الجمعة، 15 ديسمبر 2017

“تركت رأسي أعلى الشّجرة” في ضوء النّقد الثّقافي.. الهجنة والنصّ الوسيط والعدمية الشّعرية (ج2)

بن ساعد قلولي

النصّ الوسيط والجملة الثقافية والميتا – أدب

النصّ، في منظور النّقد الثقافي، ظاهرة ثقافية “تعمل بوصفها أفعالا للسان في بعض الأوضاع الاجتماعية وأن هذه الأوضاع محددة تاريخيا وثقافيا”(19).

لكن، عندما يتعلّق الأمر بالنصّ الإبداعي والنصّ الإبداعي الوسيط، المُعادل الموضوعي لما سماه المفكر اللبناني علي حرب في كتابه “أوهام النخبة أو نقد المثقف العربي” ﺑ”المثقف الوسيط”.

كما سنُحاول إستخراج بعض علاماته  من باطن بعض نصوص المجموعة الشعرية “تركت رأسي أعلى الشجرة ” للشاعر عبد الله الهامل، الذي تحضر فيه ثقافة الشّاعر، من خلال الإحالة الثقافية لبعض الأجواء النّصية لرموز فكرية في الرواية والشعر والفلسفة، فنقرأ في هذه النصوص حوارا شعريا يتجاور فيه هولدرلين ونيتشة وكامو ورامبو وسركون بولص وإدغار آلان بو، بشكل هو أقرب إلى الإستدعاء الشّعري منه إلى القراءة العائمة، ليشكّل النصّ الحاضر نص عبد الله الهامل وسيطًا بين ثقافتين أو أكثر كما لو أن الشاعر يدعوا أو يؤسس لشعرية جديدة، هي شعرية ما بعد الإنسان تناغما مع مذهب جديد في الفلسفة هو فلسفة ما بعد الإنسان أو ما يسميه الباحث الجزائري عبد الغني بارة “الكائن الوسيط الذي يلغي ذاته وكينونته داعيا إلى الحوار والتواصل”(20)، وهو الكائن الذي كانت ترى الباحثة التونسية الدكتورة عائشة الخضيري بأنه الكائن “كمشروح مفتوح يطمح إلى الإكتمال”(21)، فتنبجس شعرية النصّ الوسيط من هذه الولادة، ولادة النص الوسيط الذي يترواح بين السردي والشعري كما في الأمثلة التالية:

المثال الأول:

التقيت هولدرلين في حالة جذب يرقص ويصرخ

يرفع يدا ورجلا

وجهه بلحية كثّة وشعر رأسه يتطاير مع الريح…

وقفت أمامه طويلا حتى انتبه لوجودي..

توقف واقترب منّي بحذر

كما لو كان يخبرني سرًا قال:

ارفعها جيدا

جيدا

ثم…ثم… أركلها بقوة…

مثّل الحركة بقدمه اليمنى

وانطلق هاربا. (22)

المثال الثّاني:

زارني أمس إدغار آلان بو في المنام

وغراب أعور على كتفه

لم ينبس بكلمة

نظر إلي مليا ثم إلى الغراب…

بعد مدّة انفجرا ضاحكين مثلما في مسرحية هزلية…

وولّى الأدبار..(23)

المثال الثّالث:

القصيدة بردانة في رأسي

سأحتطب لها من غابة هايدغر

وأشعل حطب الحروف والأصوات…(24).

وفي كلّ هذه النّماذج وغيرها من النّصوص الشعرية، النصوص الوسيطة، كان عبد الله الهامل حريصا كلّ الحرص على تقديم هذه الحوارية الثقافية، في مقاطع وجمل شعرية أعطاها الغذامي مفهوما جديد هو الجملة الثقافية “بماهي تعبير عن هذه الحوارية ” المقابل النوعي للجملتين النحوية والأدبية “(25).

