الجمعة، 15 ديسمبر 2017

فؤاد ڨاسمي يكتب: قبلة

فؤاد ڨاسمي

على التلفزيون، تتوالى أخبار الكوارث. حروب وموتى وجرحى ولاجؤون وغرقى وانفجارات وأشلاء ودموع وصراخ ونواح..

“خبر عاجل: قطع رأس رهينة أمريكي في سوريا”..

لا يظهر على الأخبار مشهد قطع رأس أحد. يمنعون بثّ مثل هذه المقاطع مُراعاة لأحاسيس المشاهدين المرهفة، عدا ذلك لا شيء فيها يثير اهتمامي حقّا. ليس أنّي أهتم بموت أيّ كان! فقط فعل قطع الرأس.

يثير ذلك فضولي، جدّا!

أجد في مشاهدة وجوه المذبوحين والاستماع إلى أصواتهم وهم يصرخون لحظة قطع الحلق إحساسًا لا أستطيع أن أصفه، لكنّ نبضات قلبي تتسارع، ومعها الأفكار في رأسي. أضع نفسي مكان المذبوح تارة ومكان الذبّاح تارة أخرى. أحيانًا كثيرة أجد نفسي بعد ذلك سارحًا في وجود إله من عدمه.

أتساءل: ما يكون مصير المقتول باسم الله؟ وكيف هي الجنّة في تصوّر القاتل باسمه؟ وهل هي موجودة حقّا؟ ألا يكفي المقتول عذابًا، طريقة قتله البشعة؟ أم أنّ ذنوبه، التي قد لا تتجاوز مضاجعة إحداهنّ أو أحدهم، تستوجب الحرق بالنّار؟

لا يهمنّي حقّا موضوع ما بعد الموت.

أجد من غير المجدي أن أضيّع حياتي في تساؤلات لن أجيب عن أيّ منها، حتّى لو عشت عشر حيوات. لن يجد أحدٌ إجابة قد تريحني، وحده عائد من الموت قد يجيبني عن هكذا أسئلة، ولا أحد يعود من هناك، فلمَ عليَّ إذن التّساؤل!

وحتّى إذا فرضنا أنّ هناك إله حق، خلقنا، لا أظنّه سيكون بالفظاعة التي يصفها الكثيرون.

إن وُجد! وكان علينا مقابلته بعد الموت، الأرجح أنّه سيكون مشغولا بالإجابة عن تساؤلات ملاييرِ ملاييرِ الكائنات.

يسمّونه يوم السّؤال، هو فعلا كذلك. لكن ما صوِّرَ لنا عن ربّ يجلس على كرسيّ يسائل مخلوقاته، يبدو مشهدا مبتذلا بعض الشّيء. وجود إله أمر خارق فعلا، ولا شيء خارقَ في هكذا مشهد، بالعكس؛ هو مشهد يبدي بوضوح سطحية مخيال من ألّفه. تمامًا كما تفعل خيالات الجنّة وأنهار الخمر واللبن، والوعود بالضّلال.

ما هذا الهراء! طبيعي أن يشتهي من يعيش في صحراءٍ بعض الظلّ، لكن ماذا عمّن يعيش على مقربة من قمّة جبل “شليا”؟ الشاوية يتمنّون لو أن نصف العام صيف حتّى يُرحموا من برد شتائهم القارس ووفرة الظلّ وقلّة الشمس في بلادهم، أيستثنون من تلك الوعود إذن؟ أم أنّ عليهم أن يتحمّلوا تبعات إيمانهم بإله خاط وعوده للمؤمنين به، على مقاس سكان الرّبع الخالي؟

مع كلّ ذلك!…

إذا كان هناك إله، ويوم حساب، فالأحرى أن تسير الأسئلة في الاتجاه الآخر: من المخلوق إلى الخالق، فملايير البشر، على الأقل، أمضوا حيواتهم يتساءلون دون طائل. وإن كان هذا الإله عادلا، فسيكون لبقًا بما يكفي ليجيب عن أسئلتهم، عند أول لقاء. عن نفسي، سأكتفي بسؤال واحد: عزيزي الله، لماذا خلقتني؟ سأكون راضيًا بعد الحصول على إجابة، بأيّ قرار يتّخذه بشأني.

