الجمعة، 15 ديسمبر 2017

القصّة السّرية لآل رمضان

يان ماهل. ترجمة: سماعن جلال الدين

طارق رمضان

في يوم 4 أوت 1995 توفيّ سعيد رمضان، والد طارق وهاني رمضان، عن عمر يناهز 69 سنة في أحد مستشفيات جنيف السويسرية. لكن الأمر مرّ مرور الكرام على السّاحة الإعلامية بالرغم من أن المتوفي ليس إلا صهر مؤسس حركة الإخوان المسلمين، حسن البنا، وهو رائد الإسلام الراديكالي في أوربا.

تحصل سعيد رمضان على شهادة الدكتوراه من جامعة كولون سنة 1959، ثم تلقى من السعّوديين مهمّة أسلمة القارة العجوز.

تزوّج سعيد رمضان من وفاء، وهي كبرى بنات حسن البنا حين كان عمره 22 سنة ويوم قام بعبور قناة السويس للمشاركة في الدّفاع عن فلسطين ومنع قيام دولة إسرائيل. لم ينف طارق رمضان التزام والده وجدّه من أمه وسيكتب لاحقا في كتابه “الإسلام، وجها لوجه مع الحضارات”: «كانت رسالة البنا واضحة: المُقاومة المسلحة مفروضة ضدّ المخططات الإرهابية لإيرجون (أو إتسل، منظمة صهيونية شبه عسكرية) ولمجموع المستوطنين الصهاينة». كان سعيد رمضان جدّ مقرّب من سيد قطب، صاحب إيديولوجيا إسلاموية راديكالية. سيطوّر رائد الجهاد التدميري أطروحة مفادها أن أغلبية المسلمين جهّال وليسوا بمسلمين بأتم معنى الكلمة، وبالتالي يمكننا قتلهم وهم لا يستحقون ألقابا إلا من قبيل “كفار” و”جاحدين”.

سيتم سجن سيد قطب بإيعاز من جمال عبد الناصر وسيعدم سنة 1966. بالمقابل، تمكّن سعيد رمضان من الإفلات بجلده واستقرّ، أول الأمر، في السّعودية ثم سوريا فلبنان قبل أن ينتهي به المطاف على ضفاف بحيرة ليمان في أوت 1958. هناك أنشأ المركز الإسلامي لجنيف سنة 1961 كوسيلة «طارئة وضرورية فرضها الرّاهن من أجل مُجابهة المادية الملحدة بكل أنواعها» بحسب تعبيره؛ وقد شكّل هذا المركز أوّل تجمع للإخوان المسلمين في أوربا.

حياة باذخة

مع مطلع الستينيات من القرن الماضي، كانت أموال البترودولار الخليجية تتساقط كالمطر على عائلة سعيد رمضان. كانت السعودية تمنحه شهريا اثنا عشر ألف فرنك سويسري(ما يعادل عشرة آلاف يورو). وكان يُقيم في فيلا فاخرة كانت هبة من دولة قطر، كما اختارته الأردن ممثلاً لها في هيئة الأمم المتحدة. عاش حياة ملوك ولم يخف سعيد رمضان البتة شغفه بالسيارات الكبيرة الفاخرة ذات الألوان الصارخة ولا ولعه بالنّساء الفاتنات. في المقابل، كان يتهجّم بشدة على صفحات مجلته “المسلمون” على “اليهودية العالمية”، على “القوى الاستعمارية” وعلى “دعاة الإلحاد والتهاون الأخلاقي”. غير أنه وفي سنة 1966 حدث ما لم يكن متوقعًا. توقّف ضخ الأموال عليه وسحبت منه عَمان مكانته كممثل لها لدى هيئة الأمم المتحدة. هل كان هذا السقّوط الحرّ عائدا إلى حياة البذخ التي عاشها؟

