الجمعة، 19 يناير 2018

“سيّيرا دي مويرتي”.. فسحة التّعايش عند مضيق الحياة

أحمد طيباوي

غلاف الرّواية

هل يصعب التّعايش بين الهويات والتّفاهم الإنساني إلى هذا الحدّ الذي نراه اليوم؟ بأدوات السّارد المقتدر يضع الروائي الجزائري عبد الوهاب عيساوي أركان التّعايش المشترك على ربوة الريح، ويُحاول أن يُجيب عن السّؤال بالتنقيب في الذاكرة.

يعود إلى زمن الثورة في إسبانيا وحكم فرانكو، ويتخذ من المنفيين إلى معتقل “عين الأسرار”، الواقع على تلك الرّبوة بالجلفة، جنوب الجزائر، أبطالا لحكاية اندست في ثنايا التّاريخ فأغفلها من يريد لسؤال الهوية أن يبقى معلقا.

يسرد الروائي بأسلوب شيّق – على لسان بطله مانويل – تفاصيل  مرور جماعة إنسانية متمايزة عبر المضيق الأخير لحياتهم أو هكذا افترضوا في البداية، عندما كُدسوا في أقبية سفينة جاءت بهم متكوّمين مثل جثث حية من ميناء مرسيليا إلى الجزائر وبالقطار إلى معتقل على تخوم الصحراء “حيث الله قريب جدًا من البشر” على قول كورسكي البولوني المهموم برسم سيرة مجيدة إلى الربّ، تكون ثمنا عادلا للشقاء الإنساني.

كان مرورًا تكشّفت بفضله، فسحة جديدة للنظر إلى الوجود والتقاطعات بين البشر وإلى الذات من زاوية جديدة على الرغم من مرارة الاعتقال وفقدان الجدوى والبرد والتّعب جراء الأعمال الشّاقة وسوء المعاملة.

تقاطعات صنعها التقاء مسارات تبدو متباعدة جدًا ولا سبيل للجمع بينها، لكن ظهر في النّهاية أن كل واحد من أصحابها هو الآخر على نحو ما، الظروف والتوافقات  خلقت عند مانويل انسجاما مع “السلمي” صاحب الدّكان، الشّيخ المليء بالألغاز وذي الروحانية العالية الذي ساعده في الاتصال مع زوجته باتريسيا وعلى الفكاك من المعتقل في الأخير، ومع ذكرى الأمير الكمبودي المنفي إلى المدينة ذاتها قبل عقود، وقبله مع قائد الحرس من الخيالة العرب في المعتقل الصبائحي أحمد، الذي أمر بألا تطلق النار على المعتقلين لما ثاروا يطلبون الخلاص،  وإذ اختفى بابلو الفلاح بعد ليلة حاول فيها القفز فوق الأسلاك الشّائكة والفرار من المعتقل، فإن مانويل بقي بعدها ينظر إلى مقبرة المسلمين في المدينة والتي تسمى المجحودة، لاجئا إلى أوهامه بأن صديقه يمكث فيها وينظر إليه من قريب دون أن يظهر أو يجيبه..

معتقل “عين الأسرار” كان اختبارا لقدرة البشر على التّعايش والتّفاهم، وقبل ذلك تقبُّل بعضهم البعض، وكشف عن سرّ حياة أقل تصادما وأكثر تفهما بين المختلفين، بين  مانويل المادي الذي هام في الامتداد السهبي خلف سور المدينة ينظر إلى السماء باحثا عن تفسير لكلّ الذي يحدث، والطبيب الكتوم الذي سمح له بالكتابة على الآلة ثم دأب على قراءة ما يكتبه مانويل كلّ يوم، بابلو الفلاح الشّجاع المهزوم أخيرًا من حبّ لم تسعفه الظروف أن يعمر طويلا، كورسكي الذي وقف على أعتاب سرّ الرابي يعقوب الذي دُفن معه وطلب منه أن يكتب على قبره أنّ كل ما يأتي من الله خير.

في رواية سيّيرا دي مويرتي، الحائزة على جائزة آسيا جبار في دورتها الأولى عام 2015، والواقعة في 189 صفحة من القطع المتوسط، والصادرة عن الرابطة الولائية للفكر والإبداع بولاية الوادي، نجح عبد الوهاب عيساوي بفضل بنيان محكّم ونسج جميل، وبلغة مناسبة لموضوع الرواية، في رسم خريطة لما هو مشترك بين البشر، وأثمرت فسحة ما قبل الموت المفترض لأبطاله حالة تفكير وانسجام، حيث يمكن أن يكون الآخر أنا وأكون أنا الآخر لو تبادلنا الظّروف التي صنعتنا وشكلت قدر كل منا.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

فؤاد ڨاسمي يكتب: قبلة

على التلفزيون، تتوالى أخبار الكوارث. حروب وموتى وجرحى ولاجؤون وغرقى وانفجارات وأشلاء ودموع وصراخ ونواح.. …

“تركت رأسي أعلى الشّجرة” في ضوء النّقد الثّقافي.. الهجنة والنصّ الوسيط والعدمية الشّعرية (ج2)

النصّ الوسيط والجملة الثقافية والميتا – أدب النصّ، في منظور النّقد الثقافي، ظاهرة ثقافية “تعمل …