جوابه سيكون على الأرجح، أنّه ليس ذنبه؛ فأبي لم يستطع أن يملك نفسه، أمام رائحة شعر أمّي، الذي أمضت يوما كاملا تعطّره بين روائح التوابل والعجائن والبخّار في المطبخ، وملمس بشرتها التي أمضت على الأرجح نصف يومِها تعتني بها باستعمال مساحيق غسيل الملابس والأواني، وأنوثتها الطّاغية التي سيطرت على الغرفة تحت ظلام الغرفة الدّامس في غياب الكهرباء ليلا. فـ… أنتجني.

هذا سيكون جوابه، أجزم! ولن أكون مسرورًا بهكذا جواب.

وحتّى إن لم يجب عن سؤالي هذا، ماذا عن أسئلة بقية الملايير؟ لماذا خلق كلّ واحد منها؟

لماذا خلق الأعمى أعمى، ولماذا خلق المعاق معاقًا، ولماذا ولد منهم من له ثلاثة أقدام، ومن لا عمود فقري له، ومن ولد بقرنين، ومن لا لسان ولا أسنان له، ومن لا عينين له، ومن لا قضيب له، ولماذا خُلق رجال في أجساد نساء، ونساء في أجساد رجال؟.. آه! النّساءّ ستكنّ أكثر البشر سخطًا يومها. كثيرات جدّا في هذا العالم، ممن تعشن وتمتن تحت وطأة خصيتيّ ولد. لا سلطة له ولا قوة، سوى أنّ له خصيتين، منحه معهما “الإله” الّذي اتّفق أن يكون ذكرا يحابي الذّكور. ستجدن أنّه يواصل محاباة أبناء جنسه في الجنّة، فحور العين، في خدمة الرّجال، تمامًا كما كنّ هنّ في حيواتهنّ.

لا يمكن لأحد أن يتخيّل ردّة فعل النسويات منهنّ يومها. ستجدن قاعدة شعبية مهولة حينها، ولن تستقرّ الأمور أبدا.

أظنّني سأستمتع بمشاهدة ما يمكن أن يحصل يومها. وإذا كان محكومًا عليّ بأن أعيش حياةً مملّة، على الأقل، سأحظى ببعض الفرجة بعد الموت، سيكون ذلك مرضيّا لي، حتّى إن لم يجَب عن سؤالي ذاك!

“ما عندهمش ڤلوب .. دين الرّب وش هاذ les monstres”.. قطعت حبل أفكاري، وهي تتذمّر، بينما تُعرض مشاهد من تسجيل منزلي لعائلة الأمريكي المذبوح: زوجة جميلة، وفتاة ظريفة، وفتى يبدوا غليظا وسمجا.

كانت الدّموع تملأ عينيها وهي تنظر بحرقة إلى التلفزيون، كأن المذبوح حبيبها، أو قريب لها، أو على الأقل تعرفه. أردت، لوهلة، أن احضنها لأهوّن عليها اللحظة، لكنّ ضحكة صاخبة من حالها ألحّت علي.. ستصفعني بكلّ قوّتها، حتما، إن ضحكت، لذلك كتمتها بكلّ قوّتي.

غالبا ما تعتريني رغبة عارمة بالضّحك في مواقفَ، يرى أغلب الناس أنّها حزينة أو جدّية. لا أدري لم تضحكني هكذا مواقف، ربّما هي المفارقة التي لا يراها الكثيرون.

من المضحكِ يا عزيزتي “كنزة” أن تمتلئ عيونكِ دموعًا وأنت تشاهدين عائلته الظريفة. بينما لن يتوانى هذا الأمريكي، المذبوح نفسه، لو أنّه كان هنا في “دزاير” يسعى وراء ثرواتها، عن اغتصابك ثم تفجيرك إذا وقفتِ في طريقه، أو ربّما فقط لأنّه أراد فعل ذلك.

