الثلاثاء، 16 أكتوبر 2018

اعترافات حراڨ.. بوليس وتحقيق وشدّ أعصاب

فارس حداديكانت السّاعة الثّانية صباحاً.. برد ونعاس وجوع وليل مبهم بلا سجائر.. الوقت يمرّ ثقيلاً والأطراف ترتعش.. نام شيار ويريدين مع زوجتيهما، في غرفة وبانغو وعائلته، ومعهم الكونغولي، برفقة المرأة ورضيعها.. بصحبة عبدو ومرافقه في الغرفة الأخرى، بقينا نحن الثلاثة مع اللورد في ردهة صغيرة. جلسنا وتقاسم معنا اللورد سجائره.. تسلّلت إلى المطبخ وحاولت النّوم، لكن بلا فائدة، بسبب البرد.

أشعلت الموقد للتّدفئة، رغم إنزعاجي من رائحة الغاز وكنت أنصت لضحكات اللورد مع مرافقي كنوع من التّحايل على تواطؤ الليل ضدّنا..

قبل الفجر، نال منّي النّعاس. نزعت الجاكيت وغطيّت بها قدماي، وتمدّدت لأصحو على صوت البقية. كان اللورد يستعد للمغادرة وبدأ يستلم من البقية أموالا، يقتني لهم بها بعض الأغراض. طلبنا منه رصيد هاتف مع أنترنت، بالإضافة إلى سجائر. مع منتصف النّهار، وصلنا الطّعام من السائق، وبعدها بساعات جاء اللورد ومعه ما طلبنا منه. تقاسمنا الطعام، وحضّرنا شاياً وقهوة، وكان يتردد علينا شيار، يحاول مقاسمتنا لحظات سخرية من الواقع. شيار مدخّن شره، قوي الشخصية وذكي، شديد الدعابة والمرح، كان تاجرًا في سوريا، يملك مصنعا للصابون، وأحيانا يستورد سيارات من كوريا الجنوبية والصّين، ويملك بيتا فخما في حلب، لا يزال يحتفظ بصوره في هاتفه، تحوّل إلى حطام بعد أن طاله قصف طيران النظام السوري.

شيار يحلم بالوصول إلى سويسرا ليتلحق بأقاربه هناك. اقترب المساء ولم نعلم كم سنبقى هنا أو متى نغادر.. ليلاً، وصلنا العشاء. كنا نسترق النظر من نافذة المطبخ.. الحركة القليلة والباب مقفل كما أمر المهرّب والسائق.

ليلة أخرى بجوار بحر إيجة. لا نحن هزمناه، ولا هو ظفر بنا وارتاح من هيجانه. قيل لنا أننا سنتجه إلى ساموس والمكان الذي نتواجد به نقطة الانطلاق المُفضّلة للمهربين.

بعد سمر طويل، جلست في كرسي، وقاسمت عبدو غطاءه وحاولت النوم. استفقت، عديد المرّات، بسبب البرد وأخرى بسبب هدير البحر، لأستفيق في النهاية على ضجيج كبير بين بانغو وزوجته وابنتهما، لم أفهم منه شيئا، لأنهم كانوا يتكلمون بلهجة محلية. استمر الوضع كذلك، وتطوّر إلى تهديد زوجته بالانتحار أوبالعودة إلى الكونغو. لم أعرف السبب ولم أسأل بانغو. تدخلنا أكثر من مرة لفض الاشتباك بينهما، لأن أي ضجيج سيفضحنا. ذلك السمر اختفى هذه المرة، وعوّضه صراخ زوجة بانغو، التي بالغت في مخاطبته بلهجة عنيفة، حتى تدخل اللورد واتصل بالسمسار، الذي أرسل بانغو وعائلته من أسطنبول الى أزمير.

ليلا جاء السائق الذي أوصلنا إلى المنتجع، وبلهجة حادّة، طلب من بانغو التزام الهدوء أو العودة إلى اسطنبول. تبادلنا سمرًا قصيرًا مع شيار، بعد أن غادرنا اللورد، حتى فتح الباب ودخلت سيّدة مع طفلين، برفقة شاب إفريقي، علمت لاحقا أنه سوداني ويدعى صلاح. أخبرني أنه استاذ جامعي مُعارض للرئّيس البشير، ومن أنصار الصّادق المهدي. كان متحفظا جدًا في الحديث معنا، وأحيانا يسحب من حقيبته مصحفا، ليرتّل بعضًا من القرآن. بالكاد حصل على زاوية ينام فيها، أما السيدة الفلسطينية مع ابنيها، فالتحقت بغرفة شيار ويريدين مع زوجتيهما..

