الجمعة، 20 أبريل 2018

نحّات سطيف الموهوب

محمد الصّالح قارف

جسد امرأة أخرى يتعرض “للشّطب”. في صباح بارد، صعد رجل، بخفّة راقصة ستريبتيز، يحمل مطرقة وإزميلاً، عدّة مثالية لنحّات يبحث عن شيء ما يُخفيه الحجر الأصمّ. أما نعتُ الرّجل بالجنون هو من قبيل الاستخفاف بالفنّ والموهبة.

لقد استبدل ذاك الملتحي الموهوب عريّ المرأة وعورتها بعريّ آخر، وهبته لنا بكرم بالغ، هي لم تعترض حتى، لم ترجمه بحجر أو تطوّح به بخشبة، المرأة دوماً معفاة من الردّ والاعتراض؛ كلّ ما في الأمر أننا صرنا نحن اليوم، أمام العالم كله، وثناً قُروسطياً غاية في العري، هذا بالضّبط ما بحث عنه ملتحٍ فنان داخل الحجر.

لكن النّحات الفذّ لم يُترك لإتمام عمله، كان ينقصه القليل من الوقت، ليصقله ربما، أو يطرقه طرقاً خفيفاً بالمطرقة ويقول: “لا ينقصك يا عُرينا سوى المزيد من الفصاحة”. ليكن عزاءه أن أعظم الأعمال وأجمل القصائد هي تلك التي لم يتمها أصحابها.

بالرغم من كلّ هذا، هناك دوماً أخبار مفرحة، النّصف الممتلئ من الكأس، لن يشعر زوّار المدينة بعد الآن بالحشمة أمامها ولن يُخدش حياؤهم، ستنتعش السّياحة في سطيف وستستعيد شيئاً من أيامها الزّاهية، تشبه تلك التي عاشتها قبل اكتشاف عري النُصب، منتصف التسعينيات تحديداً. سيشرب الأب مع ابنته، والأم مع ابنها الماء الزلال من النبع دون أن يشاركهم أوديب أو إلكترا، وسيحل أخيراً الخشوع في قلوب المصلّين الذي لم يكن يفسده، للأمانة، ثديان سافران.

وللحداثيين والتنويرين، فيمَ يزعجكم عرينا اليوم؟ أم أنكم تحبّون عريّ الكفار فقط؟ ليفتح العالم الآن عيونه على عرينا الشّرقي الشّبق، على انحناءاته وتعرجاته القُروسطية، لقد نفذّنا وصية المثل الشعبي: “خرجنا إلى الله عراة”.. لكنه لن يفلح في تدثيرنا هذه المرّة.

ها نحن ننتصر مرة أخرى على الاستعمار، على فرنسا الغاشمة التي يحبها معظمكم، بالحديد هذه المرة كذلك. لكن السلطات – العميلة لفرنسا – سترممه بكلّ تأكيد، أو ربما ستسيّجه، وحينها “سنرجمها لأننا بلا خطيئة”.

لكن هناك خبر مفرح، إن هذا سيوفر لنا نصراً مؤجلا على فرنسا المتخفية في إستدارات الحجر وإصلاحات بن غبريط، ثم ألم تكن غزوة هذا النّحات البارع، نصراً مؤجلا هي الأخرى؟ ألم يكن من الأجدر بالسّلطات التي سارعت إلى الاستنكار ولوّحت بسرعة الترميم، أن توفد مثلاً نحاتنا المرهف لفرنسا، من أجل أن يصنع لهم صنماً ذكراً عرياناً منتصباً؟ ألم يكون هذا انتقاماً يليق بفحولتنا المهدورة في عين الفوارة؟ لسنا متأكدين، لكننا على الأقل متأكّدون من استدامة غلبتنا على هذا الحجر الشّقي، سيتأبد نصرنا على هذه المرأة وغيرها.

نعم، أغلبنا نحاتو عري بارعون ومتحمسون، ألم تقرؤوا  تعليقات الكثيرين منّا على مواقع التواصل؟ إننا لسنا نجد فقط الأحجار المناسبة، لقد نفدت، وفرنسا، كأي مستعمر، لم تكن كريمة بالقدر اللازم. أما من ليس يملك مطرقة وإزميلاً، من لم تتحرّك بداخله نشوة النحت، فإنه يدرك طرقاً أخرى لشطب جسد المرأة، ألا تتذكرون؟ الدهس بسيارة، الطعن بخنجر، حُقن الأسيد، أو الرصاص لعديمي الخيال، لكن ذلك موضوع آخر.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

باسكال برينيلي تقوم بترميم اللوحة

من المسؤول عن إتلاف لوحة “المجاعة في الجزائر” لغوستاف غيوميه؟

بينما كان المستشرق الفرنسي، غوستاف غيوميه (1840 – 1887) مُبحِراً إلى إيطاليا في مطلع ستينيّات …

ياسمينة شويخ : تألّق مخرجة شابة

«إلى آخر الزمان» فيلم جديد للمخرجة الشابة ياسمينة شويخ، تم تقديمه في هذا الأسبوع الأخير …