لن تمنعه لا إنسانيّتك ولا علمانيتك ولا حقوقيتك ولا أمازيغيتك ولا نسويتك من تسوية بلادك الجميلة وشعوبها بالأرض للحصول على ما يضمن استمرار وجود دولته. لا أقول أنّه يستحقّ ما حدثَ له، كإنسان، لكنّي فقط أجد التّعاطف “الإنساني” مع أدوات الحرب التي تستعملها الدّول لضمان وجودها، كأخينا الأمريكيّ هذا، مثارا للسخرية والضحك والشفقة معا. لو تعلم ما يجول بخاطري، ستبصق على وجهي وتلعنني وتطردني شرّ طردة!

لحسن الحظّ أنها لا تقرأ الأفكار..

كالعادة، أجلس قريبا منها. لكنْ، على مسافة توحي باحترامي لـ”مساحتها الخاصّة” وتعبّر عن تفويتي – المتعمّد – لفرصة احتضانها وتقبيلها ولمسها والالتصاق بها، كما أشتهي. لكنّها كما تفعل منذ انتقلت للعيش معها، تصرّ أنّ جلوسنا على الأريكة دون التصاق جسدينا ببعضهما لا طائل منه، “خاصّة في شتاء كهذا” تقول، ترى أنّ ذلك طقس لابدّ منه.

دون أن تشيح نظرها عن شاشة التلفزيون أين يتقاتل أسلاف الـ”بونوبو”، تقترب منّي، تلتصق بي، تحمل ذراعي، تلفّه حول رقبتها، وهي تبتسم، تتوشّح لحافها البنفسجي ذي الدببة السّخيف، وتنكمش بجانبي واضعة قدميها تحتها.

ببطء ضيّقتُ خناق ذراعي على رقبتها، وجذبتها نحوي بينما أحدّق في السّقف حتّى لا أرى عينيها الباكيتين. دون مقاومة حشرت ذراعها بين ظهري والأريكة، ولفّت ذراعها الآخر حول خصري واضعة رأسها على صدري وقد انفجرت تشهق باكية.

لا أجدُ ما أقول أو أفعل في هكذا مواقف، عدا لفّ ذراعيّ حولها والتّنفس بعمق بينما تطلق هي سراح نفَس مكبوت تنفجر معه دموعها السّاخنة.. لو كان غير كنزة من تأثر بهذه الطريقة لمشهد كهذا، لاتّهمته بالتّصنّع والزّيف.

لكنّها، ليست أبدًا مزيّفة. لم أعرف في سنين حياتي الثلاثين أصدق ولا أكثر عفوية وبساطة، ورِقة قلب من “كنزة”. صدقها كان ما جذبني إليها أوّل مرّة.

“تشفاي نهار تقابضتي نتي وهاذيك “المُوسْلِيپَة”؟ كي تلمُّو جْماعة المنظمات ڤدام الباب تاع الـdépartement باه يحبسو Miss Aurès؟ .. هذاك النهار ما فهمت لا نتلاح نفكّها منك، ولا نحوّس على الما نغسل قشي مْلْقهوة لي ساحت عليه tellement طرطڤت بالضّحك”..

كانت قد هدأت، وتباطأت أنفاسها عندما باغتتها بسؤالي. لكنها لم تحرّك ساكنا، فقط أطلقت نفسا مضطربا تكتم ضحكة ما، صمتت برهة أخرى، ثم انتصبت وقد انفجرت ضاحكةً.. لطالما أحببت أن أجعلها تضحك، لا أدري لماذا، لكنَّ أيّ شيء أفعله بصبح ذا طعم عندما أرى ابتسامة على شفتيها، كنت أنا سببها.

