الخميس، 19 يوليو 2018

عبد القادر شرابة لنفحة: واقعنا الثقافي مريض، لأنه ببساطة حلقة ضمن منظومة شاملة فاسدة

أجرى الحوار: محمد جعفر

احتراق، احتراق.. لا شيء غير الاحتراق، في بيئة معزولة عن العالم الذي لا يرى ولا يسمع ولا يبحث إلا عمن تغمرهم الأضواء. ومع الاحتراق موت بطيء وخيبة مرة ولا وهج يخفف المعاناة أو المآلات. هذا هو واقع الذي يحيا فيه ويعيشه القاص والروائي عبد القادر شرابة. فهو من مواليد 1969 بالرمانة غير بعيد عن مدينة بوسعادة. ورغم أن للكاتب إصدارات في الرواية والقصة والقصة القصيرة جدا إلا أنه بالكاد يتعرف عليه الوسط الثقافي غير المعني بالبحث عن المواهب والجمال والأصالة. اكتشفت نصوصه قبل سنوات، ولا أزال أصر على أنه واحد من أهم الأصوات القصصية والتي لم تنل حظها في هذا البلد.

عبد القادر شرابة

 

1ـ في رصيد عبد القادر شرابة أكثر من انجاز أدبي. جائزة مسرحية مهمة عن وزارة الثقافة 1996، رواية بعنوان “نصف وجهي المحروق” 2012 صادرة عن دار الألمعية، مجموعة قصصية بعنوان “غريبان” 2016 صادرة عن دار وهج الالكترونية، بالإضافة إلى العديد من النصوص والقصص المنشورة في الصحافة الوطنية، في مقابل ذلك لا نكاد نلمس لك أي حضور في الساحة. برأيك إلى ما يعزى هذا الغياب أو التغييب؟

ما المطلوب من الكاتب شاعرا كان أو قاصا أو روائيا؟ أن يكون حاضرا بنصوصه ومؤلفاته أم أن يكون حاضرا بجسده بمناسبة أو بدونها؟ هل على المبدع أن يقف دائما وراء نصوصه مقدما لها ومدافعا عنها بشراسة المدافع عن ولده؟ هل من الواجب علي ـ لأنني ابن الداخل، البعيد عن العاصمة، البعيد جدا عن الضوءـ أن أسعى إلى الضوء وأحرق كل ارتباط لي بالداخل الذي يسكنني، ثم في الغالب أحترق في نهاية المطاف بوهج كاذب؟ لا أعتقد أني سأفرط في حريتي التي وجدتها في الكتابة على هامش صغير من الحياة بعيدا عن الناس والإعلام؟ إنني أسعى أن يكون لي تراكمات نوعية، من موقعي هذا ومن قناعتي أن الجيد سيصل مهما قست الظروف. فقد عشت كثيرا من الظروف الصعبة والخيبات، وتعلمت كيف أعيد ترميم ذاتي من الداخل مع قليل من مساندة خالص الأصفياء القليلين جدا من حولي.

2- هل نملك واقعا ثقافيا؟ ألا تعتقد مثلي أن واقعنا كان أفضل قبل اليوم وأنه بدل أن يتطوّر باطراد، تراجع إلى الخلف وبشكل مريع؟

أشاطرك القول، فواقعنا الثقافي مريض، لأنه ببساطة حلقة ضمن منظومة شاملة فاسدة. تعتمد في استمرارها على التهريج والسطحية والارتجال والمشاركة في النهب. هناك وزارة للثقافة، ومديريات ومراكز ومكتبات وهياكل أخرى عديدة لكن ليس هناك إنتاج ثقافي. ماذا حققت الجزائر عاصمة للثقافة العربية وقسنطينة وتلمسان عاصمة للثقافة الإسلامية غير تبديد المال العام.. أعتقد أننا نسير إلى الهاوية.

3ـ هل تؤمن بالعلاقات في نجاح كاتب ما؟ هل ما تحتاجه هو أن يلتفت أحدهم لما تكتب؟ أم أن الوضع الثقافي برمته رديء، ولا أمل في شيء؟

نعم، لقد كان لعلاقات كثير من الكتاب الأثر الكبير في نجاحهم، ويبدأ النجاح غالبا بحصولهم على جائزة من هنا أو هناك، أو توصية أو تنويه من هذا أو ذاك، أو دعم من جهات وصية أو نافذة في الحكم. لكن هل هو حقيقي هذا النجاح؟ وإلى متى سيستمر؟ هناك لحظة فارقة في حياة الكاتب أو المبدع، تجعل منه محط أنظار الجميع، عليه ألا يبحث عنها أو يشغل باله بها، عليه أن يخلص للكتابة فقط وستجيء لا محالة، وقد تكون بالتفاتة شخص واحد يملك رؤية ثاقبة. الكل يتفق أن الوضع الثقافي في الجزائر رديء جدا ولا يسمح، لكن يجب محاربته بكثير من الجهد والمثابرة والصبر. نحن نأمل دائما في غد أفضل.

