الجمعة، 15 ديسمبر 2017

“تركت رأسي أعلى الشّجرة” في ضوء النّقد الثّقافي.. الهجنة والنصّ الوسيط والعدمية الشّعرية (ج1)

قلولي بن ساعد

عبد الله الهامل

تتكئ مشروعية الكتابة الشّعرية عند الشّاعر الجزائري عبد الله الهامل، من خلال مجموعته الشعرية الأخيرة “تركت رأسي أعلى الشجرة”(2017) وهي المجموعة الثالثة بعد مجموعتيه “كتاب الشفاعة”(1999) و”صباحات طارئة “(2010)، على متاهة منظورية تكابد البحث عن كتابة منتجة لحساسية شعرية تقدّم رؤيا الشاعر، إنطلاقا من معطيين.

أوّلهما، المعطى الأول هو المعطى التّقني أو الشّكلاني بإنتساب القصيدة عند عبدالله الهامل إلى سياق شعري هو سياق القصيدة النثرية كقصيدة لها خصوصيتها التّجنيسية بما راكمته من تحوّلات بنيوية، منذ أن أعلنت طلاقها البائن مع مانيفستو الثّبات الشعري بالمعنى الأدونيسي، باتجاه تحرير الدّال من المدلول الشّعري، في بعده الانضباطي العمودي أو التفعيلي الممتثل لقيم “الطّاعة الشعرية” وللخضوع للقواعد المتعارف عليها.

وحتى هذه الخصوصية التجنيسية للقصيدة النثرية عند عبدالله الهامل عبر هذه المجموعة هي غير قارة ولا تتمتع ببعض الثّبات أو السكون، والإبداع عموما في حالة صيرورة لا تسلم من رياح التفتيت والبعثرة والإختراق على ما في القصيدة النثرية من سردية  تتقاسم فيها مع القصة القصيرة بعض عناصر أدبيتها، مما يضعها تحت طائلة التردد والإحتراس من جملة من الكتابات المفتوحة التي تتناص معها من حيث التشكيل والصياغة والبناء، كتلك التي تحدث عنها الروائي المصري إدوارد الخراط في كتابه “الكتابة عبر النوعية/ مقالات في ظاهرة القصة/ القصيدة”  مبررا ذلك بأن “الحدود بين الأجناس الأدبية لم تعد بنفس الصّرامة والقطع والتحديد التي كانت قائمة في فترة سابقة، بل أصبح الأمر يصل إلى درجة سقوط هذه الحدود وتداخل الأجناس الأدبية”(1)، خاصة وأن الخراط يقول الناقد فخري صالح “أن ما يهمّه منها على الأقل القصّة/ القصيدة فيسمي الظاهرة نفسها القصيدة السردية”(2).

بيان الكتابة من “خطاب الشّعرنة ” إلى الخروج عن نصّ المنوالية الشعرية

مما لا يخفى على قارئ “تركت رأسي أعلى الشّجرة” أن الشّاعر عبد الله الهامل لا يكتفي بالتعبير عن هذه النّزعة الكتابية المتحرّرة نسبيا من قانون النظام الشعري والأنظمة التجنيسية  أو ما يسميه الناقد العراقي عباس عبد جاسم “جماليات الخروج عن سلطة النموذج”، عبر نصوص “تركت رأسي أعلى الشجرة “، بل يُحاول أن يؤسّس لذلك عبر بيان شعري افتتح به الشاعر مجموعته الشعرية، هو أشبه “بالنص الموازي” أو “النصّ المصاحب” بتعبير جيرار جينيت، الهدف منه أن يرسخ لثقافة الاختلاف الشعري ويؤسّس لها نظريا مثلما فعل الشاعر المغربي محمد بنيس في “بيان الكتابة” المنشور ضمن كتابه الذائع الصيت “حداثة السؤال”.

ومثلما فعل قبلهما الجاحظ في “البيان والتبيين”، الذي حاول الإختباء وراء لغة التهكّم والسّخرية وبعض الحيل الأسلوبية الأخرى لتمرير رسائله الضمنية، القاضية بتعرية الأنساق المهيمنة في الثقافة العربية. الحيل التي جعلت ناقدا ثقافيا هو الدكتور محمد عبد الله الغذامي يُلاحظ أن وراء لعبة الإستطراد “مهارة الجاحظ  في المخاتلة والمراوغة من أجل التحايل على الخطاب الرسمي”(3) لتحقيق أهداف الجاحظ البعيدة غير المُعلن عنها في زمن هو زمن سطوة البلاغة العربية.