تقول إحدى الوثائق السويسرية السرية بأنه كان مزمعا أن يُغادر أرضها في يوم 31 جانفي 1967 لكنه بقي فيها دون أن يملك وضعية قانونية واضحة، أي أنه بقي فقط لأنه استفاد من نظام التّسامح الذي كانت تعمل به سويسرا. “لكن لماذا استفاد من هذا التسامح السويسري؟”. ستجيب المخابرات السويسرية بأنه لم يكن مجرد داعية لإسلام راديكالي بل يحتمل أيضا بأنه كان “عميلا للانجليز والأمريكان”(كما كشفت عنه وثيقة من صفحتين بتاريخ 29 جوان 1967). وتضيف: “نعتقد بأنه كان يمنح خدمات – متمثلة في المد بمعلومات – للشرطة الفدرالية السويسرية”. خطاب مزدوج. جلد حرباء. الظّاهر بأن سعيد رمضان كان يتخابر أيضا مع “سي.أي.إي” حول الجماعة التي أنشئها حسن البنا.    

كيف لا يمكننا تصور بأن ابنه طارق – الذي تم توقيفه مؤقتا عن عمله كأستاذ في جامعة أكسفورد بعد الشكاوى المقدّمة ضده من طرف سيدتين بتهمة الاغتصاب والتحرّش الجنسي – إلا وهو غارق في التفكير منذ أسابيع في السّقوط الذي عاشه والده منذ أزيد من نصف قرن؟ هذا الوالد الذي يشبهه فيزيائيا حدّ التّطابق..

يعيش حاليا طارق رمضان كوابيس لا تنته. “أعتقد بأنه وفي لاوعيه كان دائمًا ينتظر بخوف اللحظة التي يكتشف فيها أمره ويعيش ما عاشه والده من قبل”، تقول ماجدة برنوسي في تصريح لمجلة لوبوان سنة 2014 والتي أوضحت بأنها عاشت علاقة “مشوشة ومدمرة” مع عالم الإسلام. ذلك أن سعيد رمضان لم يتخل فقط عنه الخليجيون بل لم يعد حتى يسكن مع زوجته وأبناءه الستة. “لم يكن يخرج تقريبا من منزل صغير جدًا تنبعث منه رائحة التعفن، محاطا بجرائد قديمة”، يتذكر أحد الأعضاء السّابقين في النادي الثقافي الإسلامي الذي أنشأه طارق رمضان في سنوات التسعينيات.

في الفاتح من جوان 1978 وكتحد صارخ، قام ملك السعودية خالد بافتتاح المسجد الكبير لجنيف في حي بوتي – ساكوناكس، غير بعيد عن المنظمات العالمية، وهو ما أدى إلى تهميش المركز الإسلامي لجنيف والذي تمتلكه عائلة رمضان.

هذا المركز دائما ما كان يشتغل وكأنه طائفة استولى على مجلس إدارة هذا المسجد عائلة رمضان: وفاء، الأم وابنة حسن البنا، وأبناؤها: أيمن، ياسر، بلال، هاني، أروى (البنت الوحيدة) وطارق. أيمن، أكبر الأبناء، يعمل كطبيب جراح، وُلد في مصر ولا يدلي بتصريحاته إلا نادرًا جدًا. وفاء، الأم، لا تدلي أبدًا بأي تصريحات. منذ سنة 1995، يشغل هاني (المولود عام 1959) مهمة المدير العام. فارع الطول، ذو نظرة حادّة، يتوسط جبينه زبيدة من أثر السجود، لطالما لعب هاني دور “الشرير” في العائلة، في حين يلعب طارق دور “الظّريف”.

هاني ممنوع من الدخول إلى الأراضي الفرنسية وحتى في سويسرا تم توقيفه عن تدريس اللغة الفرنسية بعد مقال نشره في صحيفة لوموند الفرنسية سنة 2002 بعنوان “الشريعة غير المفهومة” وفيه يبرر رجم المرأة الزانية! يقول فيه: “من المؤكد أنه قانون قاسٍ جدًا لكنه يشكّل عقابًا وأيضًا نوعًا من أنواع التّطهير”. هاني رمضان متعوّد على مثل هذه الخرجات، ففي كتابه “المرأة في الإسلام” يدافع عن تعدّد الزوجات ويعتبر بأنه أمر سيقي الرّجل من “الوقوع في الزّنا وسيسمح له بمواصلة الإنجاب حين تعجز عن ذلك كبرى زوجاته”.

