الجمعة، 15 ديسمبر 2017

سنوات الضّوء والثّقافة والمحبّة.. سيرة غير كاملة (4)

عبد الوهاب معوشي

كنت أرى في إبراهيم ميهوبي سعدي هذا المنحنى الغريب والتوّجه الشاذّ نحو “أسلمة” يُحاربها الأدب.

كما إن التّيارات الإسلامية – عن بكرة أبيها – يقلقها الأدب بوصفه ميزانا للنّزق، أو ساحة لألاعيب المعنى، وأرضا لإجراء تمارين بسيطة على الإباحية أو مخاطبة الأنثى أو الله أو الملائكة أو الشياطين بطريقة لا تليق.

كنا نُحاجج ونتحاجج بأسلوب سفسطائي، لا يوجد أدب إسلامي لأنه لا يوجد أدب مسيحي أو أدب يهودي أو أدب بوذي، لكنه لا يوجد فعلاً، واليوم في عصر ما بعد الحداثة يوجد كلّ شيء، حتى الأدب المؤمن الملحد، والملحد المؤمن..

كلّ أدب يحمل في بواطنه جمالياته الفذّة، فضلاً عن سقطاته الأليفة وانهياراته الفنية اللا متوقّعة…

ولما كانت صحّة المقولات تنبئ مسبقا بصحة الطريق، نتذكّر أن الموت التراجيدي لميهوبي – حسب شهادة أحد رفقائه –: رُمي في بئر.. وهي الشّهادة التي نقلها الصّحافي النّشط هابت حناشي، سببه ليس الأدب أو الشعر أو عشق الصوفية والأنثى، فقد كان يهوى امرأه ليس لها عنوان هم من سيردون ميهوبي قتيلا.

قيل قتلة تشبه قتلة عثمان بن عثمان، فمن غرف من معين الصوفية وزار قبر محي الدين بن عربي، وتردّد على الشيخ الطاهر بدوي في القبة ورثى المناضلة الشهيدة الشيوعية اللبنانية سناء مجيدلي..

في قصيدته التي نشرها في جريدة أضواء عن “الزمن العربي الرديء”، وهي الجملة التي كانت تمرّ لازمة في الأدب الدرويشي المقام، من نصح بقراءة حسين مروّة، من أحبّ في لبنان شعراءها الجنوبيين من كتب أدب المقالة الفكاهي عن مايكل جاكسون والمايكليين لا تعدم فيه الحياة أو تنتبذ به لذّة العيش في المكان القصيٌ أو تختاره عدوًا لها فتقذفه..

عندما كان سعدي يكتب نصوصه كانت معه أقلام كثيرة تكتب وآنذاك هذه الأقلام كانت تعد كبيرة وذات شأن، سعد الله أبو القاسم وأحيانا خالد، أحمد بن نعمان، قسوم، عثمان سعدي، عبد المجيد مزيان، شريط، السائحي الصغير والكبير، وأبي القاسم وسليم قلالة، والطاهر رحاب، ناهيك عن شعراء بارزين كعز الدين ميهوبي ولخضر فلوس والغماري وسليمان جوادي..

كان يكتب متوسطا الشعراء، كُتاب المقالات، الناثرون من قصّ وأقصوصة وأدب رحلة، كان يخلد إلى ذهنه هذا السّؤال، من هو؟ من يكون؟ وفي أي معهد؟ بيد انه لم يكن إلاً نتاج عصاميته، عشق والده للغة العربية، اذ بدأ ينشر في “الشّعب” ولم يكن إلاً صاحب سادسة ابتدائي وبدأ اصطدامه بعالم الأفكار مبكرًا وكذا بالحساسيات والتوجهات، قصيدته عن سناء محيدلي نشرها وهو لم يبلغ سنّ الثامنة عشرة، بيد أن قصته مع الادب الإسلامي هي العنوان الكبير لقصة الأدب الإسلامي الجزائري، قصة دخوله في المعترك وخروجه منه..

يتجاسر المشرق والمغرب في المسألة دونما انفصام، فلقد عرفنا نجيب الكيلاني وعماد الدين خليل  وعمر بهاء الدين الأميري ومحمود مفلح، فيما لمعت روايات نجيب الكيلاني على نحو لافت في الوسط الديني وبها وبسببها تشكّلت  ميولات وظهرت أهواء أدبية عند الكثيرين، بسبب موضوعات العذاب والتنكيل بالمناضل الإسلامي في سجون دول الأقليات –كما أسلفنا – فيغدو أدب السجين – أدبا كونيا – وأدب الغريب وأدب الشهيد الإسلامي من وراء القيود، وأدب المؤامرة، الحزن من أجل فلسطين.

هذا الأدب الذي اندس تحت لحافه الإسلاميون حتى انهم غنوا ما غناه الماركسيون بالتمام والكمال إلاً على النحو الذي تتفرق فيه الديالكتيك والطبقوية عن الطوبى والطلائعية والجيل القرآني الفريد، إذ أن أسلوب سيد قطب في ظلاله، وشقيقه محمد قطب في كتابه الاستثنائي التنظيري للذائقة الإسلامية – في منهج الفن الإسلامي – الظلال ومنهج الفن معتبران كعملات مؤسًسات المذهبية الأدب الإسلامية القادم من الشرق.

