الجمعة، 19 يناير 2018

هيا نلعب..

صلاح باديس

قبل ثلاث سنوات، انطلقت “نفحة”. كنّا قد اخترنا تاريخاً يُحيل إلى أشياء متفرّقة من الماضي..11 جانفي.. استقالة الشّاذلي بن جديد.. ليلة الاحتفال بينّاير – الذي صار منذ ذلك الوقت عيداً وطنياً –.. تاريخ ميلاد الطّاهر جاووت.. وأشياء أخرى يُمكننا أن نُعدّدَها إلى ما لا نهاية، العالم قديم بما يكفي لهذا الأمر.

التّواريخ تتكرّر في السّياسة كي تُعلن نهاية حقبة ما وبداية أخرى، أو لتنهي فترة طويلة من الشكّ والترنّح، غالباً ما يعيش الأفراد والجماعات بين زمنين، بين لحظتين تاريخيتين لا تنتهيان.. بعيداً عن كل هذا، أردنا لـ”نفحة” أن تكون النّقطة المُضيئة في المنعرج القادم، المحطّة التّالية التي يتدلى منها الماضي نحو المستقبل.

سيرورة دائمة.

سيرورة للكتابة والقراءة، الواجب والحقّ الأول. الفكرة كانت بسيطة: الصّحافة الثقافية ماتت، الصحافة الجزائرية والسياسة فعلتا كلّ شيء حتى تُدمّرا الخلايا الصّغيرة التي وُلِدت داخل الصّحف خلال التسعينيات، الملاحق الثقافية والصّفحات الثقافية.. باختصار، كلّ تلك اليوفوريا التي عاشتها الصّحافة الجزائرية، مع الانفتاح، بداية التسعينات، وبعد عُشرية من الخراب، وصلت إلى نهايتها، وما تبقى منها هنا – يعني لم يُقتل ولم يُهاجر – تآكل.

كنّا نريد مكاناً للنّقاش والتّدوين ولفتح المجال لكتابة جديدة، لا يعني هذا أنّه كان يوجد تقاليد كتابة قديمة، لا طبعاً، كانت هنالك “مُحاولات”، هنا وهناك، لا شيء مُكتمل وقوي.

بدأت “نفحة” تشقّ طريقها ببطء، وجاءت لمديح البطء أيضاً، ضدّ السرعة، ومع البطء. ووسط الركض وراء الأخبار المتساقطة ونسخها عشرات المرّات حتى تصير باهتة، تنتهي صلاحيتها بانتهاء النّهار، وسط هذا الرُكام تحفر “نفحة” في المنسي والمتروك، في الساقط من تقييم الصّحافة اليومية.

في “نفحة” حاول الفريق، لمدّة ثلاث سنوات، أن يدفع بالكتابة والأسلوب و”القراءة” أولاً، لا يسألك المحرر عن عدد كلماتك أو حروفك، يُمكنك أن تنشر مقالاً من 2500 كلمة.. لا مُشكل، نحن لا نبترُ أعضاء النّصوص هنا، بل نعمل على المتعة، مُتعة التعلّم والقراءة والكتابة.

بالنسبة لي، كان الهدف أن أجِد مكاناً قريباً من شاشة القارئ، داخل الخريطة المُسمّاة الجزائر، وقارئ العربية عموماً، كنت قد بدأت بنشر مقالات وقصائد وترجمات قصيرة في عدّة مواقع عربية، كُنت أفكّر في إنشاء مدوّنة.. ثم جاءت “نفحة”..

بعد ثلاث سنوات من “نفحة” يُمكنني القول اليوم بأننا حققنا هدفاً مهماً: إيجاد وخلق مساحة للّعب والكتابة، ترسيمُها والمُحافظة عليها، اللّعب في الكتابة ومعها، وبالأسلوب، تبديل أماكن الأشياء.. قلبها على رأسها.. خلخلة الكلمات.. كسرُ تراكيب الجُمل وتراكُب الأفكار.. إعادة تشكيل شيء من الأطلال.. النّحتُ في خشب اللغة.. وترسيمُ هذا وجعله عادياً في الكتابة الجزائرية الحديثة.. فهيا نلعب!

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

بيان المثقفين الجزائريين : انتصارا للعقل والحداثة ولنبذ التكفير والتخوين والقذف

بيان المثقفين الجزائريين : نشهد منذ فترة عودة للحملات العدائية والعدوانية المتوالية التي تشنها وسائل …

الجزائر.. قلعة الرّقابة وفوبيا الصّناعات الثّقافية

في الجزائر، فكرة مُساهمة الثّقافة في التّنمية الإقتصادية ليست جديدة، بل تعود إلى ميثاق إفريقيا …