الجمعة، 20 أبريل 2018

اعترافات حراڨ.. الوصول إلى بحر إيجة

فارس حدادي

الوصول إلى بحر إيجة
الوصول إلى بحر إيجة

تحصّلنا، بواسطة واحد من السّماسرة على رقم هاتف مهرّب آخر، يُقيم في أسطنبول. قيل لنا أنه “محترف”.

اتصلنا به صباحًا، لكنه لم يرد على المكالمة. المهرّبون يفضّلون – في الغالب – النّشاط ليلاً. مساءً، اتصل بنا. وبعد حديث معه، طلب منا أن نتوجّه إلى واحد من معاونيه، في أحد شوارع أزمير. لم نتّفق معه، بسبب اعتماده، في تهريب المُهاجرين، على “البوطي”، رغم أنه طلب منّا مبلغًا زهيدًا.. البوطي قارب موت بامتياز، النّجاة منه ضربة حظّ أو لا تحصل سوى بتدخل البحرية، هذا ما أقتنعت به بعد محاولتنا الأولى الفاشلة..

جاء المُهرّب إلى الفندق مرة أخرى، طلبنا منه أن يضع حدًّا لهذه المهزلة، خاصّة بعد أن علمنا بنجاح بعض المهاجرين في الوصول إلى الجزر اليونانية، رغم رداءة الطّقس. حاول استرضاءنا ومنحنا وعودًا بالوصول إلى وجهتنا.

أزمير كانت وفية لطقوس الشّتاء، سخيّة في توزيع الصقيع والبرد ليلاً، مع قليل من الشّمس والدّفء نهارًا. أزمير، أيّتها القابعة في قلبي كمرض عضال يستحق الاستئصال، لا أريد أن أحبّك أو أن أتعلّق بك، أنا لست سائحًا مفتونًا بتفاصيل المدن وتعقّب ملامح الناس واللهو في الحانات الصّاخبة والتقاط الصّور، أريد أن أهرب منك وأتحرّر من بردك الوقح وأصل إلى حلمي. أنت طريق لا أكثر، هل فهمت؟

شوارع أزمير مكتظّة صباحًا بالمارة، وعاهرات يقفن على ناصية شارع عام، بملامح كئيبة يتحملن بردها الفظيع في انتظار زبون يبحث عن دفء ما. مُهاجرون يحتسون شايًا ويتناولون شوارمة، ويتطلعون لغدّ ينقلهم إلى ضفة الحلم المنشود.

في الليل، اتصل المهرّب “اللورد”، وحدّثنا عن رحلة قريبة، وبعد انتهاء المكالمة استحضرت بمرارة بعضا من مشاهد مسلسل العبث، الذي لا يريد أن ينتهي مع حراڨ فاشل، لم نرَ منه إلا الاحباط.

كان يتسرّب من غرفة مُجاورة عزف على القيتار، مع كلمات تركية حزينة، يردّدها عامل كردي بصوت دافئ، يشجّع على الإسراف في الشّرب لتجاوز واقع يراوح مكانه ويكبل الحلم.

صباحًا، جاء اللورد إلى الفندق مع تاكسي. غادرنا نحن الثلاثة إلى شقّة من طابقين، خارج بسمانة، ستكون نقطة التقاء للمهاجرين قبل التوجّه إلى البحر. الشّقة المهجورة مملوكة للتّركي شريك المهرّب. أثاثها منثور ومهترئ وأغراضها كريهة وحمامها معطّل وأكوام نفايات، تتكدّس فيها، خلّفها مهاجرون مروا بها. سبقنا الى هناك بانغو وعائلته ومعهم شاب كونغولي آخر رفقة امرأة، مع رضيع لم يتجاوز عمره الأسبوع الواحد، بالإضافة إلى عبدو الأوغندي ومرافقه الأريتري والتحق فيما بعد، مع منتصف النهار، شابان سوريان مع زوجتيهما. شيار ويردين، شقيقان كرديان من حلب السورية، يشتغلان منذ سنوات في ورشات خيّاطة بأسطمنبول. زوجة يردين حامل في شهرها الاخير. قرّر أن يُهاجر إلى اليونان لتنجب زوجته هناك حتى يضمن لجوءًا. كان الحديث قليلا وأحيانا يتدخل بانغو أو الشّاب الكونغولي بصوته الخافت وعفويته، صاحب الزيارات العديدة لدول افريقية، أعجبته فيها مؤخرات نسائها، خاصة منهن الإيفواريات، فيما شيار ويردين مع زوجتيهما اكتفيا بالتدخين والحديث بالكردية.

مرّ الوقت بسرعة حتى اتصل بنا اللورد، حوالي السّادسة مساءً. طلب منا الإستعداد، قبل مجيء الحافلة. في حدود السّابعة والنصف، جاءت حافلة الشّحن. كانت مهترئة جدًا، بشكل عجّل شعوري بخيبة. خرجنا من الشّقة وتم تكديسنا داخل الحافلة، التي لم تتوقف عن إصدار أصوات مزعجة، وكان السائق يقودها بطريقة مجنونة جدّا ومنفعلة. استمر السّير أكثر من ساعتين. كان البرد يتسرّب من ثقوب الحافلة، التي خيّل إلي أنها تزحف على بطنها.

توقّف السّائق، وراح يتحدّث في الهاتف بإنفعال، لم نفهم منه شيئا، ليقلع مجددًا، حتى داهمنا صوت أبواق سيارة شرطة. لم يكن على السائق إلا ركن الحافلة، على جانب الطريق والتّظاهر بإصلاح عطب في المحرك. توقّفت سيارة الشّرطة وراءنا بعضًا من الوقت، والتزمنا الصّمت. لو اقترب الشرطي قليلا منها لانتبه لوجودنا، لكن – لحسن الحظّ – لم يحدث شيء..