مثلما تطفّلت الحركة الإسلامية على الأدب عبر المنظومة القطبية الممثلة في الإخوة والأخوات، قطب سيد، محمد، آمنة وحميدة وعبر الكيلاني، تطفلت أيضا الثورة الإسلامية في إيران وزخمها الذي منحته للأدبيات الناشئة، كيف لا وهي ألهمت ميشال فوكو وعلي احمد سعيد أدونيس وكثيرين، فلطالما ردّد ميهوبي سعدي رائعة من روائع مصطفى الغماري: “خضراء تشرق من طهران”.

قصيد انتزع دوي المانفستو واعتلى المشهد الأدبي، وسرعان ما غدا أيضا ينحب نحيب كربلاء – أرني حسيني الرؤى – أو هو تراه يلتفت يمنة ويسرة موزعا أشرطة الشاعر الإسلامي الأردني – ذي التوجه الإخواني – يوسف العظيم، وشباب الحلقات يستقبلونه بالهلهلة والبشر والنذر.

“وتقود أمّتنا في الزّحف غانية/ والجيش في الزحف ألهته مغناة

أو…

وظلّ رائدنا يحدو مسيرتنا..

الله غايتنا لا اللاًتٌ..”

ذلك الإشكال المفصلي الذي أحرص دومًا على طرحه، فالهوى الشّرقي بالإسلام والقدس والقضية القطبية ومآسي الأقليات وخطاب الغرباء ومجزرة حماة عام 1982 بسوريا ومقتل مروان حديد وغيبة سعيد حوى وكتابات أنور الجندي المدرسية عن الفكر الإسلامي والغزو الثقافي العالمي المؤامراتي، والثّورة الإسلامية وقصص المجاهدين الأفغان والأثر الذي كان يحدثه اسم كعبد الله عزًام او عبد المجيد الزنداني بعلمويته المقرأنة.. كانت كلّها وما سيلي ذكره القنابل المفخخة لأدب رأيناه، رأيناه في كتب الأخ والوالد، كتب المنزل، مكتبة المسجد، أسلوب بعض أساتذة اللغة العربية أو الفرنسية، وشعراء الحومة  قوالوها ومجانينها.

كانوا الروافد لهذا الأدب الحرً، الواثق لا متشاق سيف التجربة والمغامرة الوجودية، لكن الموجة الإسلامية صعدت فوقه، سلمته لمشيئتها، أفرغت ادبه، أدب الأدب من نصوصه البديعيات وأركبته قطع غيارها، جمل، استنساخات اقتباسات حديث نبوي وآخر قدسي..

كان الأدب الإسلامي الجزائري مع الغماري، لحيلح، ميهوبي، وعبد العزيز شبين – قبل هجرته إلى بريطانيا – ينحى هذا الجانب القاسي والظلامي ويبادل الإسلاميين هاجسهم، لكن نزعة ميهوبي الثّورية لم تبقى في حدود  المستهام والذود عن حياض الإسلام والعروبة، إذ ما طفق يُراود جماعة وجدة المغربية، يختلف إلى روّاد مجلة “مشكاة” كمحمد بن عمارة، حسن الأمراني، و اللوركلي معجبا بنضجهم النضالي، وشغلهم الذي بلغ شأوا متعاظما على الساحة الإسلامية التي تُريد مناوأة الأدب الإسلامي المشرقي المتلوّن بالأصباغ الإخوانية، أي صياغة أدب إسلامي وطني جزائري ومغاربي غير مرتهن إلى النضالوية الإسلامية العالمية وتواريخها الدّامية.

حتى أن مسعاه انتزع دعم مثقف لائكي بارز وهو المرحوم الهادي فليسي آنذاك، وذكرا حسنا عند مرزاق بقطاش حتى أن الأول منحه فضاء نادي الهواء الطلق وهو الفضاء الذي ستواصل فيه “ابداع” نشاطها وتواصل فعالياتها مع البدايات التسعينية الأليمة، حيث لعلعات الكلاشنكوف لقوى الأمن والنينجا والصوت الخاطف الرهيب للمحشوشة، من منتمين عضويا ونضاليا، إلى حركة الدّولة الإسلامية التي تزعمها عبد القادر الشبوطي.

وها نحن ندخل إلى زمن الدّم وطرقات الأحذية الخشنة.. وصلنا..

يتبع..

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

سنوات الضّوء والثّقافة والمحبّة.. سيرة غير كاملة (3)

آتون وإننا آتون من السّعير إلى الجنّة انفطرت حبّات العقد الإبداعي إلى مئة ألف حبة، …

المواقع الإلكترونية الثّقافية .. أسئلة الحضور والغيّاب

لا شكّ إننا أمام حقيقة لا مراء فيها وهي استحواذ الأنترنت على جزء كبير من …