هاني رمضان

تضليل

علنا، لطالما تبرأ طارق رمضان من أفعال أخيه الأكبر والتي دائما ما كانت مستفزّة ووثيقة الارتباط بالإخوان المسلمين. طارق لا يُدافع عن الشّريعة بل ينادي فقط ببعض التّأجيل في تطبيقها. غير أن الخطابات العصرية لأستاذ الدّراسات الإسلامية في جامعة أكسفورد تكاد تخفي تشدّده الديني. في كتابه “المسلمون في كنف اللائكية” والذي نشره سنة 1994، أكد طارق رمضان بأن “دروس البيولوجيا قد تحوي تعاليم منافية لمبادئ الإسلام.” أما فيما يتعلّق بارتياد الفتيات للمسابح فيرى بأنه من اللائق تجميع الفتيات المسلمات لوحدهن، “احتراما لمبادئ الحشمة الإسلامية”.

هاني رمضان، وعكس أخيه الأصغر، لا يبدي أي تضايق من مثل هذه التحذيرات في خطبه. بل حدث وأن صرح لأحد الصّحف السويسرية بأن هناك تواطئا بينهما: “ما يجب حقًا أن تفهموه هو أن هناك تكاملا بيني وبين أخي طارق. نحن بمثابة وجهين لعملة واحدة. ندرك جيدًا ما نقوم به وإلى أين نسعى”.

الفرق بين الأخوين؟ هاني يُطلق العنان لتصريحاته غير مكترث بأحد. بتاريخ 25 أوت 2015 وفي مقال في صحيفة “لاتريبين دو جنيف”، اعتبر أن الاعتداء الذي وقع في مدينة تاليس، والذي فشل بفضل التدخل العسكري الأمريكي، لم يكن إلا “خدعة من أجل الرفع من قيمة الجيش الأمريكي.” بالمقابل، أخوه طارق أدلى بتصريحين حول الحادثة نفسها. في المشهد العمومي، أدان بشدة “اغتيالات مونتابون وتولوز” والتي ارتكبها محمد مراح. أما على موقعه الشخصي والذي يتابعه باهتمام مريدوه فإن عالم الإسلاميات رسم صورة مُتعاطفة مع المجرم والذي قدّمه على أساس أنه: “مراهق كبير، مجرد طفل، بطال، تائه، وذو قلب حنين بشهادة كلّ من عرفه.” بالنسبة له، لم يكن مراح إلا “ضحية لنظام اجتماعي سبق وأن دفعه، هو وغيره من الملايين من الأشخاص، إلى الهامش، وإلى عدم الاعتراف به كمواطن له حقوقه وحظوظه”.

خطاب مزدوج؟

إذًا هو خطاب مزدوج لم ينتبه له اليسار الفرنسي. هذا اليسار لم يشأ إلا أن يرى في هذا الإسلامي المعتدل رفيق درب له في نضالها. ثقة عمياء جعلتهم يتغافلون عن هذه الزيارة التي قام بها طارق إلى السودان سنة 1993 بدعوة من حسن الترابي. هذا الأخير والمكنى “البابا الزنجي للإرهاب”، واحد من جماعة الإخوة المسلمين، دعا إلى ضفاف النيل أغلب التيارات الموالية بطريقة أو أخرى للإرهاب: جماعة إسلامي الباكستانية، الجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية.. دون ان ننسى ضيوفه الأكثر شهرة: من أسامة بن لادن إلى إيليش راميراز سونشاز المدعو “كارلوس”. وقد نسبت أيضا إلى الترابي مقولة: “مستقبل الإسلام؟ إنه طارق رمضان”. فهل في القاهرة أم في الخرطوم قرّر التّرابي أن يتبنى هذا الشاهد الذي تخلى عنه والده مبكرا؟

