الجمعة، 20 أبريل 2018

اعترافات حراڨ.. نُغامر ولا نلتفت إلى الخلف

فارس حدادي

الكلّ يمنح"الحرڨة" لمن يرغب فيها
الكلّ يمنح”الحرڨة” لمن يرغب فيها

كان الطّريق طويلاً لم يخفّف منه إلا النّوم والتّوقف في محطات الوقود للتزوّد بالأكل والسّجائر.. قبل الصّعود إلى الحافلة، اقتربت منّا السّيدة السّورية وطلبت من مرافقي سيجارة، لتسحب نفسًا عميقًا وتنفث دخانه إلى أعلى، بشكل مرير.

أخبرتنا عن معاناتها الطّويلة في أزمير، بعد مغادرة زوجها إلى اليونان، ونصحتنا بتكرار المحاولة والاستعانة بمهرّب جزائري، يُجيد ركوب البحر وقيادة المركب.

وصلنا، مع المغيب، إلى بسمانة. ثيابنا لم تجف بعد والتّعب نال منا وأمتعتنا هي الاخرى مبللة. ودّعنا السيدة السورية بعد أن فشلت في منحنا رقم هاتفها الذي كان منطفئا، وودعنا ايضا مرافقينا الأفارقة، وتمنّينا لهم حظًا موفقًا. كنت ارى العائلات العراقية تتجه هي الأخرى إلى الفندق، بعد رحلة كادت أن تتحوّل إلى وليمة لأعشاب البحر، ومأتم لا يختلف عن مآتم العراق اليومية.

دخلنا إلى الفندق ورحب بنا صاحبه، ذلك الشيخ الأعرج الطيّب، ومنحنا غرفة في الطّابق الأرضي. كلّ ما كنا نحتاجه في تلك اللحظات، هو كثير من الدّفء، وشحن الهواتف، والاتصال بالأهل والمهرّب، والتحرّر من تعب الرحلة وأهوالها.

انقضت الليلة على أمل أن تكون الرّحلة القادمة موفقة..

بعد أيام اجتمعنا بالمهرّب، وتحدّثنا معه عن عبث الرحلة ورعونة القائد والكشّاف، تحجّج بأنه لا يشتغل مع ذلك الفريق، وأنه أرسلنا معهم، لأننا كنا مستعجلين للوصول إلى اليونان..

الأيام تمرّ بسرعة في أزمير، تلك السّيدة الأناضولية الكئيبة، التي تستيقظ متأخرة، ملتحفة الضباب، والمطر الوحشي يغسل عارها، الذي يتركه المهربون والسماسرة والعاهرات، وبحر ايجة الشبق، يلطم خدها، لعلها تكرمه بوليمة من الأطفال والنسوة الحالمين بالوصول إلى الضفة الاخرى..

أزمير مدينة السّمك المشوي والبيرة التركية المنعشة، ومحلات الأطعمة السورية وحاناتها وملاهيها التي تعجّ بنساء من شرق أوروبا وأسواقها المزدهرة بالبضائع والسيّاح.. أزمير محطة العبور بحرًا إلى أوروبا، التي يغمرك نسيمها القادم من الغرب، هي مقصد المهاجرين من الشّرق الاوسط والأدنى وشمال افريقيا ووسطها وحتى من الدومينيكان، يأتي إليها شباب وفتيات للعبور إلى أوروبا.. أزميرة بؤرة قوية لتهريب البشر والمخدرات والآثار.. هي ثالث مدن تركيا، تبنض بالحياة والنشاط الاقتصادي الذي ازدهر كثيرًا مع موجة الربيع العربي، الذي هرب من أوطانه ملايين البشر..

في أزمير، لا نشعر أنّ هناك نشاطًا مضادًّا للهجرة كما تخيّلنا بادئ الأمر.. أغلب الفنادق تتيح لزبائنها المبيت حتى دون أن يقدّموا جوازات سفر.. ترى في شوارعها ناساً من مختلف الجنسيات.. هناك عرب وأكراد وزنوج وآسيويون يتجوّلون بحريّة تامة.. أخبرني مهرّب كردي أنها في الصيف، كانت تتملئ عن آخرها بالمهاجرين، حتى انهم ينامون في الحدائق ومحطّات الحافلات، دون أن يزعجهم أحد، ما دام هؤلاء ينفقون جزءًا كبيرًا من أموالهم هناك قبل وصولهم إلى وجهتهم.. وهي أموال ضخمة بالنّظر إلى عدد المهاجرين، تعود بالنفع على الاقتصاد التركي الذي استفاد كثيرًا من  معاناة المهاجرين. بينما الاتحاد الاروروبي يثرثر قادته بين الفينة والأخرى، عن مخاطر الهجرة التي تزعج هدوء ورقي قارتهم المترفة، يجني اردوغان مزيدًا من المكاسب، خاصة حين جعل من ورقة الهجرة أداة لإبتزاز بروكسيل.