في انتظار الصباح الذي توقعت أنه سيكون آخر يوم لنا هناك، بعد أن شعرت باختناق شديد مع ضيق المكان، وكثرة الأفراد، وحمام واحد لحوالي عشرين فرد، صباحا استفقت قبيل منتصف النهار بعد ليلة صراع مع النوم، تناولنا الفطور مع أحاديث عابرة مع شيار، فيما أبناء الفلسطينية يثيرون شغب كبيرًا. والدهما يقيم في الدانمارك وينتظر وصولهما مع والدتهم إلى اليونان، ليقوم بترحيلهم إلى الدانمارك. خفّ ضجيج وصراع آل بانغو قليلا، وذلك الرضيع تحتضنه أمه وترضعه من صدرها، ويساعدها في ذلك الشاب الكونغولي النّهم، الذي أطلق عليه شيار اسم أبو أحمر.

جاء اللورد مع منتصف النهار وبعد حديث مع أحد الأفراد، طلب أن يرافقه إلى مركز تجاري قريب، لجلب بعض الأغراض وكان هذا مخالفا لأوامر المهرّب، الذي طلب تفادي الخروج والضجيج..

في طريق العودة، اعترض طريق اللورد مع مرافقة أفراد بالزي المدني، طلبوا منه هويته، وسألوه عن سبب مجيئه إلى هنا.. بعد أن دخل البناية كان مرعوبًا وطلب من الجميع الصّمت. تسرب إلى أعماقي شعور يوحي بأننا تحت المراقبة، أو أن هناك من قام بالتلبيغ عنا، خاصة الجيران بعد العراك الصّاخب الذي حدث بين آل بانغو.

طرق أحدهم الباب، لم نفتح ثم استمر الطرق ليقوم عبدو بفتح الباب. كان هناك رجل مع سيدة، طلبا من عبدو هويته ولم يستجب لهم وقام بإغلاق الباب. بعدها بأقلّ من عشر دقائق، رأيت من نافذة المطبخ أفرادًا يحيطون بالبناية، وجيراناً، ورجال أمن بزيّ مدني.. كُشف أمرنا، بعد أن طال بقاؤنا هنا لأيام، دون أن يقرّر المهرّب الوغد أن نُحاول مجددُا أو نغيّر المكان.

قام الجيران بالإتصال بالدرك التركي، الذي وصل بعد لحظات مدجّجا بالسلاح، دون أن يجرأ أحد منهم على الاقتراب أو الدخول، بقوا في الخارج، كانوا يتحدثون مع اللورد الذي كان متوترًا، محاولا إيهاهم بحجج تدفع عنه أي تهمة..

لن يحدث شيء كالعادة.. سيتم أخذنا إلى مديرية الدرك، وتدوّن أسماؤنا ليفرج عنا لاحقا.. هكذا أقنعت نفسي.. كانت بحوزتنا نحن الثلاثة، هويات فرنسية أعلم أنها ستسبّب لنا حرجاً.. لم نجد أين نخفيها.. كانت أيضا برفقة اللورد بطاقة إقامة تركية، لو وجودها عنده ستكون دليلا على أنه المهرب، أو المتعاون معه، وهذا ما جعله يبحث عن مكان ليخفيها عن أنظار الدرك.

اقتربت من السيدة الفلسطينية وطلبت منها أن تحتفظ بهويتي لديها، لأن الدرك لن يقوم بتفتيشها. وافقت لكنها تراجعت في النهاية. دخلت إلى الحمام وخبّأت الهوية في لباسي الداخلي.

تسلّل أفراد الدرك إلى البناية، طلبوا منّا هوياتنا وسألونا عن أسمائنا.. كان شيار يترجّم لنا ما يقولون بحكم اتقانه التركية التي يتحدثها بطلاقة.. في الخارج كانت تنتظر سيارات الدرك التركي مع مدنيين يراقبون ما يحدث.. فكرت في الهرب لكن بلا فائدة.. المكان مراقب جيدًا، وكأننا أفراد من عصابة إيسكوبار.. خبأ اللورد هويته داخل علبة زيتون كبيرة حتى لا يفتضح أمره.

تم شحننا في المركبات التي سارت بنا حتى توقفت عند فناء مديرية الدرك. وقفنا في صفّ. كان المشهد هزليًا وأمامنا البحر بأمواجه المتلاطمة وهي تسخر منا. المطر يسقط بهدوء ولم أمنع نفسي من تدخين سيجارة. كان أفراد الدرك معظمهم شباب، لم نر منهم قسوة أو معاملة سيئة. جاء أحدهم وراح يسجّل أسماءنا. قلت لبانغو أن يقدم لهم اسما غير اسمه الحقيقي. كان الاسم الذي اختاره مثيرًا للضّحك على صعوبته وغرابته.

