الأربعاء، 17 أكتوبر 2018

أحمد طيباوي ﻟ”نفحة”: أكتب نصوصًا غنيّة وبنظرة مختلفة تمامًا لتاريخنا الوطني

أجرى الحوار: محمد جعفر

أحمد طيباوي، من الروائيين الجدد والذين استطاعوا اقتحام ساحة الكتابة وتحقيق وجود لهم فيه منذ الإصدار الأول. نجحت روايته “المقام العالي” في جائزة علي معاشي الوطنية، كما فازت روايته التالية “موت ناعم” بجائزة الطيب صالح. تعامل مع دور نشر مهمة. ورغم ما حققه كروائي، إلا أنه شبه مغيّب عن الساحة التي تحتكرها الأسماء نفسها دائما.  

احمد طيباوي

بعد المقام العالي، موت ناعم، مذكرات من وطن آخر، هل ما زال الروائي أحمد طيباوي يبحث عن نفسه أو عن إيقاع سردي يناسبه؟

هذا ما يفترض بأي روائي، أقصد البحث ومحاولة الاكتشاف الدائم، الكتابة وجه آخر للحياة أو تشكيل ثان يقوم به الكاتب لما يعايشه ويفكر به ويطمح إليه، ليس للحياة طبعة أخيرة ونهائية، هناك دائما ما يمكن اكتشافه او التعبير عنه، وإلا لأمكنني ان أكتفي برواية واحدة أجمل فيها كل شيء، وهذا يتنافى مع طبيعة حياة الإنسان والنظرة إليها.. أما ما دعوته أنت بالإيقاع السردي المناسب وأسميه أنا بالبصمة الإبداعية الخاصة فأحاول أن أطورها وأنميها حتى تصل للنضج، الأمر يخضع بالطبيعة للتدرج، لكني أود أن أقول أيضا بأن كل نص كتبته كان مناسبا للظروف الشخصية والعامة التي أنتجته.

وأنت تبحث عن “بصمتك” هل تراعي أذواق القراء؟ وكيف يكون النص ناجحا برأيك؟ هل من وصفة؟

الكاتب يكتب نصوصا ليتلقاها القارئ، أنا أكتب وفي ذهني دائما أني عند الانتهاء من الكتابة ويُدفع العمل للنشر لن يكون ملكي، بمعنى أفقد السيطرة على التأويلات التي قد تعطى له وعلى ترحيب القارئ به أو استنكاره، لكن فكرة أن تكتب ما يعجب القراء فالرواية ليست منتجا تجاريا محضا حتى يفرض الزبائن منطقهم على المنتِج. لا أعتقد أنه توجد وصفة متفق عليها للرواية الناجحة، واسمح لي أن أتساءل قبل ذلك عن معيار نجاح النص، أهو عدد النسخ المباعة، أم إشادة النقاد أم الحصول على جوائز؟ كل هذا أو بعضه، لا يمكنني أن أجزم بشيء، لكن ما أعرفه حقا هو أن النصوص الناجحة تعيش عمرا أطول بكثير من عمر أصحابها، وتثبت صلاحيتها لأجيال وأجيال من القراء، حتى ولو لم تجد التجاوب المطلوب عندما تنشر.

ألا تقدم الجوائز هذه الوصفات؟ وماذا عن الطابو، هل هو كفكرة مطروح لديك؟ 

في كل مرة تُعلن فيها نتائج جائزة ما تثار مناقشات طويلة حول أحقية هذه الرواية أو تلك بالجائزة،  لكن لنتذكر أن القائمين على الجوائز لهم سياستهم ونظرتهم للأمور، ومعايير اختيار اللجان للنصوص الفائزة تختلف بحسب تركيبتهم ومستواهم وتقدير للنص الجيد كما وصفته. لذا لا تتوقع أن يحظى نص ما بإجماع النقاد والقراء.. لكن هل تقدم لنا الجوائز دائما نصوصا جيدة؟ أجيبك بأن هذا هو المفترض أن تقدمه الجوائز خدمة للأدب، تقديم أسماء ونصوص تستحق التنويه.

تخوض في رواية العلاقات مع تحميلات سياسية مواربة، هل تعتقد بان الخطاب الروائي وبالشكل الذي هو عليه يبلغ المتلقي؟ وماذا يهم برأيك القارئ اليوم؟

حسنا هذا يتعلق بمستوى الوعي لدى الكاتب والقارئ على السواء، والرواية-على ما اكتسبته من مساحة اهتمام لدى الجمهور الثقافي مؤخرا- تبقى فنا نخبويا، والنص ناتج عن وعي نفسي واجتماعي وقبل ذلك رؤية للعالم وللحياة إضافة للطاقة الإبداعية، وبلوغه للمتلقي ومن ثم تأثيره-تراكميا- في الوعي وبناء الفكر والرؤية المختلفين يتوقف على هذا. وحضورنا نحن –أفرادا ومجتمعات- في هذا العالم زمني لا تاريخي، لذا أسعى من خلال بعض ما أكتب إلى تقديم نصوص غنية بنظرة مختلفة تماما لتاريخنا الوطني، والمراحل الحاسمة التي أسست لحضورنا الزمني وغيابنا عن الفعل التاريخي المؤثر. العلاقات الإنسانية وتضارب الأفكار وتنازع السطوة والنفوذ والخيبات النفسية لدى شرائح اجتماعية مختلفة، صعود نجم الإيديولجية وسقوطها، الخيانات المريرة ولحظات الضعف والانتكاسات لدى الحالمين بوطن يسع الجميع، التجبر وهيمنة الذوات الطامعة وتخاذل الضعفاء.. كل هذا يستحق تدوينا، مجتمعنا في التاريخ وعلى ما هو عليه الآن، يستحق إحياءً لما بقي منه يستحق الحياة، أو شبه تأبين إذا كان هناك من يرى بأنه يحتضر.

