الخميس، 19 يوليو 2018

اعترافات حرّاڨ.. النّجاة من الموت وتكرّار المحاولة

فارس حدادي

بقينا لوحدنا رفقة البحر وهديره المفزع
بقينا لوحدنا رفقة البحر وهديره المفزع

أقلع القارب المطاطي ببطء. كانت تتراءى لنا أضواء المدينة. البحر ليلاً، كان مخيفًا، وكان موجه يتحرّش بنا والبرد يقطع أوصالنا، بالكاد استطعت تدخين سيجارة تقاسمتها مع صديقاي.

الرّكاب الآخرون كانوا يرتعشون من البرد، ومع كل محاولة للحديث يطلب منهم قائد الرّحلة ومرافقه الصّمت. صبي عراقي – عرفت فيما بعد أنه من مدينة “العمارة”(جنوب العراق) – كان يردد تعويذات شيعية “يا حسين!”.. تبلّل تمامًا بعد أن غمر الموج المركب أكثر من مرّة.

بعد مرور أكثر من ساعتين على الإبحار، بدأ الموج يتراكم ويشتدّ، ونفد وقود المحرّك. وما كان على القائد، بعد اتصال مع الكشّاف، إلا أن يخرج إلى الشاطئ للتزوّد بالوقود، حيث كانت تنتظره سيارة الكشّاف التي نزل منها شاب يحمل بندقية صيد وآخر يرتدي شورت قصير رغم قسوة البرد، وكان يصرخ بشدّة ويخاطب بلهجة عنيفة قائد المركب. طلب منّا ان نخرج بسرعة من البحر، ليتّجه فيما بعد إلى “البوطي” وينزع المحرّك منه، ويأخذه إلى السّيارة ويقلع مُسرعًا.

علمنا فيما بعد أن الدّرك التّركي كان يطارده، ومما علمناه أيضًا أننا كنّا متجهين إلى جزيرة ليسبوس “ميتيلني” البعيدة نسبيًا عن السّاحل التركي، مقارنة بجزيرتي ساموس وخيوس. وسط صخب الموج وبدء بزوغ الفجر وشدّة البرد، قمنا بمساعدة النّساء والأطفال على الخروج من البحر، ونحن مبللين تمامًا ونرتعش، بالكاد نقوى على المشي نتيجة الجلوس لساعات في المركب الممتلئ بالماء، بالإضافة إلى هلع بحر إيجة، ذلك الوحش التّاريخي النّهم المخادع، الذي يجعل من ضحاياه عشبًا لولائمه.

بعد هروب الكشّاف، مع قائد المركب، بقينا لوحدنا رفقة البحر وهديره المفزع وموجه العالي المتلاطم. ربما كان غاضبًا لأننا أفلتنا من بطنه الواسع..

مشينا إلى اليابسة قليلاً، بين أشجار الزّيتون، ونحن بالكاد نقوى على المشي بسبب البرد وتعب الرّحلة التي لم تكتمل والتّفكير في القادم. نحن في منطقة لا نعرفها والهواتف مبللة تحتاج حرارة حتى تشتغل.. أول ما قمنا به هو جمع بعض الحشائش وأغصان الزيتون المبتلة ونجحنا في إشعال النّار لتلفح بلهيبها برد أجسادنا المتجمّدة والثّياب التي أصبحت ثقيلة بعد أن بللها البحر.. كنت أراقب العراقيين الذين كانوا بالقرب منا، ذهب ذلك الرعب والبكاء الذي سيطر على الأطفال والنساء طيلة الرحلة. ربما خبرتهم مع المٱسي والكوارث التي تحدث في العراق جعلتهم ينسجمون مع هكذا أحداث عابرة..