لا يخفي عدد من السوريين هناك، كرم أردوغان الذي احتضنهم ومنحهم إقامات، لكن في المقابل يتحدثون عن استغلال الأتراك لهم، بحيث يشتغلون لساعات طويلة، خاصة في ورشات الخياطة مع أجر زهيد وبلا تأمين ولا عطل سنوية..

الحيّ الذي كنا نقيم فيه، بمحلاته ومقاهيه الصّاخبة ومطاعمه السورية والكردية كلّها تمنح خدمات “الحرڨة”، لمن يرغب فيها.. من السّهل جدًا أن يخوض معك صاحب محل مباشرة في الحديث عن رغبتك في الهجرة، ليُرسلك مباشرة إلى مهرّب أو سمسار، وما عليك حينها إلا ان تضع المبلغ المتفّق عليه، في مكتب لتأمين الأموال، يأخذ نسبة منه ويمنحك “شفرة”، ريثما تصل إلى وجهتك، تقدّمها للمهرّب ليسحب المال.. ثمن الرحلة يتجاوز 1500 يورو إذا كان المركب سريعا، والمركب المطاطي العادي ثمن الركوب فيه من 700 إلى 1000 يورو، وفي الصّيف يتضاعف هذا المبلغ..

العجيب أن السّوريين والعراقيين والأفارقة والآسيويين، يدفعون كلّ هذه الأموال مع مخاطر الرّحلة ورداءة الخدمات، خاصة المراكب المهترئة في معظمها.. الامر مختلف بالنسبة للشمال أفريقيين خاصة الجزائريين منهم.. انطلاقاً من أوطانهم يقومون بالتّفاوض مع مهربيين غالبيتهم من الجزائريين، كما انه لديهم أقاربًا لهم مرّوا من هناك، يخبرونهم عن سعر الرحلات، بالاضافة إلى وجود صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي واليوتيوب، تتيح كيفية الخروج، خطوة بخطوة، يقدّمها حراڨة يشرحون بالتّفصيل، كيفية العبور إلى الضفة الاخرى.

الجزائريون في أزمير، يختلفون عن بقية المهاجرين في نظرتهم للحرڨة، وفي تعاملهم مع الآخر واندفاعهم الشديد، ورعونتهم تصلّ حدّ سرقة المحلات واكتشاف مباهج المدينة.. لم نصادف إلا القليل منهم في بسمانة، وكان حديثنا معهم مقتضبا جدًا، ونلمح في وجوههم اليافعة مزيجا من الطيبة، والعدوانية أحيانا، وذلك التجهّم الجزائري والعناد والحزم واللامبالاة والضياع والاندفاع الشديد والتحدث بأصوات عالية، يخيّل لنا أن صاحبها في واحدة من حومات الوطن المنفلتة..

كانوا في معظمهم ينامون في غرف ضيّقة بأعداد تتجاوز الأربعين، استعدادًا للرحلة مع ما يحدث فيها من شجار وسرقة مع المهربين.. هم شباب من طبقات وسطى، تم سحقها وتفقيرها بسبب سياسات إقتصادية فاشلة، قنّنت الفساد واستشراء الفوارق الطبقية، وترسيخ الظلم الاجتماعي.. هم لا يملكون سوى حلما يلقي بهم في الضّفة الأخرى، للتحرّر من وطن أصبح طاردًا لأبنائه، بعد أن تداولت على حكمه طبقة سياسية فاسدة، لم تمنحهم إلا الفشل والأكاذيب والخيبات المتتالية، التي تعوض بالاستثمار في كرة القدم والعبث بالهويات واستحضار الخطاب الديني، وتلك البروباغاندا البائسة التي تخوّفهم من عشرية الإرهاب..

حين ننصت إلى كلام الشّباب الجزائري، تستنتج أنهم فضلوا الهروب من الوطن على الدخول في مواجهة مع السّلطة، بحثاً لهم عن أفق حياة أفضل، ربما فضّلوا هذا الخيار، خوفًا من منزلق آخر كالذي عايشوه قبل عقدين.

