الإثنين، 19 فبراير 2018

“الحركى” في الجزائر.. تاريخ مُسَّيج بسوء فهم

أليس زينيتار

هناك تُهم تنتهي بنهاية المُذنب، وتمحى مع الوقت. وتهم أخرى، تستمر في التاريخ، تتوارثها أجيال عن بعضها بعضا، يتحملها الأبناء والأحفاد، ومن يأتي من بعدهم، و”الحركي” أو من يُعتقد أنهم خانوا ثورة الجزائر (1954-1962)، واصطفوا إلى الجانب المُحتل، يتحملون “عاراً، ينتقل من جيل لآخر، لا ينتهي بنهايتهم، بل يتواصل مع نسلهم، ليجد أبناؤهم، ثم أحفادهم، أنفسهم ممنوعين من هوية ثابتة، غير مرغوب فيهم، ومشكوكا دائما في علاقاتهم بوطنهم الأم.

هؤلاء لم يجدوا من يُدافع عنهم، ونادراً ما كان مثقّفون يتبنّون قضيتهم، أو يتعاطفون معهم، من هنا تأتي أهمية رواية «فنّ الخسران» (فلاماريون، باريس 2017) لأليس زينيتار (1986)، التي رُشحت العام الماضي لأهم الجوائز الفرنسية، ونالت جائزتي “لوموند” و”غونكور لطلاّب الثّانويات”، وهي رواية تحكي عن ثورة الجزائر، من جهة الخاسرين، عن أولئك المنكسرين، الذين فقدوا الحقّ في الانتماء وشوّهت سمعتهم، والذين سقطوا من الذّاكرة وعجزوا عن اختيار الصفّ الأنسب، ليجدوا أنفسهم في النّهاية مطرودين من بلدهم، مع منعهم من العودة إليه مجدداً.

نعيمة، بطلة الرواية، هي واحدة من آلاف الفرنسيين، ذوي الأصول الجزائرية، الذين وُلدوا، في الضّفة المُقابلة، بدون أن يعرفوا شيئاً عن ماضي عائلاتهم، ولا صلة لهم بأرض الآباء. فُرضت عليهم هوية معيّنة، ولم يمنحوا الحقّ في اختيار البديل أو تغييرها إلى ما يُناسبهم. هي جزائرية، لكنها لا تعرف شيئاً عن أصولها. جدّها علي ألصقت به تهمة “حركي”، ليس لأنه خان الثّورة، أو أدار ظهره لها، بل لأنه لم يكن محيطاً بما يحصل، لم يرتكب قط جريمة، لكنه لم يلتحق بالجبل. فرض عليه جيش الاحتلال، أن يقوم بمهام صغيرة، وحين تسارعت الأحداث، واقترب البلد من الاستقلال، شعر بالخطر، فهم أنه كان في الجهة الخطأ، هرب من قريته، مع زوجته وأبنائه، ليجد نفسه – لاحقاً – في محتشد، لقدامى الحركى، في فرنسا، فلا الجزائر كانت تقبل أن يبقى فيها، ولا فرنسا كافأته نظير عدم ارتباطه بالمجاهدين. صار منبوذا من الجانبين.

ابنه حميد سيتحمل وزر الخطيئة، ويعمل على دفن ماضي أبيه، هكذا ستولد نعيمة، من أمّ فرنسية، وتكبر وهي لا تفهم شيئا، عن سبب انتقال والدها للعيش، من الجزائر إلى فرنسا، وعن سبب تكتّمه عن جدّها. ستستغرق سنوات، لتبدأ الخيوط في التكشّف، وتفهم أنها هي أيضا مجبرة على حمل صفة “حركية”، ليس لأنها شاركت في حرب، بل فقط لأنها خرجت من نسل “حركي”.

هي قصّة عائلة، من ثلاثة أجيال، حُكم عليها بالهجران والخسران وتقبّل تهمة الحركى. حياة الجدّ علي، بدأت صدفة، حين وجد معصرة زيتون، في وادٍ، قام باستغلالها، وكسب قوته منها، وانتهت بصدفة أخرى، حين لم يختر المعسكر، الذي ينتمي إليه، بقي في الوسط، ليفهم أن الوسط يعني الخيانة، من منظور البعض، ويطرد من البلد، الذي وُلد فيه، وينقل فيروس “التّخوين”، للأجيال، التي ستأتي من بعده. بعدما كان “سيداً” في قريته، يتحوّل إلى “منفي”، وعاجز عن توفير الحدّ الأدنى من حياة كريمة، له ولعائلته في فرنسا. ستحاول نعيمة العودة إلى الجزائر، لإعادة فهم ماضي عائلتها، لكنها ستصطدم بأن الموضوع الحركى، رغم مرور أكثر من نصف قرن، على نهاية الحرب، ما يزال من الممنوعات، من القضايا التي يفضّل النّاس الردّ عليها بصمت، الجرح لم يندمل، ومن الصّعب إدراك ما ضاع منا، في السنوات الماضية، فالنقاط الرّمادية كثرت، والتّاريخ لم يُكتب كما يجب، يغلب عليه التّمجيد والميل المفرط إلى الانتقام ممن لم يلتحقوا بجبهة التحرير الوطني، والكاتب وحده لن يستطيع تقريب الهوّة بين أجيال مختلفة، مع ذلك يُحسب لأليس زينيتار أنها “غامرت” في طرح قضية الحركى، في كتابة صمتهم الطّويل، في تعرية حالتهم – ولو رمزياً –، كتبت عما كانوا يفكرون فيه، بدون أن تتاح لهم الفرص للكلام عنه، حرّرتهم قليلاً من “ظلم” التّاريخ ومن تحامل أهاليهم وبلدهم عليهم.