غلاف الرواية

4ـ تنقلت كتابة بين عدد من الفنون، وأتصوّر أن ذلك يحدث معك بسلاسة. مع ذلك أين تجد نفسك أكثر؟ وهل يمكن أن يكون هذا التنوّع في حد ذاته سببا من الأسباب التي جعلت الوسط لا يتعرف عليك، فهو أيضا قد يشكل تشتيتا لموهبتك بعيدا عن التخصص؟

فعلا لقد تنقلت بين عدد من الفنون كالرواية والقصة القصيرة والقصيرة جدا والمسرحية والكتابة للأطفال التي كدت أن أخْلِص لها تماما لو لا انسداد الأبواب في وجهي، وضياع كثير من نصوصي عند رسامين وناشرين، كان ذلك في فترة الإرهاب تحديدا. لكنها في الغالب تجارب سردية، أثرت تجربتي الإبداعية وأكسبتني كثيرا من المفاتيح والثراء، فقد أبدعت كثيرا من النصوص الموزعة على عدة أجناس أدبية، استثمرت فيها كثيرا مما عايشته وما سمعته في طفولتي من الجدات والأمهات من حكايات وملاحم وسير العشاق والأبطال الخارقين على مسيرة ليال طويلة وكثيرة. أما عن كون الوسط الفني (الشللي) لم يتعرف علي، فهذه ليست مشكلتي. لما نشرت روايتي “نصف وجهي المحروق” اتصلت بي صديقة صحافية على الفيسبوك وطلبت مني أن أبعث لها بورقة عن روايتي، فرفضت. فإذا كان الكاتب يقوم بدور الإعلامي ويروّج لكتابه بدل الناشر والموزع ويتوسّل للجمهور أن يشتروا كتابه، سامحني هذه مذلة لن أرضاها لنفسي. يمكن أن أتحمل بعض المسؤولية كوني لا أشارك في مسابقات ولا أنشر في مجلات متخصصة رغم طلبات بعض الأصدقاء لنصوصي، ورغم أني غير معروف كثيرا لكن هذا لا ينفي أني موجود وأكتب.

5ـ أصرّ على أنك أهم كاتب أبدع في القصة القصيرة جدا. ليس في الجزائر فقط، وبل عربيا. ألم تحن الفرصة بعد ليتعرف عليك الوسط، خصوصا وأنّ كتّابا أقل منك موهبة وخبرة، باتوا معروفين ومكرسين في الساحة، ويقدّمون على أنهم الصفوة في الملتقيات والندوات التي تعنى بفن القصة؟ هل نعاني حقا من الشللية أم أن هناك اعتبارات أخرى؟

لقد سبق وأن كتبت هذا على صفحتك على الفيسبوك، وسرتني كثيرا هذه الشهادة منك، وزادت من إرادتي وأكسبتني أصدقاء مهتمين بهذا الفن الجميل. حين أقيم أول ملتقى (شللي) للقصة القصيرة جدا بالجزائر، وجدت أن جل المدعوين إليه هم أنفسهم من يحضرون ملتقيات القصة والشعر وغيرهما، ولم أتفاجأ لكوني لست معهم، رغم وجود بعض من اطلعوا على تجاربي في هذا الجنس، وقد سبق أني لم أر اسمي بأي انطولوجيا بالجزائر، وكأني غير موجود تماما. في الغالب كان هذا يجعلني أضحك مرة عليَّ وأخرى على المدعين. كان أول اهتمامي الجاد بالقصة القصيرة جدا في نهاية 2014، حين تمت دعوتي إلى مجموعة بالفيسبوك تنشر هذا الجنس الأدبي الحديث فقط وتناقش كثيرا من تقنياته وتجاربه العالمية، فنشرت بها كثيرا من النصوص، وبها تعلمت كثيرا من التقنيات، وتعرفت على كثير من التجارب والكتاب والنقاد، وخلصت إلى نشر مجموعة بعنوان “غريبان” بدار وهج للنشر الالكتروني في يناير 2016، ولاقت ترحيبا لابأس به. ورغم الإشادة بتجربتي من بعض المهتمّين، إلاّ أني أعتقد أني لازلت في أول الطريق، فالكتابة في هذا الجنس ليست بالسهلة أبدا.