وقد انتهت نوبة المشاعر الإنسانية الجيّاشة، ومرّت سحابة الكآبة العابرة التي سببها الأمريكي المذبوح، انتصبت جالسة ورفعت عنّي ثقل جسدها الهزيل. أسرعتُ إلى التلفزيون، أطفأته، ووقفت حائلا بينها وبينه:

  • نتي لربّي ڤوليلي؛ وش ڤلتيلها هاذيك النهار حتّى تلاحت عليك هكاك تڤول باغية تاكلك بسنّيها!
  • قاتلي: بغيتي تردّينا كامل قحاب؟ أقحبي نتي مع الرعيان تاع الملحدين تاعك برك بزايد. ماشي تنيكيلنا الجاميعا!.. ڤتّلها: أنا تبانلي القحبة ماشي لي تخرجها طاي طاي، القحبة هي اللي تبات تصلّي صلاة التهجّد فالبيرو تاع المنظمة مع تْلاث رجال، باه تعيط مليح: “غزّة! غزّة!”.. غدوة منذاك فالمسيرة.. قوليلي: صلّاو معاك بالدالة ولا في ثلاثة مع بعضاهم!.. كي جبدتلها المخبي ڤدام صحاباتها المؤمنات طلعلها الزّبل، تلاحت عليّا..

بينما تتنحّى عنّي، تمسح في كمّ قميصها دموعها المنهمرة ضحكًا صاخبًا بعد البكاء، حتّى أجلس بجانبها. راحت تروي ما دار يومها، تلمع، كيوم وجدتني أمام نافورة القسم، عيناها المملوءتان بالدّمع. منهمكة في رواية قصّتها والضّحك بأعلى صوت..

بينما تتحدّث عما حصل يومها، دون توقّف، جعلت أحدّق في عينيها. لا أحبّ أن أقاطعها وهي مستغرقة في الحديث، أحبّ أن أشاهدها تتكلّم وأتظاهر بالاستماع إليها، محدّقا عميقا في عينيها، لكنّي أحبّ كذلك إغاظتها بتعليق ساخر، بين الحين والآخر، يجعلها تنتفض وتلكمني في ذراعي أو تدفعني وهي تشتم أو شيء من هذا القبيل.

  • …مِي كي كمل الديفيلي عطاوك البنات تاع المنظمة طريحة تاع الكْفَرْ!

ارتفع فجأة حاجباها! خفضَت أحدهما وأبقت على الآخر وقد صرّت على أسنانها وقبضت في غيض على صدر قميصي بيد، رافعة قبضتها الأخرى، وقد سحبتني إليها:

  • آه يا عطّاي، باغي نِّحيلك باباك الدّاب هنا ضركا ولا كيفاش؟

لم أقل، ولم أفعل شيئا.. فجأة! توقّف الوقت. ووجدتُ، دون سابق إنذار، أنفي على رُفعِ شعرةٍ من أنفها، وسمكَ شفةٍ فقط يفصل شفاهنا، وقد اقتربَت حتّى رأيت الدموع الباقية بعينيها ترتعش وهي تخضّني مهددة. فجأة أصبحت عاجزا عن الاستمرار في خداعها أكثر.. ورأت، كم أرغب بها.

نبضات قلبي المتسارعة كانت أصخب من ألّا تُسمع.

ح.م

أفكارٌ متشابكة متضادّة متناحرة جعلت تتطاير داخل ذهني في ألف اتّجاه مختلف، يقتل بعضها بعضا، فتولد منها أخرى. أردت أن أتأكّد من أنّها منجذبة إليّ، وأنّها تريدني، كما أريدها. تحت ضغط تلك اللحظة، وعشرات الذّكريات والفرص الضّائعة التي أيقنت خلالها أنّي لن ألمسها، وأنها لا تريدني، وآلاف الاحتمالات المتناقضة عمّا سيحصل بعد ما سأفعل؟ ومئات الآلاف من الأصوات الصاخبة المتضاربة داخلي تحثّني وتثنيني وتحذّرني وتشجّعني في آن معا.

أحسست كأنّ عليّ أن أفكّر، وأتّخذ القرار وأنفّذه، أسرع من رصاصة تخرج من ماسورة رشّاش موضوعة برأسي. كأنّ بداخل رأسي قطبي مغناطيس متماثلين يحاول أحدهم أن يجمعهما..

أحسست برغبة ملحّة في ابتلاع ريقي، وأخذ نفس عميق جدّا، وقول شيء ما، أيّ شيء. فقط حتّى أتأكّد من أنّي لم أفقد القدرة على النّطق.

