الجمعة، 15 ديسمبر 2017

سنوات الضّوء والمحبّة والثّقافة.. سيرة غير كاملة (5)

عبد الوهاب معوشي

كتبت حمامتان تحرسان الوطن.. وكتبت عرس بغل.

على جدران التّسعينيات الرّاعدة، نشأ هذا الأدب. أدب النّبذ والإستنقاص والإلغاء.

أدب راح فيه الطاهر يحياوي موغلا بالأيمان، حالفا بالله وبالوطن أن الطّاهر وطار لم يكتب أدبًا ولا نثرًا أو أهزوجة، بل هو أدب مقاهٍ.

أدب نميمة وجمل للحزب الواحد. تميمة يضعها الشّريف مساعدية أو بوعلام بن حمودة أو عبد القادر حجّار على صدورهم.

أدبه الدعائي، نصّه الطّالع، من فرن البروباغندا، الذي لا يبقى و لا يذر.. وحده هذا “اللاز”، في نثره، لغته المكولسة، متنه المتشابه مع صوته، لسان الطاهر المنافح، المتأبط خيرا وذما لوطار وأدبه.

وهاهو الطاهر وطار يسلك مسلك الرّماة القادحين فيروح يرمي بإصدارات “إبداع” إلى رصيف رضا حوحو، قبالة مسجد “الرحمة” و في “شاراس”، يوم دوى الرصاص وغنّت الأسلحة الصغيرة المحمولة وإنكفأ الصحب متشظين، متطايرين إلى جمعية تغالب البقاء جنب “الحاجظية” وأخرى تحلّ بقرار إداري إيديولوجي سلطوي دون محاكمة لنصوصها المكتوبة وهي تلاحق فرار قائد المسيرة..

-1-

الحمامتان اللتان تحرسان الوطن هما ديوان للطاهر يحياوي وعرس بغل هي رواية للطاهر وطار، فمن ذا الذي يعرف وطار دون “بغله” ومن ذا الذي يعرف البغل دون وطار. هذا الثّنائي المرح، الضّاحك، القوي في بيانات الشتيمة والهجاء الكلاسيكي المعبأ بالسّياسة تارة وبالخلفية الشخصية تارة أخرى.

وغالب الحقيقة أن الذي حصل ما كان يجب أن يحصل بين المتأدبين، من المنتمين إلى حزب الكلمة القوي الذي طلب منه أن يتجيّش، أيجأر إلى الله بالدّعاء لعله يسلم مكر السلاح وخنادق القتلة؟ أو ليلحق فندق المنار سيدي فرج مهربا على كفنه ليلا؟ بل حتى ليلحق بالجبل أو المحتشدات أو السجون ظالما ومظلوما، ضالا ومهتديا إن هو مع الجيش أو الإنقاذ أو الحزب الثالث في طريقه للميلاد أو ممتطيا طائرة المنفى.

وهاهو نور الدين درويش شاعرا في محتشد صحراوي، ولحيلح و ميهوبي معانقين السلاح الإسلامي وسليم قلالة في رقان أو عين لمقل، بل إن ميلود خيزار شاعر الجاهلية واليسار – كما هو عند الإسلامين – يلقي المكتوب نفسه، مكتوب الإعتقال والإبعاد، وفقًا للمقاربة البوضيافية.

إثنان هما الطاهران، تواجها، تلاسنا، تنابزا بالألقاب على صفحات جريدة “الوجه الآخر”، الجريدة السّاخرة التي أغلقتها السلطة، كي تحرمنا أو تحرمهما من الضحك السياسي واللهو الإيديولوجي البريء.

-2-

كأن الجاحظية تجب ما قبلها بلغة الفقهاء، بشعارها – لاإكراه في الرأي – ببياناتها التعريفية، بفكرها الجدلي الحواري والمناظراتي، بوعي أصحابها ومؤسسيها، بل حتى باحترافيتها في إظهار استراتيجيتها ومراميها، لم تكن “الجاحظية” ابنة الإندفاع الشباني الأول، رؤيوية خلاصية، أو مناضلة تصبٌ حسابها النضالي في سكة الحزب أو الدّولة أو القبيلة أو المناطقية، إذ هي تماهت مع شخصية صاحبها وطار، وطار الغاضب، وطار المدًوي، الجرئ العنيد، النشيط، الحاضر السليقة، الدائم على بداهته الذي لا ينام، وطار الذي يعس، يحترس، يقف، يواجه ببراغماتية عالية خصوما كبارا وجيوشا من المدسوسين الكسالي من بوابي الثقافي وعسًاسي الباب الفوقاني، لقد عمل وطار بجاحطبته الكثير، ففي البدء كان مختفيا وراء تجربة “الشّعب الثّقافي” والرواية الخاصة به – وهي وحدها – كأنه العشق والموت في الزمن الحراشي أو كأن حزب جبهة التحرير الوطني يحتضر كي يموت واقفا عارفا كلّ الزلازل والإنفجارات مارًا عليها مرور الكرام المطمئنين الواثقين في رقدتهم المؤقتة كما في غفوتهم الآنية..

