأخبرناه بأننا سوريين هربنا من الحرب المدمرة هناك.

سحب هاتفه وبدأ في الكتابة بالتركية في “غوغل للترّجمة الفورية”/ عن طبيعة عملنا هنا في تركيا وتاريخ دخولنا الأراضي التركية، وكيف حصلنا على الهويات.. إجاباتنا لم تكن مقنعة بالنسبة له ولم يتوقف عن النظر إلى المال، فهمت أنه يريد مساومتنا وينتظر أن نتنازل له عنه مقابل أن يفرج عنا.

هكذا أخبرتني عينا ابن العاهرة هذا، الذي يستحق السحل عقابا له على عنجهيته ولولا جهلنا بمكان نهرب منه لأشبعناه رفسًا وضربًا.

لم يتوقّف، عن الثرثرة في هاتفه، حين راح يكتب ويترجم ماذا يريد منا، ولم أجد من كلامه إلا رغبة منه في أخذ المال، وبعد أن عبّرنا له عن رفضنا التنازل والاستسلام لإبتزازه، كتب في هاتفه عبارة أخيرة ترجمتها كانت رديئة فهمت منها أن “السجن ينتظرنا بتهمة التهريب وتزوير الوثائق وحيازة أموال غير مشروعة “.

شعرت بثقل هذه العبارة على رأسي رغم أنها تخويف لا أكثر، لكن كل شيء متوقّع من هذا الوغد الذي حدثنا بلغة إشارة مفادها “الاحتفاظ بالمال” نظير الإفراج عنا ولم يجد إلا رفضا آخر، دفعه إلى مضاعفة درجة حرارة الغرفة كأسلوب للتشويش والتأثير على ثبات موقفنا.

بقينا واقفين لأكثر من ساعتين دون أن يقرر مصيرنا. راح يدخن ويحتسي شايا حتى دخل رجل ببنية قوية مع شارب كثيف وملامح تبدو وديعة، مرفقا بآخر أصلع نحيف نسبيا، يبدو أكثر وداعة منه.. تحدثا معه كثيرا دون أن نفهم شيئا.. اطلع صاحب الشّارب على الوثائق وقام بتصويرها وفتشنا ولم يجد شيئا آخر.. كان اللورد ينصت بإهتمام لحديثهم دون أن يجد فرصة ليترجم لنا ما يقولون. غادر الرجلان وفهمت من نظراتهما أن الأمر لا يستدعي كلّ هذا التحقيق الفارغ، لكن صاحبنا لم يتوقف عن تأملنا، متلذذًا برؤيتنا نتعرق ونترنح من التعب دون أن يصل معنا إلى نتيجة.

شعرت بإختناق شديد ونال مني الإرهاق وبدأ يتسلل إلى أعماقي اليأس وتوهمت أن الحلم سيتوقف هنا، حيث ينتظرني السجن أو الترحيل إلى الوطن الذي هربت من جحيمه واجتاحتني رغبة شديدة في الانعتاق من هذا الموقف والسير في اتجاه الحلم مهما كان الثمن، حتى حضرة المحقق ظهر عليه اليأس واللاجدوى من الإبقاء علينا دون أن يحصل على ما يريد، يبدو أنه قد أدرك ما يجول في ذهني وفي خطوة مفاجأة طلب من اللورد مرافقته إلى خارج الغرفة واستغرق معه للحظات، تساءلت فيها مع مرافقي عن مصير هذا الشاب الكردي البريء الذي قاسمنا معاناتنا وانتهى محتجزا معنا.

عاد اللورد وأخبرني بأن رجل الأمن يريد المال نظير الإفراج عنا، كلامه كان وميض أمل سريع مرّ على روحي، تناقشت مع مرافقي وأقنعني بقبول الصفقة “المال يعوض”، هكذا ختم كلامه معي. أخبرت اللورد بالموافقة شرط أن يأخذ بعضا من المال لا كله، عبر المحقق عن امتعاضه وعاد إلى مكتبه وسلمني المال وقام بتمزيق الهويات وطلب منا أن نرافقه إلى خارج مكتبه. الوقت يقترب من الفجر والمطر يسقط بهدوء والمكان يبدو أكثر وحشة ورهبة.