6- ما بين نصوصك الأولى وما تكتبه حاليا مسيرة ربع قرن أو أكثر، ما الذي تغير؟ وهل لا زلت تؤمن بجدوى الكتابة؟ هل هي حقا فعل مقاوم؟ وما محل ما نقدمه من الحقيقة؟ وهل حقا نحن ككتّاب نسهم في تغيير الواقع عندما نعريه؟ ثم هل هذه ضرورة؟ وهل هناك بعد من يؤمن بها؟

بجانب، لم تعد هناك رغبة جامحة للكتابة كما كانت، ولا انتشاء وفرحة بكتابة أو صدور نص جديد. لقد صارت أغلب نصوصي تموت قبل أن تولد، بعد مجاهدة طويلة في ذهني. صرت لا أكتب إلاّ قليلا، ومباشرة على صفحتي بالفيسبوك، لقليل من الأصدقاء ولا أنتظر منهم إلا مشاركة القراءة فقط. وقد أحتفظ ببعضها لنفسي خشية الإساءة لهم. ومن جانب آخر، تطوّرت أساليبي في الكتابة، وتنوّعت موضوعاتي وزاد قاموسي اللغوي وخيباتي، بمعنى آخر تطوّرت تجربتي كثيرا. فعل الكتابة فعل مقاومة بامتياز، اُنظر لمقدار العراقيل والمثبطات التي تواجهنا، إلى التضحيات والتضييق على الحريات، إلى صعوبة الحياة في هذا البلد. نعم، إننا صوت هذه الأمة وضميرها، ونحن من يقدم الحقيقة، لذا وجب علينا أن نكتب “ضد صخب العالم ، ضد كل هؤلاء الناس الذين يتكلمون وليس لديهم ما يقولون” مثلما قالها الشاعر ألكسندر رومانس تماما.

7ـ تنتصر في كتاباتك لبيئتك المحلية حيث نلمسها حاضرة وبقوة في نصوصك، وهذا ما لم نعد نجده لدى كتاب هذا الجيل. هل هذا وليد العفوية والانسجام مع ذاتك المبدعة أم أنه مقصود لذاته وله غاية؟

لنأخذ مثلا الواقعية السحرية والغرائبية التي اشتهر بها غابريال مركيز، وكتاب أمريكا الجنوبية عموما، أليست إلا انتصارا لبيئتهم المحلية وتراثهم وتاريخهم وحكاياتهم، وانسجاما عفويا مع ذواتهم المبدعة؟ فهل أستطيع أنا العفوي، المنسجم مع ذاتي، المتصالح مع نفسي، العاشق لبيئتي، أن أنتج لغة وغرائبية وسحرا فيما أكتب، بالعودة إلى بيئتي المحلية وتراثي الغني وهزائمي وانتصاراتي البسيطة؟.. بكل صدق وإصرار، هذا ما أصبو إليه.

8- ارتبطت كتاباتك بالتاريخي، ونلمسه متشظيا عبر كتاباتك. ما التاريخي بالنسبة لك؟ وهل يمكن أن يتحقق راهننا بدون وعينا به؟ وهل الوعي يعني حرقه (فضحه)؟

دعني أحدثك عن مدينة، لا يظهر عنها غير تديّن أهلها، وكثرة دور العبادة بها وانحصار الثقافي فيها في الإنشاد الديني وإحياء المناسبات الدينية والوطنية فقط، لكنها في الحقيقة مدينة تعج بالعهر والفساد والجريمة، من يعري حقيقتها؟ من ينزع عنها قداستها المزيفة؟ من يعيد الثورة إلى حضن الفعل الإنساني المليء بالأخطاء والأنانية؟ من يعيد بالمذنب إنسانية وإمكانية أن يكون أنا أو أنت؟ من يعيد للأشياء ترتيبها الموضوعي غير الروائي الحقيقي وليس غيره؟ لقد تناولت التاريخ من منطلق الولوج إلى الإنسان والانتصار له، وليس إعادة لسرد أحداث قد تتكرر هنا أو هناك. إن الروائي لا يبرمج الأدمغة مثلما يفعل رجل الدين، أو لا يكذب ويزيف الحقائق مثل المؤرخ، إنه يترك لشخصياته الورقية الفرصة أن تمنح الحقيقة عارية بكل موضوعية وصدق، دون خوف من رقيب.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

امحمد بوخبزة : حصافة الرأي وشجاعة الموقف

كمال زايدي   نزاهة المثقف، جرأة المثقف، استشراف المثقف؛ هكذا كان الدكتور امحمد بوخبزة (1941-1993) …

حوار نادر مع المترجم الجزائري مارسيل بوا

اسم مارسيل بوا (1925-2018) يرتبط خصوصاً، بترجماته لروايات عبد الحميد بن هدوقة (1925-1996)، إلى الفرنسية؛ …