وعليه فإننا نقف على جمل كثيرة لا يركز فيها الشّاعر على قوة البلاغة لأن الأمر لا يتعلق بالجملة النحوية أو الإسلوبية، بل يتعلق بجملة أخرى هي الجملة الثقافية ولأجل هذا فهو يتجاوز ذلك إلى نسقية الجملة ممررًا عبرها الدلالة الثقافية المرسخة لمنظورية الكتابة الإبداعية لديه، كتجلٍ للنصّ الذي يقدمه وهو النص الوسيط كنص ثقافي تتأسّس عليه فلسفة عبد الله الهامل في الكتابة الشعرية كما ارتسمت في مخياله، وكما عبر عنها في النّماذج التالية:

النموذج الأول

غضب الشّاعر

رمى غيمة لا تمطر بحجر

وركل بضع قصائد موزونة من بحر الرمل. (26).

 النّموذج الثّاني

في قصيدة لـ”سركون بولص”

سنابك خيل وهنود حمر، والرّجل الأبيض بمسدسه يرهب شجر الصبار

والغربان –

حتى الريشة فوق رأس الهندي ارتجفت –

قصيدة “سركون بولص”، تفقّدت جثة شاعرها، باردة على مقعد في مدينة أوربية. كان الشّاعر قد مات بعينين مفتوحتين. أغمضت القصيدة عينيه وتمدّدت قربه دون حراكٍ ونامت. (27).

النّموذج الثّالث

بعد كل هذه السنوات

لم أشف منك

حتى أني أذكرك آناء الليل

وأطراف النهار

ذاك أن الذي حدث كلّ هذه السنوات لم يكن سوى إعادة لقصيدة قسطنطين كافافيس الخالدة (في انتظار البرابرة) (28).

وهي نصوص تحتاج إلى نوع من القراءة البعدية، قراءة لا تكتفي بقراءة النص الإبداعي عند عبد الله الهامل بمعزل عن “النصوص الغائبة” بتعبير كريستيفا أو “النصوص المرجعية” التي يتعامل معها عبد الله الهامل بنوع من  الإمتصاص” الذي ذكرته جوليا كريستيفا في كتابها “علم النص”، فتتراءى للقارئ بعيدة، لكن لا بدّ من العودة إليها لربط النص الحاضر وهو نص عبد الله الهامل “بالنص الغائب” أو “النص المرجعي” لتفكيك الدلالة الثقافية القائمة في صلب الحوارية الثقافية التي يقيمها عبد الله الهامل في نصّ هو النص الذي نقرأه الآن بعد أن أن نعود إلى البحث في ذاكرة النص عن تلك “الإسترادات العالمة”، بوصفها تمثل نوعا من الحوارية الثقافية كتجلٍ لمفهوم شيد الشيوع والإنتشار عند جبرارجينيت هو “الميتا – أدب ” أو لقاء الأدب بالأدب.

غلاف المجموعة الشّعرية

شرح العدم والعدمية الشّعرية/ النّقصان نسق مضاد لأنساق إكتمال المعنى

من المعروف أن النّقد الثقافي ليس من وظائفه أبدًا التعرّض للحيل الأسلوبية والبلاغية في النصّ أو الكشف عنها إن لم نقل أن النقد الثقافي قام، في أسسه، الأولى على فعل التقويض لمركزية الدرس البلاغي، الذي كرّس الكثير من العيوب النسقية تحت غطاء الجمالية.

كان الشعر مثلما يقول الغذامي “وما يزال هو الفاعل الأخطر في تكوين النّسق أوّلا وفي ديمومته ثانيا”(29). وعندما يلاحظ القارئ تسربل نصوص عبد الله الهامل بخاصية السّخرية أو اللغة الساخرة كظاهرة أسلوبية فهذا يطرح على النّاقد الثقافي تساؤلا وجيها ويضعه في مأزق مفهومي وإجرائي، غير أن القراءة المتأنية المضافة إلى سخرية العالم مثلما قالت جوليا كريستيفا “هناك سخرية بالإضافة إلى سخرية العالم وهي القصيدة بوصفها موتا وإيقاعا ومستقبلا” وهي سخرية فائقة تمتزج عنده بالنفس العدمي والفعل التأملي خاصة وأن الشاعر يعلن بوضوح عن هذه العدمية الشعرية، التي تؤدي فعلها الإبداعي في نصوص التّشظي والكينونة، بما يعبّر عن حسّ التناهي الذي يعبر عنه في نصّ هو أشبه بالسيرة الشعرية، مع أنه يعلن أنها سيرة ناقصة النقصان الماثل في المعادل الصيروري للبناء الثقافي التشاركي.