كانت وجوههم زرقاء وملامحهم حزينة وعيونهم متعبة منكسرة وشفاههم ترتعش. ثم قاموا بسحب ماء وحلوى وفواكه من حقائبهم وقامت سيدة بتغيير ثياب أطفالها في مشهد مؤلم جدًا. أشفقت كثيرا على الأطفال وهم بذلك الوضع المزري اللا إنساني ولم أعرف من ألوم: هل ألوم أوليائهم الذين يغامرون بهم؟ أم ألعن الأوطان التي هربوا منها؟ أم السّماء التي تتجاهل معاناتهم ولا تعاقب جلاديهم والحكومات الفاسدة التي تسببت في هروبهم من بلدانهم المنكوبة؟

كان معهم رجل ثلاثيني أدهشني كثيرًا. لم ينفعل أو يرتعب، ظلّ متماسكًا طيلة الرّحلة حين كان يشد أزر زوجته وأبنائه وشقيقته ووالدته.

بينما نحن مجتمعين حول النار، جاءت إلينا سيّدة سورية مع ابنتها، التي كانت تبدو هادئة مقارنة بما عشناه، وبادرت بجمع الحطب، والبحث عن دفء ليديها، لم تجده بعد في هذا العالم الظّالم. بدأت تلك السّيدة تتحدّث بمرارة عن خيبة أملها، بعد محاولاتها العديدة والفاشلة في أغلبها، للوصول إلى اليونان، أين ينتظرها زوجها هناك. مع ذلك لا تزال مصمّمة على المحاولة رغم كل المخاطر والخسائر المالية.

كنا حول النّار، بالقرب من الطريق وغير بعيد عن البحر، تمرّ بين الفينة والأخرى سيارات مدنية وشاحنات تحمل نسوة يتّجهن لجني الزيتون، يرمقنا أصحابها بنظرات استغراب، لتأتي فجأة سيارة الدرك التركي، وكنّا قبل هذا نتناقش حول الهرب إلى الجبل الذي كان بالقرب منّا، ريثما تصعد الشمس، ونرتاح، لنغادر بعدها إلى بسمانة.

طلب منّا الدركي ومرافقه، أن نلتحق بالبقية. وقفنا في صفوف خلف بعضنا بعضا. قام الدركي بالتّأكّد من عددنا. ثم بدأ يسألنا عن هوياتنا، بلداننا، طبيعة وأسماء المهرّبين، لم يجبه أحد.. كان يتكلم بالتركية مع إنجليزية ركيكة. علّمونا قبل الرحلة، في حالة ما إذا أمسك بنا الأمن التركي، أن نقدّم أنفسنا كسوريين لتفادي إجراءات أمنية غالبًا ما تنتهي إلى السّجن لأشهر، بالنسبة لبقية الجنسيات الأخرى، خاصة الأفارقة والجزائريين تحديدًا، مع تفادي ذكر هوية المهربين.

كان ذلك الدركي، صاحب العيون الزرقاء الحادة، يحاول، بلهجته العنيفة، أن يجد رأس الخيط الذي يدلّه على المهرّب وكان يردّد في كل مرة كلمة ” قشقجي” أي مهرّب. بدأ في تدوين أسمائنا واسماء الأبوين مع اسم الدولة، أذكر أن ذلك الدركي المنفعل، كان مركزًا عليّ بشكل استفزني كثيرًا، ربما لأن ملامحي تشبه الأتراك كما أخبرني لاحقًا دركي آخر، أو لأن شكوكه كانت مخطئة في مطلق الاحوال. حاول تعنيفي ورفع نبرة صوته معي وهو يصرّ على البحث بيننا عن مهرّب.

فكرّت في لكمه وطرحه أرضًا. كان قصير القامة بالنسبة لي، وأسلوبه معي يشجع على تهشيم وجهه، ثم أنه كان مع دركي آخر فقط، بحيث يسهل علينا نحن الثلاثة جزائريين، أن نفتك بهما، ونهرب كما فعلت جماعة أخرى قبلنا حين اعتدت على أفراد من الدرك التركي، وأخذوا سلاحهم ليلوذوا بالفرار.

غمزني مرافقي وطلب مني أن أتجاهل استفزازه، تفاديًا لمصير نجهله. في النّهاية، قدّمت نفسي على أساس أني فادي حسن، من سوريا.