أردتُ أن أنزل بعينيّ إلى شفاهها، وأختلس النّظر إلى صدرها المتحرّر من سطوة الحمّالات تحت قميصها الحريري الخفيف.

كانت شهيّة، كدخان سيجارة يغمر رئتيّ مدخّن بعد يوم صيام طويل.

كمن يعاني حكّة متزايدة في مكان حسّاس، يعجز عن هرشها أمام حشدٍ غفير يشاهده عن كثب، يعلم أنّه سيحسّ براحة لا مثيل لها إن فعل، لكنّه يدركُ أنّ آلاف الأعين مُسلّطة عليه، لذلك لا يستطيع. تمامًا هكذا أردتُ أن أقبّلها، أن أكسر ذلك الجدار الواقف بيننا، بسمكِ جبل، وألتقم شفتها السّفلى الممتلئة، التي تدلّت كعنقود عنب نضج ممتلئ. أردت أن آخذها في ذراعيّ وأحضنها بكلّ قوّة، أن أقبّلها، وأضاجعها بعنف، وأحميها، وأحقّق كلّ أمانيها، وآخذها معي إلى كلّ مكان في آن معا.

لكنّها هنا، على بعد أو قرب حركة أو كلمة. حركة أو كلمة واحدة قد تصعقها وتغلق عينيها وتدفعها إلى حضني. أو تفجّر بيننا قنبلة تقذف كلّا منّا في اتّجاه مختلف بأقصى قوّة.

دون أن تقول شيئا، ابتلعت ببطء ريقها وأطلقَت العنان لنفَس متوتّر يكاد يكون متقطّعا لشدّة اضطرابها.

ما أجمل عينيها من هذا القرب. كان ولا يزال لبريق عينيها حين تلتقي عينيَّ فعل بخورٍ على جنّي، يستحضره إلى عالم لا ينتمي إليه، ويمنعه من الانصراف. لكنّ الجنّي خرافة، وفعل البخور كذبة، وأنا وهي وعيناها تأسرانني هنا، الآن، حقيقة واحدة.

لم يطل إيقافنا لحركة الكرة الأرضيّة أكثر من ثوانٍ، قد أحاول أن أسردَ ما أحسست خلالها لساعات دون طائل.

في لحظات بعينها أحسّ أنّ هناكَ حقًّا إلها لهذا الكون.

في تلك اللحظة بالذّات، وهي تشيح نظرها عن عينيّ المتشبّثتين بعينيها البنيّتين الواسعتين المفتوحتين على مصراعيهما كأنّما تدعوانني للاطّلاع على روحها، تهوي بهما إلى شفتيّ، أحسست بوجوده؛ إله خلق الكون ربّما وكلّ ما فيه، يتحكّم بجميع ذرّاته ويدركُ كلّ ما يحدث فيه، ويسيّر بعلم لا يحدّ وإدراك لا ينقطع وإرادة لا تضعف كلّ حوادثه.

كانت على وشكِ أن تقول أو تفعل شيئا ما. قرّرت لحظتها أن أُقبّلها، لكنّي أرجأت ذلك حتّى أرى ما تفعل، بعد ذلك سأقبّلها. سأفعل، ولتتهاوى الأعمدة التي ترفع السّماء، وتجفّ المياه في منابعها، ويحترق الأكسجين في الهواء.. سأقبلها، وليخرب الكون ويذهب إلى الجحيم.. سأقبّلها ولن أبالي.

فجأة، انتفضَت إلى الخلف، فتحت عينيها وفاها واضعة يدها عليه، وقد أحسست بثقل غريب ينزل على رقبتي، ووخز حادّ جدّا على كتفي، حتّى كدت أصرخ. إنّه ذلك الكائن القذر الخبيث ابن الاغتصاب الجماعي على أسطح المنازل المجاورة، كرة الشعر النتنة التي تمضي يومها تتسكع بين الأزقة، على ظهري، روح الشرّ المتجسدّة في خضرة عينيه المصفرّة وسواد شعره، يغرز أظافره في كتفي.