أقلعت الحافلة، مجددًا، بصعوبة شديدة، وسارت بنا أقل من ساعة، ثمّ توقفت تمامًا، غير بعيد عن الشاطئ ربما بثلاثين كيلومتر. بقينا داخلها، وبعد لحظات، جاءت شاحنة نقل المركبات، تمّ نقل الحافلة ونحن بداخلها فوق الشّاحنة، التي أقلعت إلى غاية توقفها على طرف الطريق السريع، وتمّ إنزال الحافلة لننزل منها تباعا.

طلب منا السائق أن ننزل بسرعة، ونبتعد عن الطريق، حتى لا نلفت انتباه دوريات الدرك التركي. غادر بعد أن جاءت شاحنة أخرى أخذته مع حافلته المنكوبة. وجدنا أنفسنا في البرية، غير بعيدين من غابة فيما الارض محروثة ومبتلة. كانت الساعة العاشرة ليلاً، درجة الحرارة تحت الصفر بأكثر من عشر درجات. اتصلنا باللورد ثم بالمهرب، كل ما فهمته منهما أنه علينا أن ننتظر هناك، حتى تأتي حافلة أخرى توصلنا إلى الشّاطئ أين ينتظرنا (jet boat). مرت ساعة وساعتان والبرد يتضاعف، ويخترق الجلد والعظم معا. بالكاد كنّا نقوى على إشعال سيجارة.

اتّصلنا مجددا وسمعنا نفس الهراء. كان بانغو وعائلته مع الكونغولي الآخر، يحاولون تدفئة الرّضيع، قدر الإمكان. شيار ظل صامتا رفقة يردين وهما يحضنان زوجتيهما، مع تدخين لا يتوقف، ومع اقتراب الحادية عشر، علمنا أننا سنبقى هناك. الغابة كانت المنقذ الوحيد بالنسبة لنا نحن الثلاثة في حال مجيء الدرك، تفاديا لسيناريو المحاولة الأولى الممل والمتعب. ارتفعت حدّة اللهجة مع المهرب، وهددناه بالسّير جماعة في الطريق السّريع، مع الإفصاح عن هويته للأمن التركي. كلمّنا بعدها اللورد ووعدنا بمجيء حافلة تعيدنا الى بسمانة ليخطف شيار الهاتف من مرافقي ويكلّمه بلهجة عنيفة ختمها بعبارة: “أنا دافع مصاري مو دافع حجر”.

بعدها عاود اللورد الاتصال وودعنا بأنه قادم مع حافلة، وطلب أن نحافظ على هدوئنا. لم يقتنع بكلامه شيار الذي كانت بجواره زوجته رفقة يردين وزوجته وشرعا في المغادرة، فيما الأفارقة أيضا فكروا في المغادرة خاصة عبدو والأريتيري أما بانغو فبقي ينتظر معنا.

اقتربنا، في ذلك الصّقيع الذي لم أتعوّد عليه، من الغابة في انتظار حافلة اللورد أو البحث عن مكان دافئ في عمق الغابة. اتصل مجددا وقال بأنه سيصل إلينا بعد أقل من عشرة دقائق. كان شيار وخلفه يردين ومعهما زوجتيهما قد ابتعدوا عنا قليلا ليجري خلفهم مرافقي، بعد أن طلب اللورد أن نبقى جماعة خاصة وأن الحافلة اقتربت وتفاديا للدرك.

أخيرًا، وصلت سيارة سياحية، طلب مني اللورد بلهجة هادئة أن نخرج إلى الطّريق، وننتظر الحافلة، وعاد ليستكشف الطّريق لنرى حافلة نفعية من نوع فولكسفاغن، مركونة جنب الطريق. هرولنا، بسرعة نحوها، وكنت أول الواصلين وأخذت مكانًا خلف السائق.

كانت السّاعة تشير إلى حدود منتصف الليل. تحرّرت نسبيًا من البرد بعد أن داهمني دفء الحافلة، التي كان يقودها السائق بسرعة كبيرة. الطريق كانت تبدو بلا حواجز أمنية، مما شجّع السائق على مضاعفة السّرعة. أخذني النوم قليلا وبعد أن أفقت وجدت أننا نبتعد عن أزمير. الصّمت خيّم على الحافلة بإستثناء السائق المنشغل بالرد على مكالمات لا تتوقف وبقية الرّكاب، بين نائم أو يتطلع إلى أين نتجه.. دخلنا مدينة غامضة بلا ملامح مألوفة، ثم توقّفت الحافلة عند تجمع سكاني معزول، لم نعلم أنه يقع قبالة البحر سوى لاحقاً، حين نزلنا بهدوء تفاديا للضّجيج خلف السائق.. كان بحر إيجة يصدر هديرا مرعبا كأنه يتوعّدنا.. المكان أشبه بمنتجع فاخر، توجد به شقّة من غرفتين، ستكون إقامة مؤقتة لنا ريثما نرتاح ونغادر في الغد، كما أخبرنا اللورد..

يُتبع..

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

اعترافات حراڨ.. الشّرطة تطوّق أحلامنا

اعترافات حراڨ.. الشّرطة تطوّق أحلامنا

فارس حدادي .. سمحوا لنا بالتّدخين في حمام المديرية، الذي تردّدنا عليه كثيرًا وكان المكان …

اعترافات حراڨ.. من سجن إلى آخر

اعترافات حراڨ.. من سجن إلى آخر

فارس حدادي السّجن ورائي والأمل أمامي، يبتسم لي ويسخر من تركيا، أو هكذا أقنعت نفسي، …