حين عاد حفيد حسن البنا إلى جنيف بعد أن قضى 14 شهرا في القاهرة، قام بإنشاء نادي ثقافي إسلامي ينشر داخليا منشورا بعنوان “معالم”. هل كان تلميحا لكتاب “معالم على طريق الإسلام”، الكتاب العلم لسيد قطب؟ في سنة 1953، عيّن كل من سيد قطب وسعيد رمضان لتمثيل الإخوان المسلمين في الاجتماع الأول للمؤتمر الإسلامي العام. قطب هو أيضا صاحب كتيب بعنوان: “كفاحنا ضدّ اليهود”. غير أن الملفت هو أنه وطيلة الـ480 صفحة التي شكّلت رسالته للدكتوراه والمعنونة بـ”في مصادر التجديد الاسلامي. من الأفغاني إلى حسن البنا، قرن من الإصلاح الإسلامي”، لم يتطرّق مطلقا طارق رمضان إلى العداء ضدّ كلّ ما هو يهودي والذي تميّزت به جماعة الإخوان المسلمين. زد على ذلك فإن “النذير، لسان حال جماعة الإخوان، كانت تنشر بصفة منتظمة موضوعا تحت عنوان: “الخطر اليهودي في مصر”، يحوي أسماء وعناوين ممتلكي شركات ومؤسسات يهودية.

في أطروحته للدكتوراه، حاول طارق رمضان أن يصوّر حسن البنا على أنه “غاندي” الإسلام، داعية ينبذ العنف ويصرّ على السلام! قدّمت اللجنة المناقشة استقالتها وعبّرت عن رفضها للضغوطات بل حتى التهديدات التي تعرّضت لها من طرف حفيد حسن البنا لكي توافق على أطروحته. تصرف جعل البروفيسور علي مراد ينتفض ويصرح قائلا: “لم أر في حياتي كلها طالبًا يتصرّف بهذه الطريقة.” في هذه الفترة، كان طارق رمضان يقوم بتعليق ملصقات تدعو إلى انتخاب السوسيولوجي جون زيغلر والمشهور بكتابه الهجائي: (La Suisse lave plus blanc) والذي كان أيضا نائبا برلمانيا اشتراكيا في جنيف. كرد للجميل، قام زيغلر بتهديد الجامعة بأنه سيخطر الصحافة وسيجعل من الأمر فضيحة إن هي لم تمنح “للعربي” شهادته.

وبالفعل نجحت نظرية المؤامرة. ومن أجل تفادي أي صراع، قامت جامعة جنيف بتشكيل لجنة مناقشة ثانية. بالرغم من ذلك استغرقت هذه الأخيرة سنتين كاملتين قبل أن تقبل مناقشة الأطروحة لكن دون أن تمنح للطالب تقدير “مشرف جدا”.

وما خفي أعظم!

في سنة 2014، لم تندهش ماجدة برنوسي (التي كتبت مخططا لم تنشره حول علاقتها بالمفكر الإسلامي والذي حمل عنوان “رحلة في بحر لجيّ مع طارق رمضان”) من رعونة ولا قلة اكتراث طارق رمضان بالدين. بحسبها، لم يكن الدين بالنسبة له إلا استثمارا مربحا. “لم أره ولو مرّة واحدة يصلي. الأكل الحلال؟ ‘حلال أو حرام، الأمر ثانوي جدا’، يجيبني في كل مرّة”..

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

“مولانا” يعيد فتح جراح الجسد العربي

زهور شنوف أخيرًا، وصل فيلم “مولانا”، إلى الجزائر، وعُرض مؤخرًا ضمن “مهرجان وهران الدّولي للفيلم …

1984.. الرّواية التي تنبّأت بما يحدث الآن

الأمين فاروق “1984”.. رواية الإنجليزي جورج أورويل)1903-1950) عادت، مجدداً، إلى الواجهة، ويبدو أنها تعكس أفضل …