الجمعة، 15 ديسمبر 2017

ضيف حمزة ضيف يكتب: يا علي..

ضيف حمزة ضيف

كان علياً شاباً جميلاً، لا يحكمُ القبضة على ابتسامته، يضحك ويتكلّم في الوقت نفسه، لم تكن هذه مقدرة سهلة على الإطلاق، فالذي يتكلم بسرعةٍ لا يمكنهُ أن يضحك في الآن ذاته، ولكنّ علياً يستطيع ذلك.

إنّه ماهر في الفيزياء التطبيقيّة مثلما هو ماهر في جعلك تُصاب بعدوى ضحكه، لمجرد أنّه يتقدّم منكَ وهو يتكلم، وينحني برأسهِ كأنّه يشعر بالخجل، فيما هو لا يشعر بأيّ حياءٍ يعطّل الرأي المُخالف لرأيك عن الامتداد عميقاً في نفسك.

علي، خُلقَ لكي يُخالف، وعاشَ على قيد الدّنيا؛ لكي يعلّمك المحبة بالاختلاف. وحين تتشظّى ملامحكَ عندما تُمعنُ في إقناعهِ، يضحك مرةً أخرى، ويرفع رأسه إلى السّماء، ويحرّك إحدى يديه بصورة توحي بأنّك ربما قد تصبح مع رأيك، عبارة عن قبض ريحٍ لا تلتوي على خاصرة أبداً.

علي، ينظر في وجهك، ويتحرّى عينيك، بينما تحدّق في الجدار المقابل من الشارع، وبمجرد أنّ تنظر إليه؛ حتّى يختار جهةً دقيقة في الجدار المحاذي، لكي يتأمل ما حدثَ لفكرتك، بعد أنّ نجح في تعليقها على الجدار، مثلما يفعل تجّار “السمانة” عادةً، عندما يعلّقون ضحايا الدّيون المتأخرة، بقصد فضحهم على الملأ، بعد استنفاد الزّمن المتّفق عليه من أجل السّداد.
لا يكفّ علي عن تسفيه الحبّ، لأنّه برأيه شكل من الخضوع الإرادي لقوةٍ أفقية؛ كان يجب أنّ لا ترتفع إلى أعلى، لمجرد كونها استحوذت على احتياطي الاهتمام المتبقّي فيّنا. فقد قال ليّ مرةً في أوائل الألفينات، وبصوت جوهريٍ يشبه من يقود جملة للارتطام بمعنى؛ إنّ الحبّ هو الاختيار الأسوأ للضعيف لكي ينهزمَ أكثر، معتقداً بأنّه انتصر وهمياً على الجاهز والمعتاد في الحياة الخالية.
ولدَ علي برجلين معطّلتين عن الحركة، كان يستندُ على عكّازتين فولاذيتين في أول الأمر، ولكنهُ أخيراً اشترى درّاجةً ناريّةً، نذر نصفها لحمل الأصدقاء وتكلّف مهمة توصيلهم إلى بيوتهم، بعد أن ينّتصف الليل، وينتصر عليهم واحداً واحداً في لعبة الدومينو.
أولئك الأصدقاء؛ هم الذين لم يُشعروهُ يوماً بأنّه كسيح، إلى الحدّ الذي آمن بأنّ النّاقص قد يوازي الكامل تماماً، فأصبح يلعبُ معهم كرة القدم، بتلك العكازين النحيلتين، ويعلّق في الآن ذاته على كلّ فرصةٍ ضائعة، بصوت لاتيني تختلطُ فيه العربيّة مع مكسّرات الفرنسيّة، يحشو فيها أشلاءً صرعى من اللغة الإسبانيّة، غير أنّ علياً يقرّع من لا يستغل فرصةً سانحة، ولا يتسامح مع الخسارة على الإطلاق، فهو كما عهدتهُ؛ يحب السوانحَ ويكرهُ الصوارف، يستعجل الخواتم ولا تستأنفه البدايات، كأنّه إذ يستولي على الخطّة المقلوبة للحياة، يضمرُ خلالها كراهيةً كبرى للقدر الانتقائي، الذي انتظمَ على كاحليه تارةً، وتواطأ على حاله الفقير تارةً أخرى.
بيد أنّ علياً المؤزّر بالهامش، والمذبوح على خط المتن، مثل كلّ فقير يعيش البؤس ولا يستصيغهُ، يُقاسي الوجع ولا يحدّث به، يُصارع القدر ولا يلتمس أحداً غيره. لم يسمح لغيره بانتقاص ما فيه، وسعى قبل أنّ يشتري درّاجةً – “بخاريةً” بتعبيره الأليف – إلى قيادة درّاجة هوائيّة برجل واحدة، حدثَ أن سمحت الأقدار ببعض من القوة الخائرة فيها، ولم يبالِ بفارق السّرعة بينهُ وبين الراجلين، ولم ينحُ إلى الشّعور بالحاجة إلى الاستقامة، فيما هو يتعرّج بها ويتلوّى، ويصطدمُ بجدار، ويسقط على عتبة، فعلي – الذي عرفت – لا يرى النّاس عندما ينهمكُ في شيء، وينكبّ عليه بوثوقٍ نادر للغاية.