بعد الانتهاء من تدوين أسمائنا، جيء بمترجم كهل، حاول جاهدًا معنا أن ندله على المهرب، والجميع أنكر. انسحب بعدها المترجم الذي كان مصرًا على معرفة الحقيقة أكثر من الدرك، مما جعلني أرغب في البصق على وجهه الكريه. خيّل لي أنه “حركي” قذر يشبه حركى الجزائر زمن الاستعمار.

جاء دور الدرك في التحقيق معنا، ووقع الاختيار على شيار بحكم اتقانه التركية، التي أثارت شكوك الدرك. وضعت له أصفاد في يديه وصعدوا به إلى طابق علوي للتحقيق، لتنفجر زوجته بالبكاء. بقينا خارجا لفترة حتى جيء بشيار مع دركي، وطلب من اللورد أن يأتي معهما. تغيّرت ملامح اللورد وكان فزعا. تم اقتيادهما إلى غرفة تحقيق مزوّدة بشاشات كاميرات.. استعرضوا أمامهما صور اللورد في المركز التّجاري، في محاولة لإدانته. حاول اللورد التّنصل بلا فائدة. الصوّر تفضحه في المركز التجاري، مع الشخص الذي رافقه والذي طلبوا منه هو الآخر الحضور. كان شيار يتكلّم نيابة عنهم، في محاولة منه للإفلات وإقناع المحقق، بأننا جميعا مهاجرين، ولا يوجد مهرّب بيننا. سحبوا منا الهواتف، وبحثوا فيها عن أرقام وصوّر، قد تدلّهم على رأس الخيط لكن بلا فائدة.

استغرق التّحقيق وقتا طويلا، واستعرضوا أمامهم صورا لمهربنا في ملهى مع شقروات لكنهم أنكروا معرفته. صعدنا إلى قاعة كبيرة بتلفاز، بعد اشتداد المطر. أشفق رجال الدرك على أطفال الفلسطينية، ولم يجدوا مانعا في التقاط صوّر مع رضيع تلك السيدة الكونغولية، فيما شيار واللورد يترددان على قاعة التحقيق بلا توقف.

قدّم لنا أفراد الدرك لبنا وشايا، وتبادلوا معنا الحديث وانتهى التحقيق مع شيار واللورد بعد ان جيئ بدركي كردي لم يفلح في الحصول على أي معلومة منهما. بانغو كان بارعا في التمثيل حين اختار أن يضع الرضيع بين أحضانه في محاولة لإثارة شفقة الدرك، ونجح في ذلك وكان سعيدًا بعد أن تصالح مع زوجته. كنت أراقب المطر، خلف زجاج النافذة وبداخلي رغبة عارمة في الانقضاض على المهرب، وتحطيم وجهه، على المهازل التي نعيشها، وتارة ألتفت للتفاز الذي كان يبث نشرة إخبارية عن اعتقال أنصار فتح الله غولن، وخبرا آخر عن المهاجرين وصورهم في البحر وهم يحتفلون بالوصول. لم استوعب سياق الحدث لكوني أجهل التركية، لكن المشاهد شحنت رصيد أملي في الوصول إلى اليونان.

نعم هناك مهاجرون يموتون في البحر شهريًا وبالعشرات، لكن في المقابل هناك من يصلون، وأنا مقتنع بالوصول وعدم العودة إلى وطني. جيء بمصوّر، وتمّ التقاط صوّر لنا مرفقة بأرقام نحملها، وبعدها أخذوا بصمات اليدين معا. جاء دوري واستغرق الدركي كثيرًا في النّظر إلي حتى أثار حفيظتي، وقال بالانجليزية u are turkish man .. تجاهلت كلامه وتظاهرت بعدم فهمه، وشيار الذي كان يقابلني يضحك، وأخبرني لاحقا أنه شكّ في كوني تركي، ربما بسبب ملامحي أو على سبيل الدعابة.

بعد انتهاء التبصيم ذهبنا للحمام، من أجل إزالة آثار الحبر الأسود العالق في اصابعنا. في الخارج كانت تنتظرنا حافلة لم نعلم أين ستأخذنا، أما شيار كان مبتهجا ربما لأنه نجح في التحايل على المحققين، فيما اللورد متوار في الخلف غير مصدق أنه نجا.

غادرنا القاعة، مع لطف غير متوقّع، من أفراد الدّرك التركي خاصة قائدهم..

يُتبع..

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عمار بلحسن

شعرية القصّ في مملكة السرد عند عمار بلحسن

عبد القادر ضيف الله الحديث عن الشعرية عند عمار بلحسن، هو حديث عن جمالية عالم …

عمار بلحسن في ذكراه : الكلمة والموقف

في مثل هذا اليوم 29 أوت من سنة 1993، رحل الكاتب عمار بلحسن، وهو في …