وباللغة نفسها يستطيع عبد الله الهامل أن يستميل القارئ في الدخول إلى عوالمه الشعرية، من باب النقصان ذاته كنسق ثقافي مُضاد لأنساق إكتمال المعنى.

المعنى الذي لم يكتمل مطلقا في التّاريخ البشري. هكذا يأتي نص “سيرة ناقصة / محاولة شرح العدم” ليضاعف من مفعول لعبة الأنساق والأنساق المضادة أو المضمرة بتعبير إدوارد سعيد، ورغم أن الشرح يطول إذ صدقنا أن عبد الله الهامل قد أنهى رسم كلّ أحلامه قبل سنوات عديدة ولم يحقق منها شيئا وإلا فما كان هناك داع لشرح العدم.

“أشرح العدم أيضأ

في طاعون ألبير كامي الذي يتساطر مثل عرق خبيث في المجاري والأقبية الرطبة التي سدت مداخلها بالإسمنت المسلح لمنع تكاثر الإرهاب…

أشرح العدم

المطل من عيني طفل أفريقي لاجىء

لا اسم له ولا رقم في سجلات الحالة المدنية

ولد في الطريق

وكبر في الطريق

وسيموت في الطريق..

..إلى العدم.” (30).

 خاتمة

لقد أردنا تقديم قراءة من ضمن قراءات عديدة في منجز شعري جزائري، هو”تركت رأسي أعلى الشجرة ” للشاعر عبد الله الهامل. رأينا أنه يحمل في أنساقه الداخلية بذورا قابلة للقراءة النقدية، من منظور النقد الثقافي وهذا لا يعني طبعا أننا استنفذنا كلّ أسئلة القراءة الثقافية التي ستبقى مفتوحة أمام العقل النقدي البصير بالأسئلة التي يبلورها النقد الثقافي عند قراءة هذه النصوص الشهية، بل يمكن أيضا للنقد الأدبي النصوصي أن يرى غير ذلك عندما يختار زوايا أخرى، للنّظر النقدي، فالنقد الثقافي لا يتجاهل إمكانات النقد الأدبي النصوصي في الكشف عن بنيات النصّ الجمالية والفنية واللغوية والدلالية ولكنه يرى أنها “سيرة ناقصة”، فالنص الإبداعي عموما هو بنية ونسق وليس مجرد بنية فقط مما لا يمكن استنفاد كلّ أسئلة القراءة المفتوحة أمام رياح العقل البشري في إستنباط الدلالة الثقافية من باطن النصوص الإبداعية الجديرة بالتناول النقدي، من منظور النقد الثقافي الذي زال النص الإبداعي الجزائري والعربي عموما بعيدًا عنه.

بل وهناك من يتهيب مما أبداه بعض النقاد من الدعوة إلى تمكين النقد الثقافي و”تبيئة” بعض مفهوماته والأسئلة التي يحاول إثارتها بدعوى أنه يساوي بين جميع النصوص من حيث كونه لا يقول لنا ما إذا كان هذا النص جميلا أم رديئا من الناحية البلاغية طبعا، على إعتبار أن النقد الثقافي ليس من وظائفه أبدًا التعرّض للحيل الأسلوبية والبلاغية في النصّ أو الكشف عنها كما أشرنا قبل قليل وهي دعوى باطلة بل وتخفي وراءها توجسا رهيبا من النقد الثقافي الكفيل بتعرية الثقافة العربية والنص الإبداعي كتجل لهذه الثقافة من الأنساق الثقافية المهيمنة تحت غطاء الجمالية والحيل الأسلوبية والزخارف اللفظية بما تهيل عليه ما يسميه محمد عبد الله الغذامي “بحكومة البلاغة” بعض الشرعية الأدبية والتاريخية  لكنها أيضا “تنطوي على عيوب نسقية خطيرة جدا كانت السبب وراء عيوب الشخصية العربية ذاتها”(31).