ومن أعظم ما يتجلّى في علي، هو أنّه حينما يخرج من المسجد ناسكاً ورعاً كراهبٍ بلا عائلة، ليُلاقي غيره في قارعة الطريق، لا يفوّت فرصةً لكي يشتم السّاسة كلّهم، ولا يوفّر فسحةً لدقّ ركبهم بعكّازته اليمنى، عندما يغضب ويزمجر وتتّسع حدقتاهُ وتنكمش جبهته، ويتعثّر صوته بغصّة الشاعرين بالظلم والعاجزين عن الانتقام.

إنّه ماهر في الفيزياء التطبيقيّة مثلما هو ماهر في جعلك تُصاب بعدوى ضحكه

لم يبكِ علي أمامي على الإطلاق، حتى وهو يرثى لحال الفلسطينيين، وكان في عدوان تموز 2006، يُقارن الحكّام العرب بالصهاينة، ثم يصمت والبخّار يعلو من أذنيه البارزتين من وجهه الصغير ذو الملامح الناتئة، ليقول ليّ بأنّ الصهاينة أفضل من العرب الكلاب، ثم وبلا مقدّامات منطقيّة، يسألني بعد أنّ يمرّر لسانه على شفته السفلى، ويتأفّف يسيراً، متسائلاً بعمقٍ ومُكر: “هل من حب في حياتك يا عفريت!”.

يسأل علي عن المرأة، ويتحدّث عنها كثيراً، ويفصّل في ما يراهُ مناسباً لفتنتها الثقافية والجسديّة بدقةٍ متناهية، غير مستسلمٍ للنابيّ من الكلام، ولكنهُ حين يرفع رأسه إلى أعلى، ويغمض عينيه طويلاً، ويعلو صوته مرافقاً لسبابةٍ مستفزّة، بالكاد تفرّ بعينك بعيداً منها، بأنّ الجنس مقدّس عنده، ولا يأتي إلا بالزواج وعن حبٍ عاصف أيضاً، وبأنّه “طهوري” حتى لو لم يكن مصلياً، فالمسألة – برأيه – مسألة مبدأ، ثم يضيف لفظة “عمل”، ذاكراً الرئيس الجزائري السابق الشاذلي بن جديد الذي كان يكرّرها في خطاباته، واصفاً إيّاه وساخراً بشعره الأبيض “رأس القرنبيط”.
لا يأتمر علي بأيّ شيء، فمرّات يرتفع إيمانهُ وساعات ينخفض، أحياناً يؤمن بالتّلاقي والاتفاق على شرط الأخوة البشريّة، وحيناً يسبّ الاختلاف والتباين. ثم يحلو لهُ في ذات المجلس الذي ينظّر فيه عن العدالة والتوزيع المتساوي للثروة الوطنية؛ أنْ يختطف الرشفة الأخيرة من قهوة مجالسه، ويستلذّ بذيل السيجارة، لامزاً من قناة: “دعني أدخّن عنك يا جحش”.
يجلس علي كل مساء بجانب بيته، ولا ينبري لنفسه البتة، فهو يسدّد كل يومٍ ملاحظات لاذعة لجاره، مستهزئاً به، ورافضاً وبشكل إيديولوجي اجتماع الأناقة بالبطالة. وكان ضحيته من كل هذا؛ يقهقهُ في مجمعٍ آخر، وساخراً من لسانه الطّويل الذي دخّر القوة المفقودة في رجليه.
تزوّج علي بفتاةٍ لا نعرف نحن أصدقاؤه عنها شيئاً، ولم نكن ندري بحسباننا رفاق درب غير الملازمين بزواجه، فقد كان يعرف كل الناس، ويُمنّي كل واحد فيهم بأنّه الأقرب إلى قلبه من بينهم، لكنّ الواقع الذي تلا، يخبرنا بأنّ علياً قد تزوّج الصمت أيضاً، وأصبح يمرّ بسرعةٍ كبيرة على كلّ المجالس التي اعتاد ارتيادها، ويسلم أو لا يسلم، بات ذلك سيّان عنده.