غلاف الرّواية

منذ بداية الرّواية، يؤكد علي (الحركي) إيمانه بالمكتوب (القدر)، كل ما فعله، في حياته، هو حتمية وليس قراراً، كان مُسيراً، لا مخيراً، توجسّه من الأحداث، التي ستصير “ثورة الجزائر” يأتي من “المكتوب”، من سوء فهم منه أيضاً، كان حذراً في التّعامل مع الفلاقة (المجاهدين)، ليس خوفاً أو شكاً فيهم، بل حماية لعائلته، من جهة، وخصامه مع عائلة أخرى في القرية، التحق أبناؤها بالثّورة، من جهة أخرى. هو لم يكن ضدّ الثّورة، بل كان غير مستوعب لما يدور من حوله، تهمة “الخيانة”، التي ألصقت به، تبدو تهمة غير عادلة، سيكتشف لاحقاً أنه ليس الوحيد الذي ظُلم، بل أولئك الذين كانوا لا ينسجمون مع توجهات جبهة التحرير الوطني، كلهم وجدوا أنفسهم خارج اللعبة، ومبعدين من وطنهم، أنصار حزب الشعب مثلا، نظير جبهة التحرير، وهو حزب وطني، لكنه لم ينخرط كلية في الثّورة المسلّحة، كما حصل الشّيء نفسه مع شيوخ طرق صوفية، حملوا معهم “العار”، إلى فرنسا، بسبب شائعات كانت تقول إن المتصوفة مقرّبون من الإدارة الاستعمارية.

هكذا، في حمى وغليان الاستقلال، حصلت تصفيات ومورس عسف على أبناء الوطن الواحد، وقُسم النّاس إلى ثوريين وحركيين. الأوّلون بقوا في الجزائر، والآخرون هُجروا منها، ووثّقت السلطات الجديدة أسماءهم في سجلات، لمنع دخولهم –  مجدداً – عبر المطارات أو في الموانئ أو من الحدود البرية.

من خلال قصّة ثلاثة أجيال، جدّ “حركي”، ابن متزوّج من فرنسية، يعيش على هامش الحياة، خجل من ماضيه، وحفيدة، تدرس تاريخ الفنّ، وتعمل في غاليري، تُحاول استعادة الخيط الضائع، وإعادة كتابة تاريخ عائلتها، تدور وقائع “فنّ الخسران”، هي أيضا رواية فنّ هدم الصّمت أو فنّ تحرير الضّحايا من وزرهم، فبطلة الرّواية نعيمة لا تتّخذ موقفاً متعاطفاً مع جدّها، ولا مع الحركى، بل تعبّر عن خيارها إلى جانب الغالبية، حقّهم في الاستقلال، بالمقابل هي تتساءل، كيف لجرم لم ترتكبه، وحصل قبل ولادتها بعقود، تجد نفسها مسؤولة عنه، وتحمل هي أيضا صفة “حركية”؟ لماذا كلّ التهّم تنتهي بنهاية المذنبين، سوى تهمة “الحركي” يتوارثها أبناؤهم وأحفادهم، وآخرون سيأتون من بعدهم؟

حين قررت نعيمة زيارة الجزائر، لأوّل مرّة، لم تذهب إليها بالطّائرة، من باريس، بل ركبت في الباخرة، من مرسيليا إلى الجزائر العاصمة، أعادت رحلة جدّها، ولكن في الاتجاه المُعاكس، وصلت إلى أرض جـــــدّها، بحــــــثاً عن إجابات حـــول أسئلة ما تزال معلقة، منذ أكثر من خمسين سنة، عن الحقّ في المُصالحة، وطيّ صفحة الماضي، لتجد أن الماضي ازداد ضراوة، وأن “حقد” الأجيال الجديدة، على “الحركى”، قد تضاعف، وأن التقارب بين جزائريي الدّاخل ونظرائهم من أحفاد “الحركي”، بات مسألة جدّ معقدّة.

(عن القدس العربي)

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

“سيّيرا دي مويرتي”.. فسحة التّعايش عند مضيق الحياة

أحمد طيباوي هل يصعب التّعايش بين الهويات والتّفاهم الإنساني إلى هذا الحدّ الذي نراه اليوم؟ …

في مديح نهدي عين الفوّارة

يُشكّل النّهد بحجمه وملمسه ولون بشرته عناصر مهمّة، تتداخل فيما بينها من أجل الرّفع أو …