هذا ما جعلنا نوجّه جهودنا نحو إختبار قدرة النقد الثقافي بأدواته الإجرائية والمفهومية كما أسس لها النقاد الرواد على غرار الغذامي وإدوارد سعيد وعبد الله إبراهيم وغيرهم على تناول النص الإبداعي الجزائري من منظور النقد الثقافي، ومنه هذه المعالجة لمجموعة عبد الله الهامل الشعرية، التي لا نحسب سوى أنها جزء من مشروع لا زال في بدايته ويحتاج منا إلى بعض التفرّغ لمضاعفة الجهد، خدمة للنقد وللنص الإبداعي الجزائري في صلته بالكتابة النقدية التي لا يستقيم وجهها الآخر دون نص يكون موضوع التحليل النقدي بصرف النظر عن هوية الجنس الأدبي الذي ينتمي إليه وعن الهوية الجندرية لمنتج النص، لتجلية مسارب الضوء في الكتابة الإبداعية وما أكثرها.

إحالات ومصادر

(19) النص بناء ووظائف مدخل أولي إلى علم النص – تون أفان ديك – ضمن كتاب جماعي العلاماتية وعلم النص – ص 186، ترجمة وإعداد منذر عياشي منشورات المركز الثقافي العربي – بيروت/ الدارالبيضاء، الطبعة الأولى 2004.

(20) تحوّلات النظرية النقدية المعاصرة/ مقاربة تفكيكية في ثقافة التجاوز وعولمة المفاهيم – مرجع مذكور–، ص 226.

(21) مابعد الإنسان – عائشة الخضيري، ص 31، ضمن كتاب جماعي خطاب اﻟ(مابعد) في استنفاذ أو تعديل المشروعات الفلسفية، إشراف وتقديم الدكتور علي عبود المحمداوي، منشورات الاختلاف وضفاف والرابطة العربية للفلسفة 2013.

(22) تركت رأسي أعلى الشّجرة، مصدر مذكور، ص 35.

(23) تركت رأسي أعلى الشّجرة، مصدر مذكور، ص 37.

(24) تركت رأسي أعلى الشّجرة، مصدر مذكور، ص 155.

(25) النّقد الثّقافي قراءة في الأنساق الثقافية العربية – عبد الله الغذامي، مصدر مذكور، ص 73.

(26) تركت رأسي أعلى الشّجرة، مصدر مذكور، ص 153/154.

(27) تركت رأسي أعلى الشّجرة، مصدر مذكور، ص 35.

(28) تركت رأسي أعلى الشّجرة، مصدر مذكور، ص 22

(29) النّقد الثقافي قراءة في الأنساق الثقافية العربية – عبد الله الغذامي – مصدر مذكور، ص 93.

(30) تركت رأسي أعلى الشّجرة، مصدر مذكور، ص 87.

(31) النقد الثقافي قراءة في الأنساق الثقافية العربية – عبد الله الغذامي – مصدر مذكور، ص 93.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

ضيف حمزة ضيف يكتب: يا علي..

كان علياً شاباً جميلاً، لا يحكمُ القبضة على ابتسامته، يضحك ويتكلّم في الوقت نفسه، لم …

“تركت رأسي أعلى الشّجرة” في ضوء النّقد الثّقافي.. الهجنة والنصّ الوسيط والعدمية الشّعرية (ج1)

قلولي بن ساعد تتكئ مشروعية الكتابة الشّعرية عند الشّاعر الجزائري عبد الله الهامل، من خلال …