الجمعة، 15 ديسمبر 2017

الجزائر.. قلعة الرّقابة وفوبيا الصّناعات الثّقافية

د.عمار كساب

في الجزائر، فكرة مُساهمة الثّقافة في التّنمية الإقتصادية ليست جديدة، بل تعود إلى ميثاق إفريقيا الذي حُرِّر في الجزائر العاصمة خلال المهرجان الإفريقي الأول(1969).

ميثاق شدّد على أهمية تطوير القطاع الثقافي من أجل المساهمة في التنمية، تمّ بعده التّوقيع الميثاق الإفريقي للثقافة سنة 1976 وبعده مخطط الصّناعات الثقافية لإفريقيا الذي حرّر هو كذلك في الجزائرالعاصمة سنة 2005 تحت راية الإتحاد الإفريقي.

لكن في الواقع، تبقى مساهمة الصناعات الثقافية في تنمية إقتصاد الجزائر ضئيلة جدًا، والدّليل أنه لا توجد إرادة سياسية أو علمية لتقييم مساهمتها في الدّخل الإجمالي الخام، في حين أن دول مثل نيجيريا وغانا تقيس – بدقّة – كلّ سنة وزن الصّناعات الثقافية في الدخل الإجمالي الخام، و ذلك طبيعي لأن هذه الدّول تعلم ان لهذه الصناعات وزن.

من جهتها، السّلطات الجزائرية التي تعرف أنّ الصّناعات الثقافية ليس لها وزن، فمن الطّبيعي لن تسخر الوسائل المادية و البشرية لقياس الصفر!

ويعود عدم مساهمة الثقافة في التّنمية إلى سبب أساسي ذو طابع سياسي. معروف أن السّلعة الثّقافية تحمل مادة صعبة التّحديد، يصعب التّحكم فيها، وهي المادة الفنية التي لها قدرة كبيرة في التعبئة وفي تحرير العقول وفي طرح أسئلة تضع الأنظمة السياسية في مواقف حرجة. لذلك عمل النظام الجزائري على وضع رقابة خاصة تُعنى بالمواد الثقافية، كتشكيل لجان مراقبة وقراءة ومشاهدة وترخيصات للأفلام والكتب والعروض المسرحية، إلخ.

حجّة النظام هو حرصه على حماية الهوية الوطنية وعلى أذواق المواطنين! وذلك غير صحيح، لأنه لو كان كذلك لوضع النّظام نفس آليات المراقبة على المواد والسلع الإقتصادية الأخرى، من بينها السّلع الصينية التي تعرّض كلّ يوم صحة الجزائريين للخطر!

لذلك نجد أن النظام سكيزوفريني في تعامله مع الثقافة، مولع بدور الصناعات الثقافية في التنمية، لكنه لم يضع أي آليات لتطويرها (أذكر هنا مرصد أنغولا للصناعات الثقافية وإستراتيجية المغرب لتطوير الصناعات الثقافية)، بل بالعكس، يتفنّن النظام في خلق آليات الغلق والرّقابة كما هو الحال مع قانون السينما وقانون الكتاب الكفيلان بتركيع أحسن الإستراتيجيّات لتطوير الصناعات الثقافية في العالم، لأنهما عبارة عن مركّز لآليات الرقابة المستلهمة من قوانين الإتحاد السوفياتي ومن كوريا الشمالية!

على سبيل المثال، إذا أراد مستثمر بناء قاعة سينما، فعليه الحصول على رخصة أولى من الولاية من أجل إستغلالها (صالحة لمدة سنتين)، ثم رخصة ثانية من طرف وزارة الثقافة لمزاولة العمل (صالحة لمدة 5 سنوات) ورخص أخرى لكلّ فيلم يُعرض، ويجب عليه أن يوقّع دفتر شروط مع وزارة الثقافة، وأن يخصّص على الأقل الثلث من برنامج العرض السنوي للأفلام الجزائرية، وأن يكون سنه فوق 30 سنة، إلخ. إذن بين الاستثمار في مركز تجاري أو الاستثمار في قاعة سينما، سيختار المستثمر منطقيا الاستثمار الأول لأنه سيجني من خلاله أرباحا أكبر وبشروط أقل.

في الأخير، يمكن القول أن الطّريق لا يزال طويلا حتى يصبح للجزائر صناعات ثقافية لها وزن في الإقتصاد، تخلق مناصب شغل وتحرّر الجزائر من التبعية للغاز والبترول. حتى نصل إلى ذلك، يجب أن يبدأ النظام بتحرير القطاع الثقافي من جهة، بوضع إستراتيجيات صناعات ثقافية ناجعة تدخل في إطار تنويع مصادر التنمية الإقتصادية. ولن يحصل ذلك – طبعًا – مادامت فوبيا الصناعات الثقافية تسيطر على النّظام ومادامت السلع الصينية تعرف رقابة أقل بكثير من الرقابة المفروضة على السّلع الثّقافية.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

اكتشاف جديد لرسومات تعود إلى العصور الحجريّة

اكتشف هذا الأسبوع، الباحث في الآثار أحمد عقون، بالتنسيق مع جمعية أصدقاء الأطلس لحماية التراث …

محمد بودية: تشي غيفارا الجزائر يعود هذا الأسبوع

صدر حديثًا عن دار النشر «الصباحات الأولى لنوفمبر» بفرنسا، كتاب يتناول حياة ونضال وأعمال الكاتب …