ما هو النص الذي كتبته وتعتقد أنه جدير بالمتابعة والاهتمام النقدي؟ وهل ما يصدر محليا (160 رواية هذا العام) جدير بالمنافسة عربيا ودوليا؟

أنا راض عما كتبته حتى الآن دون أن ازعم أني أكتب على النحو الذي أريد، تفهم طبعا أن الاكتمال حالة مستمرة وليست نقطة نقف عندها لنقول برضا متوهم حسنا إني أكتب نصوصا جيدة. أعتبر كل رواية كتبتها مناسبة لظروفها.. ربما حاولت ألا أكرر نفسي، لكن يحدث أن تجد رواية بعينها صدى أحسن من نظيراتها.

بالنسبة للعدد الكبير من العناوين الروائية الصادرة في الأعوام الأخيرة، أخشى أن الرغبة في الظهور وركوب الموجة كانت السبب الرئيس في تضاعف عدد الروايات الصادرة، لكل إنسان الحق في أن يكتب، ولست ناقدا أو متحاملا لأقيم النصوص جزافا وبالجملة، لكن في المقابل لا يعقل أن تجد نصوصا كثيرة مليئة بأخطاء بدائية وتفتقد لمقومات النص الروائي، هناك تعمية على الروايات الجميلة لأن شبكات التواصل أتاحت الحضور والترويج للجميع، لذا يصعب على القارئ الفرز في المدى القريب، لكن الزمن كفيل بالأمر. آمل أن يتحول الكم إلى نوع إذ التضخم والكثرة ليست دليل على الصحة دائما، ويختفي كتّاب الرواية ليبقى الروائيون فقط.

مجاراة السائد والدارج جعل الرواية في أسفل الدرك.. هل توافقني؟

نحن بحاجة لمراجعات عميقة لمعرفة أسباب محدودية تأثير الرواية وقبل ذلك حجم حضورها الحقيقي لا المزيف الذي تظهره وسائط الاتصال المختلفة، ونتساءل عن الاستسهال في الكتابة والعدد الضعيف جدا من الترجمات التي تنجز من العربية لمختلف لغات العالم.. وضعف ارتباط السينما لدينا بالرواية، ومشاركتها المحدودة في صياغة العقل والوجدان العربي وترقية الذائقة مفسحة المجال للنصوص المبتذلة والأعمال الفنية الهابطة.

يمارس اليوم تعتيم شبه كلي على الروائي أحمد طيباوي، ولم يشفع لك حصولك على جائزة الطيب صالح وهي جائزة غير هينة، وبالكاد تصلك دعوات أو اهتمام من قبل المؤسسات والنوادي الأدبية، إلى ما يعزى ذلك؟ وهل صار للعلاقات اليوم الدور الأكبر في الترويج لأسماء دون غيرها؟

منظومة الإعلام الثقافي عندنا مختلة، مع وجود حالات شاذة، والقائمون على الصحافة والإعلام مسؤولون على هذا، ودور الثقافة والمكتبات العامة تسير بعقلية بيروقراطية صماء، وكما ذكرت في سؤالك، أصبحت علاقات الكاتب –لا نصه- محددا للاهتمام الذي يحظى به، تُنظم تظاهرات أدبية وثقافية في كل ولاية تقريبا ومعارض للكتب لكنها أفرغت من محتواها ولا تؤدي وظيفتها، الشللية طاغية، لذا أصبحت مجرد نسخ رديئة مكررة أشخاصا وموضوعات وشعارات، ولم تعد سوى هدر للمال العام فقط.

إلى أي حد يؤثر عليك هذا الوضع (التعتيم) عليك؟ هل يغير قناعاتك؟ وما الخيارات البديلة المطروحة؟

لا يمكن للعوامل الظرفية أن تكون أقوى من الزمن، سيذهب الزبد جفاء ويبقى ما يستحق البقاء، والتاريخ يعلمنا الكثير في هذا الشأن. ومما يجب أن يكون هو إعادة النظر في طريقة العمل المتبعة من قبل القائمين على الإعلام الثقافي، وقبل ذلك سياسة ثقافية للدولة والهيئات التابعة لها، دعم حقيقي للثقافة والتوقف عن سياسة الريع.. النقاد وأساتذة الجامعة لهم دور كبير أيضا للوصول إلى الحالة المنشودة.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عمار بلحسن

شعرية القصّ في مملكة السرد عند عمار بلحسن

عبد القادر ضيف الله الحديث عن الشعرية عند عمار بلحسن، هو حديث عن جمالية عالم …

عمار بلحسن في ذكراه : الكلمة والموقف

في مثل هذا اليوم 29 أوت من سنة 1993، رحل الكاتب عمار بلحسن، وهو في …