وشيئاً فشيئاً تلاشي البريق الذي كان يلمعُ في عينيه الدائريتيّن، حتى ضحكتهُ المعتادة، خاط شفتيّه نكاية في إسرافها في التعاطي. حديثهُ بات مع الوقت خفيضاً يشبه الهمس، وسبّابتهُ الشّهيرة لم تعد تأتمر بحرارة كلامه..
كفّ علي عن الالتفات كثيراً، لقد أصبح الآن ساهم النظرة إلى الأمام، ولم يعد يأبهُ لإقناع محدّثه، وبرُد الشغف الذي كان بمثابة معملٍ نشط في إنتاج الأفكار واللغة..
بدا علي كأنّه خرج لتوّه من مأزق سريّ، أو أدرك ما لم يكن مُدركاً لديه أكثر من ذي قبل، لعل ما خفتهُ سابقاً حالَ التأمّل فيه، قد تحقّقَ أخيراً، واستولى المجتمعُ على ما كان مطروداً منه، فأضحى طريدةً لنفسه، بعدما قضى عمراً طارداً لغيره.

لا غرو في هذا، فالضعف يشبه الاحتلال الإرادي، نبدأهُ راغبين في التخلي، وننهيه لاجئين في الرغبة. نشرعُ في ممارسته من أجل التودّد، ونُختتم بالوقوع في نبذهِ، وهو متى حلّ بنفسٍ دمرها، وكلما ناكف عقلاً شاكلهُ، ومهما تحرّر التذرّع بالقوة منهُ، فاجأنا العجز بالانهزام أمامه..
لقد أمسى الذي عرفتهُ؛ ابن المساء، بعدما كان صبي الصباح. أصبح مظلماً في النهار، قبل أن يكون فقيداً في الليل. انتهى حبيساً في سجن نفسه، بعد أنّ كان مشتّتاً في الجميع. انتحى من منصة الضحك، واستسلم لمعتقل الكآبة.
فمن يعيد ليّ علياً الذي عرفته، ولم يعد يعرفني؟

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

“تركت رأسي أعلى الشّجرة” في ضوء النّقد الثّقافي.. الهجنة والنصّ الوسيط والعدمية الشّعرية (ج2)

النصّ الوسيط والجملة الثقافية والميتا – أدب النصّ، في منظور النّقد الثقافي، ظاهرة ثقافية “تعمل …

“تركت رأسي أعلى الشّجرة” في ضوء النّقد الثّقافي.. الهجنة والنصّ الوسيط والعدمية الشّعرية (ج1)

قلولي بن ساعد تتكئ مشروعية الكتابة الشّعرية عند الشّاعر الجزائري عبد الله الهامل، من خلال …