هؤلاء الشّباب سنجد من بينهم خريجو سجون وتجّار مخدرات ولصوص وحملة شهادات جامعية، تقطّعت بهم السّبل، ولم يوفقوا في الحصول على حياة كريمة في وطنهم.. تتراوح أعمارهم ما بين 17 و50 سنة.. يختلفون عن المشارقة في كونهم يهاجرون لوحدهم دون عائلاتهم، نادرًا ما تصادف جزائري مع زوجته أو أبنائه، ينوي ركوب البحر، عكس السوريين والعراقيين والافارقة، الذين يهاجرون مجتمعين في عائلات.. الحراڨة الجزائريون لا يدفعون كثيرًا من المال غالبا، ليس أكثر من 400 يورو، ثم إن المهرّبيين خاصة الأكراد الأتراك والشرق أوسطيين، يفضّلون التّعامل معهم لأنهم مندفعون لا ترهبهم المخاطر، ومنهم من لديهم خبرة في التّعامل مع البحر، كما إنهم يقومون بنفخ القارب المطاطي وحمله إلى الشط، والقائد يكون منهم بعد ان تحدّد له الإحداثيات..

اقترب موعد الرحلة كما أخبرنا المهرّب.. كان الطّقس رديئًا، وكان قد مرّ على وجودنا في بسمانة أكثر من أسبوعين، مما ضاعف من قلقنا.. المال ينفد والطّقس يزداد رداءة، والمهرّب يقدّم وعودًا غير مقنعة..

في المساء، جاء المهرّب إلى الفندق. طلب منّا جمع أغراضنا والاستعداد لخرجة، كانت مبرمجة في اليوم الموالي. مع منتصف النّهار اليوم التّالي، توقّفت سيارة  تاكسي أمام باب الفندق. ونحن نغادر، رافقنا ذلك الكهل الأعرج،  وتمنّى لنا حظًّا موفقًا، ورفع يديه إلى السّماء سائلا الله توفيقًا لنا..

ركبنا الطاكسي، واتجهنا إلى فندق متواضع، بطوابق عديدة.. بقينا في سطحه إلى غاية المساء، وكانت تتوافد بين الفينة والأخرى عائلات سورية وأخرى أفريقية.. سطح الفندق كان عبارة عن مساحة شبه مكشوفة، تطلّ على المدينة، مخصصّة لغسّالات ضخمة، تتردد عليها سيّدة تدخّن بشراهة، كانت منشغلة بنشر الأغطية وتوظيبها ونقلها إلى الغرف.. بقينا هناك لا نفعل شيئا عدا التّدخين والعبث بالهاتف، وتأمّل حركة المدينة ورفرفة العلم التركي المنتصب في قمة جبل، والرياح تراقصه..

حين حلّ الظّلام، طلبوا منّا ان نتجهز، بعد أن اكتمل العدد ووصل شاب سوري، عائلته تشتت بين سوريا ولبنان وأوربا، عاش لفترة في لبنان الذي ينعته بأقدح الأوصاف. أخبرنا أنه يقيم هنا منذ سنتين ويشتغل نادلا في ملهى ويتقن التركية..

كان هناك أيضًا كهل كونغولي، مع زوجته وابنتهما. مضى على وجودهم في تركيا أكثر من ستة أشهر، قضوا أغلبها في اسطنبول، حيث حاولت العائلة العبور عبر مطار اتاتورك الدولي بجوازات وهويات فرنسية مزوّرة، ومن حسن حظّهم أنّهم مرّوا على إجراءات المطار بسهولة، ونجح الابن الذي لم يبلغ 17 سنة في التسلّل إلى الطائرة، بينما والداه وشقيقته حقّق معهم رجال الامن، وأعادوا التحقيق معهم، لتسحب منهم وثائق هوياتهم فيما بعد، ويزجّ بهم في السّجن، فيما الابن نجح في الوصول إلى سلوفينيا، وحصل على لجوء سياسي كما اخبرنا والده لاحقا..

يُتبع..

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

اعترافات حراڨ.. الشّرطة تطوّق أحلامنا

اعترافات حراڨ.. الشّرطة تطوّق أحلامنا

فارس حدادي .. سمحوا لنا بالتّدخين في حمام المديرية، الذي تردّدنا عليه كثيرًا وكان المكان …

اعترافات حراڨ.. من سجن إلى آخر

اعترافات حراڨ.. من سجن إلى آخر

فارس حدادي السّجن ورائي والأمل أمامي، يبتسم لي ويسخر من تركيا، أو هكذا أقنعت نفسي، …