إنّه “قَاسَا” اللعين! قطّها المتعجرف المغرور ابن الكلب!

أقسم أنّ هذا القطّ ابن العاهرة يدرك جيّدا ما كنّا على وشك أن نفعل، وأنّه قفز على ظهري لأنه يعلم ويعي ويقصد جيّدا ما يفعل. وأقسم أنّه يغار عليها منّي! كيف لا يغار وهو يعتبرها ملكا له.. كم أكره القطط اللعينة!

وقد ارتسمت على شفاهها الممتلئة ابتسامة حاولت بحياء إخفائها، عدّلت ملابسها، وسوّت شعرها خلف أذنيها، وهرعت هاربة إلى المطبخ متحجّجة بجلب شيء ما. بينما قبع القطّ الأحمق على كتفيّ وقد أطلق العنان لصوت ارتياح عميق، كأنّما يعلمني بأنّه بفضّ اشتباكنا قد حقّق غاية في نفسه.

أردتُ بشدّة أن أمدّ يدي إليه، وأهوي به على الأرض وأخنقه حتّى ينقطع عنه النّفس، بينما أصرخ.

لكنّي علمت أنّه سيصدر صوتا ما، وأنّها لن تطيل الغياب. هي تحتاج فقط إلى لحظات تواجه فيها الجدار، تأخذ نفسا عميقا، ثم تهمس محدّثة نفسها بأنّ عليها التروّي والتّعامل بطريقة طبيعية معي، ومع ما حدث.

وقد أدرت رأسي إلى “قاسا” اللعين، أحدّثني بما يمكن أن أفعل به، لو لم تكن تحبّه، عادت.

دخلت من باب الصّالون وقد بسطت كفّ يدها على بطنها وأخرت ذراعها الأخرى، واتّسعت عيناها، كأنما تريد أن تقول شيئا ما. وهيّ تقلّص – وقد ارتدت حذاءها ذي الكعب العالي جدّا – المسافة بيننا، اهتزّ مع تنورتها القصيرة ثدياها المنتصبان تحت ذلك القميص اللعين، وقد امتطت شفتيها ابتسامة لا يمكن أن توصف بغير “الخبث”، رغم أنّها لا يمكن أبدا أن توصف بالخبث.

مشهد آخر من مشاهد الإيروتيكا العفيفة، التي تخسر الإنسانيّة كثيرا جدًّا بتفويتها..

وأنا أتحسّس جيب سروالي أبحث عن علبة السّجائر، أمنّي نفسي بما سيغمر أنفي من عطرٍ، مع جلوسها، يهدّئ باختلاطه مع رائحة السجائر، معدتي المضطربة لهول الموقف، وسخطي على “قاسا”.. رنّ جرس الباب اللعين!

نعم، قد يكون لهذا الكون إله، خلقه، وكلّ ما فيه، يدركه ويسيره. في هذه اللحظات بعينها، أكاد أكون متأكدًا من وجوده.

قد يكون هو من خلقني، وخلق كنزة، وسيّر حيواتنا كلّها، وخلق قاسا اللعين خلال ذلك وأوقعه رضيعا خائفا في طريق عودتها من العمل، وخلق داقّ الجرس اللعين أيّا كان، فقط حتّى تؤول اللحظة إلى ما آلت إليه. ويضحك حتّى يكاد يقع من على عرشه، وقد أطلق ضحكة صاخبة ترجّ أرجاء الكون، وهو يُشاهد ويرى ويدرك ما أصابني حينها.

(مقطع من رواية قيد الكتابة)

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

ضيف حمزة ضيف يكتب: يا علي..

كان علياً شاباً جميلاً، لا يحكمُ القبضة على ابتسامته، يضحك ويتكلّم في الوقت نفسه، لم …

“تركت رأسي أعلى الشّجرة” في ضوء النّقد الثّقافي.. الهجنة والنصّ الوسيط والعدمية الشّعرية (ج1)

قلولي بن ساعد تتكئ مشروعية الكتابة الشّعرية عند الشّاعر الجزائري عبد الله الهامل، من خلال …