وصلت حافلتان، ركبنا واتجهتا بنا إلى مديرية الدرك في مدينة “كوساداسي” الساحلية الفاتنة. بقينا خارج المقر المتواجد قبالة البحر. كانت الشّمس تطلّ بتثاؤب ولم يغادرنا الارتعاش بعد، والسّجائر نفدت. كنت أتأمل البحر وعلى ضفته باخرة عتيقة مهشّمة، تأمّلتها مليًا ربما لأنّها تشبه قدرنا الذي تهشم.

كانت معنا ايضا سيدة عراقية جميلة منهكة جدًا، يحوم حولها طفلاها وهما يكثران من الأسئلة ويرددان أسماء علي، وكرار، والهادي، ببراءة خطفها منهما توحّش العالم. لم تكن تشعر بالقدر الذي انتهت إليه، حزينة كانت تدور عيناها الواسعتان في أفق بعيد. سمعتها تردد بلهجة عراقية خافتة “يمّا تبهدلنا!”..

بعد حوالي ساعة في حديقة مقر الدّرك، بدؤوا ينادون علينا بالإسم. الأول كان شابًا عراقيًا. استغرقوا وقتًا طويلاً في التّحقيق معه. بعد أن خرج، اجتمعنا حوله وأخبرنا بأنهم طلبوا منه أن يكشف عن هوية المهرّب، وعرضوا أمامه صوّرًا عديدة ليتعرّف على المهرب، الذي تعامل معه. بعد مرور ذلك العراقي، تأكّدت أن التّحقيق عبثي لا معنى له.. جيء بشاب سوري يُقيم هناك ليكون مترجمًا لنا، وتحدّث معنا وقال بأنه لن يكون هناك شيء فقط  قدّموا معلومات صحيحة. كان ذلك الشاب السوري ابن مدينة درعا، شرارة الثّورة السورية، مهذبًا جدًا ومشفقًا على حالنا. من حسن حظّنا أننا لم نخصع لتفتيش. كان بحوزتي هوية فرنسية مزوّرة تحمل اسمي الكامل.  كما إن هواتفنا لم تسحب منّا. اتصلت بالمهرّب في اسطنبول وأخبرته عن وضعنا، وقال بأنه سيفرج عنا بعد ساعات وكان الأمر كذلك.

جاء دوري في التّحقيق. لم يسألني المحقّق عن أي شيء، فقط قدّم لي المترجم السوري ورقة مكتوبة بالتركية، تتعلق بهويتي للتّوقيع عليها ثم طلب مني الانصراف. وأنا أغادر مكتب المحقّق رافقني ذلك المترجم السوري وقال لي: “أخي من وين أنت في سوريا؟”. قلت له: “من درعا”. ثم سألني عائلة فلان. قلت له نعم. وردّ: “إيش حالهم؟”. وحتى لا يسترسل أكثر في الحديث معي، أو يتنبه للهجتي السورية بلكنتها الجزائرية، أجبته: “هديك العيلة الله يرحمهم. قصفهم بشار بالبراميل”. ثم صمت وبدا يردد لا حول ولا قوة الا بالله..

بعد أن مرّ الجميع على التّحقيق، طلبوا منا أن نركب الحافلة ولم نكن ندري إلى أين تتجه بنا.. طلبت من سائق الحافلة سيجارة، ثم راح يحدّثني بالتركية التي لا أجيد منها إلا كلمات معدودة، عن المبلغ الذي دفعناه للمهرّب، تجاهلت سؤاله، وقلت له حتى أتخلّص من ثرثرته: “Kamel Atatürk is good Man”. بدأ يهز رأسه مفتخرا.

الحافلة كانت تنبعث من مكيّفها الهوائي حرارة عجّلت بنعاسي، لتقلع بنا إلى وجهة نجهلها. مشت بنا لفترة، قبل أن تتوقّف أمام مركز لإيواء اللاجئين. كانت على مدخله لافتة ضخمة، توحي بأنه مركز لجوء مؤقت، عبارة عن سجن لا أكثر، يرعاه الاتحاد الأوروبي.