الطّاهر وطار

-3-

تنحى جانبا الطاهر وطار كي يغرز السّكاكين هنا وهناك، وفي كلّ مكان وعندما يكون لك أعداء في الطريق فإياك ومقاتلتهم يسرا ووراء الظهر، فذاك ليس مثالية في الجاحظ أو ابن المقفع، أو ابن رشد، أوالبسطامي أو التبريزي، صورة منحها الطاهر لنفسه ولنصوصه ولمقدمات كان يكتبها في حيطان مجلاته الرائعة المادة المدهشة المضامين بعقلانيتها لحظتئذ، سيكون الجنون سيدا على الأرض وعلى الجوّ وعلى هواء التلفزيون كل ثامنة مساءً، صوت الطاهر في “التبيين”، في “القصيدة”، وفي “مجلة القصّة”، معطوفة على صوته الترويجي لجائزة مفدي زكريا ولتنشيطه لمداخلات ما انفك يدعو إليها كتابا مرموقين من المغرب  ومصر، شاهدين منافع لهم وله، يقطين والغيطاني، عبد اللطيف اللعبي وبرادة، الطاهر بكار والمديني، عز الدين المناصرة وسميح القاسم، كبار الجاحظية وندمائها، ندماء عمي الطاهر..

متن الطّاهر وطار بوصفه ظاهرة

اسمه كرسمه، هذا الجاحظي الأخير. انتسابه إلى الجاحظ ليس عنوة، إعادة تموقع، أو فخر مثقفين زائفين لم يكتبوا لا “اللاز” ولا الحمامة التي تبات تحرس الوطن من ذئابه الذين يحكمون الوطن ويسرقون اعشابه وزهراته اليانعات، اسمه كرسمه عمي الطاهر وكمتنه الذي يقع من قلبه مغرما، مولها بنفسه، ذاتوية و”نارسيسوس” محببة مع هذا الأديب وإننا ونحن صغارا لم نطلق لفظه “أديب جزائري” إلا عليه ممن بقوا أحياءً أو أفضوا إلى بارئهم كعبد الحميد بن هدوقة، محمد ديب، مولود فرعون، مولود معمري. لطالما فردناه مع الأدب لا مع الكتابة، مع منهج الأديب، مع الصنعة لا مع مسالك الكتابة وانحرافاتها..

-4-

هل جاءنا الطاهر وطار، أم جئناه نحن؟ هل تمددت “الوطارية” على أرضنا، غزتنا، لم تترك لنا الخيرة من أمرنا، أم نحن من ذهب إليها طائعا مستسلما لفرادة نموذجها، لأسلوبها الطاهري، لمقامها العرفاني “اللاًز”، الذي أضحكنا صغارا حدّ الغرغرة والدموع! الزمن الحراشي وأعراس البغال التي تقع ولا تقع، تجربة العشق أمام صور كهربائي مميت، لقد عرف وطار كي يبعث نفسه وسطنا، وسط جيلنا، ليست أخلاقويته و طهرانيته أو أبويته أو مصارعاته وصراعاته.. “نحاول أن نقدم شيئا للشباب”، “أن نأخذ بأيديهم”، “أن ننشر لهم أعمالا”، “أن نحفزهم على المسابقة والإمتحان”.. ليس كلّ هذا ما ينطلي أو سينطلي على شباب بدأو يكتوون في المحنة صغارا، أو تنبغ فيهم العلامات أو يحصلوا على بعض من المكانة الرمزية في الجامعة أو المعهد، في التّدريس أو الأستاذية، أو في الجريدة أو العمود، أو حتى أن بعضهم ما طفق ينشر في المنابر العربية المعروفة يومها، مثل “كتابات معاصرة” أو “الناقد” أو “آداب” أو “الإتحاد الإشتراكي” أو “المنظمة” وحتى بعض منابر المهجر التابعة لصدام حسين أو للقذافي او لمشيخات الخليج أو حتى لمنظمة التحرير الفلسطينية  كمجلة “الهدف” و “اليوم السّابع”..

إن الظّاهرة الوطارية ليست بالشّيء اليسير أبدا في المنشأ أو الحضور أو التجلي أو البقاء أو في الموت أو الإندثاروالنهاية، لقد جاءنا هو بهذا المقدار من السياسة والكياسة والسلس الممتنع..

وجئناه راكضين حول “المختلف الممكن”، حول البيان من أجل العقل والديمقراطية، في زمان سيكون فيه الكسل المعرفي والعقائدي، الجامعي والجمعياتي، المدني والمجتمعي والأهلي والأهلاوي، عناوينا صالحة لردم بؤرة الثّقافة المنفتحة والصوت الواعي.. الحصيف لفائدة ساحة ضيّقة تضيق بأهلها في المعيش اليومي البائس وفي القتامة الظاهرة على آخرها..

يتبع..

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

سنوات الضّوء والثّقافة والمحبّة.. سيرة غير كاملة (3)

آتون وإننا آتون من السّعير إلى الجنّة انفطرت حبّات العقد الإبداعي إلى مئة ألف حبة، …

المواقع الإلكترونية الثّقافية .. أسئلة الحضور والغيّاب

لا شكّ إننا أمام حقيقة لا مراء فيها وهي استحواذ الأنترنت على جزء كبير من …