غادرني الإرهاق نسبيا وتسرب إلى أعماقي زخات من الأمل رغم نذالة وخساسة هذا الكائن الكريه الذي لم أجد كيف أسحق وجه، بعد ساعات من الوقوف مع حرارة شديدة ورائحة دخان سجائر تستفز روحي، دون أن يسمح لنا بتدخين سيجارة.

رافقناه خارج المكتب وطلب من مرافقي أن يبقى خلفنا، فيما اللورد اختار له زاوية غير بعيدة ليراقب الوضع. لم يتوقف عن مراقبة المكان جيدًا وراح ينظر إلى كاميرات المراقبة المثبتة بكثافة في كل مكان، بعد أن اختار مكانا آمنا طلب مني المال ورحت أماطل في سحبه من جيبي وابتسم له بخبث، فيما رغبته شديدة في الحصول عليه بأسرع وقت قبل أن يأتي شخص ما ويرى تفاصيل الصفقة، بين مهاجرين ورجل أمن فاسد ومحتال لم يجد حرجا في ابتزازهم.

شعر بالضيق وراح يتأملني بحزم دون أن يشعرني ذلك بالفزع أو التردد. “أنت خارج مكتبك أيها النذل وحركة طائشة منك سترصدها الكاميرات”، لكن الإصرار في التلاعب معه قد يجعله يغيّر رأيه ويلغي الصفقة ونحن من سيخسر في النهاية.

دفعت له أقل مما اتفقنا عليه بعد أن لعبت على عامل الوقت والوضع الذي كان فيه، خاصة حين ظهر عليه التردد والخوف، طلب المزيد ولم ألبي رغبته وأكتفيت بشكره ومداعبة لحيته التي وددت اقتلاعها وختمت أجواء الصفقة بعبارة “تشكرات ايديريم افندم” ليشعر بأنه خُدع أو تمّ التحايل عليه ومع هذا لا يمكنه أن يتراجع بعد أن ضيع ساعات معنا، كان نظيرها مال بالعملة الصعبة يكفيه لأسبوع من العربدة في ملاهي أزمير اللذيذة.

مشينا خلفه حتى وصولنا إلى بوابة الخروج من المركز، حيث طلب من الحارس أن يفتح لنا الباب وأشار إلينا بحركة يده للهرولة بسرعة، وفعلنا ما طلب منا دون أن نلتفت إلى الوراء.

اجتاحتني مشاعر الحرية واخترقت قلبي نسائم الارتياح والانعتاق من مصير آخر انتهت فصوله بصعوبة، كان المال فيها هو سيد الموقف.. تأملت من بعيد ذلك المركز الموحش القاسي الذي يختزل حجم الفساد والامتهان والتلاعب بمصائر الناس والتربح من ورائهم وتساءلت: كم من مهاجر تعرّض لنفس مصيرنا وكم من أموال أُخذت منهم وراحت إلى جيوب رجال الأمن الفاسدين؟

إنه وجه آخر لتركيا يناقض الصورة النمطية، التي يروّج لها بعض الإعلام العربي المستلب ونخب تتوهم عودة المجد العثماني المزيّف..

يُتبع..

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

امحمد بوخبزة : حصافة الرأي وشجاعة الموقف

كمال زايدي   نزاهة المثقف، جرأة المثقف، استشراف المثقف؛ هكذا كان الدكتور امحمد بوخبزة (1941-1993) …

حوار نادر مع المترجم الجزائري مارسيل بوا

اسم مارسيل بوا (1925-2018) يرتبط خصوصاً، بترجماته لروايات عبد الحميد بن هدوقة (1925-1996)، إلى الفرنسية؛ …