تقدّمت منّا سيدة أوروبية، حدّثتنا بأنجليزية وطلبت منا البقاء في المركز، أو دفع تكاليف العودة إلى المنطقة التي جئنا منها. كان معنا شابان وبنتان من الغابون والكونغو الديمقراطية ونحن ثلاثة جزائريين. تحدثنا عن كيفية التّعامل مع هذا الوضع وقررنا في النهاية أن ندفع ثمن العودة إلى بسمانة مع الحافلة، التي تفاهم مع صاحبها الدركي ومسؤول مركز الإيواء. فيما بعد عرفنا من مهاجريين سبقونا إلى هذا الوضع، أن الأمر كلّه تخويف لا أكثر ومجرد متاجرة بالمهاجرين.

الاتحاد الأوروبي يدفع سنويا ملايين اليوروهات لتركيا، من أجل الحدّ من الهجرة غير الشّرعية، والأتراك بدورهم يقومون بإنشاء مراكز لجوء، لا تقدّم أدنى خدمة مجرد محتشدات غير إنسانية، كلّ من يصلها يسجل في قوائم ترسل إلى بروكسيل، التي تكافئ الأتراك على كلّ فرد دخل الى تلك المراكز، مع العلم أن الاتراك – كما لاحظت – أول ما يفعلونه مع المهاجرين الذين يأتي بهم الدرك التركي إلى مراكز الإيواء من الباب مباشرة، يتم التفاوض مع سائقي الحافلات، من أجل إيصالهم إلى أزمير، مع تقاسم المال لاحقًا بين الدرك ومسؤول المركز وأصحاب الحافلات.

المهاجر حين يفكّر، لأول مرّة، في العبور إلى اليونان من أزمير، يجهل الجغرافيا التركية وطبيعة المدن وتكاليف السّفر ولا يحمل في جيبه سوى العملة الأجنبية “دولار أو يورو”. بعد أن يتخلص من الليرة التركية التي لن يحتاجها في اليونان، وهنا يسهل النّصب على المهاجرين في تلك المراكز، حيث لا أحد يعلم تكلفة الرحلة، ولا يوجد صرّاف يغيّر العملة ليكون الدفع بالعملة الصّعبة. هي عملية نصب فاضحة، يقوم بها الأتراك لابتزاز الاتحاد الأوروبي والاستفادة من المهاجرين، وفي كل الحالات الاتحاد الاوروبي متواطئ، لأنه عاجز عن خلق آليات جادّة، تحدّ من الهجرة وتجبر الأتراك على الشفافية في التعامل مع المهاجرين.

دفعنا ثمن ترحيلنا إلى بسمانة. تمّ شحن العائلات العراقية وتلك السيدة السّورية مع ابنتها في حافلة ونحن الأفارقة، من جزائريين وكونغوليين وغابونيين في حافلة أخرى. بسرعة عجيبة ساد بيننا دفء حميم، وتبادلنا الحديث عن تجربتنا الفتية وأحلامنا وتقاسموا معنا الطعام والشّراب بطيبة نادرة، لا نجدها سوى عند الأفارقة، حين شكرت ذلك الشّاب الكونغولي المهندس على كرمه، ابتسم وقال: “Nous sommes tous des africains”.

أقلعت الحافلة أخيرا بإتجاه أزمير بسمانة تحديدًا. كان يومًا بائسًا بكل المقاييس. أهم إنجاز فيه أننا بقينا على قيد الحياة، بقية الخسائر لا تهمّ مُقارنة بالنّجاة من موت محقّق..

يُتبع..

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

امحمد بوخبزة : حصافة الرأي وشجاعة الموقف

كمال زايدي   نزاهة المثقف، جرأة المثقف، استشراف المثقف؛ هكذا كان الدكتور امحمد بوخبزة (1941-1993) …

حوار نادر مع المترجم الجزائري مارسيل بوا

اسم مارسيل بوا (1925-2018) يرتبط خصوصاً، بترجماته لروايات عبد الحميد بن هدوقة (1925-1996)، إلى الفرنسية؛ …