هذا ما جعل الجاحظ في منظور الغذامي يتوسّل بالسّخرية والإستطراد من أجل أن يتمكن من “العبث بالنسق دون ملاحظة الرقيب الثقافي المؤسساتي”(4)، على الرغم من أن عبد الله الهامل لا يقدّم نفسه أبدًا بوصفه شاعرًا كبيرًا أو منظرًا أو ناقدًا، بل على العكس من ذلك، فعبد الله الهامل من أقل الناس حماسة في الحديث عن نفسه وعن ذاته بوصفه شاعرًا وربما لهذا السّبب كان فرانز فانون يحسب الحماس الزائد  سلاح الضّعفاء.

وهو البيان الذي دعا فيه الشّعراء إلى التخفّف من أسمال المعنى ولتخرس مثلما قال “فاعلاتن وفاعلن وللسّيد الخليل بن أحمد الفراهيدي كل قبعات التحايا” (5).

هذا هو بيان الشعر الذي رآه عبد الله الهامل بيان مع الشّعر وضدّه، “بيان القصيدة الثملة اللانحوية…”( 6).

بينما المعطى الثّاني فهو معطى حواري أو تواصلي أو “نص شبحي” بتعبير دريدا، وضع فيه الشّاعر نصوصًا تتجاوز النّزعة الفردانية في الشعرية العربية، التي لا تعلن سوى عن صوت الشاعر باتجاه القراءة المفهومية للكتابة الإبداعية، وهي عند عبدالله الهامل ظاهرة ثقافية تشاركية في إنتاج النصّ، الذي هو مجموع تناصات تاريخية وتراكمات ثقافية وعوامل متعدّدة، هي التي ساهمت في تشكّله وأفرزته في النهاية في لحظة إبداعية معينة، “كدليل على لا محدودية النص الذي تتراقص في ظلاله أشباح الآخر وتتسلل إلى أعماقه نصوص أخرى”(7) لبناء المشروع الجينالوجي الشعري بما هو مشروع يروم تقويض  ظاهرة “الكتابة بالصوت”، بتعبير محمد بنيس وسنّ بلغة دريدا سياسة جديدة للكتابة للقطع نهائيا مع رواسب “الكتابة البيضاء” أو الكتابة في درجة الصّفر” كما سماها رولان بارت، لتجاوز “الزمن الخطي الميتافيزيقي” بالمعنى الدريدي وبناء زمن جديد هو زمن الكتابة المفتوحة المنتجة “للأثر المفتوح” بتعبير أمبيرتو إيكو، كأثر ينتجه فعل القراءة على إعتبار أن أي نصّ وُجد من أجل قارئ لا من أجل مستمع مع ما للمعنيين من اختلاف في المبنى والمعنى.

هذا ما جعل الشاعر عبد الله الهامل ينوّع كثيرًا من تيمات نصوصه التي تترواح بين الأتوبيوغرافي والغيري والعدمي بروح سوريالية وأحيانًا شذريّة بمعنى الرّوح الشذرية التي نجد تجذرها الإبستمولوجي والشعري لدى نيتشة وميشال سيوران، صانعًا  الفرق أو الاختلاف عندما يقدّم النصّ الشّذري بنفس سردي أكثر حجما مما يحيل إلى مفهوم القصيدة الشذرية كقصيدة قصيرة مكثفة موجزة، تعتمد قدرًا من الإجهاز على الفكرة كلحظة شعرية جوانية تستأثر بمتخيل الشاعر وتربك ذائقة المتلقي.

غلاف المجموعة الشّعرية

وإذ كانت القصيدة الشّذرية عند نيتشة تسعى لتحقيق ذلك الأفق التقويضي أو هتك أسوار السّجن والمراقبة بتعبير فوكو، فإن روح الشّذرة التي تسري في نصوص عبدالله الهامل ذات النفس السّردي الممتد في الفضاء النصّي – نسبيًا – تسعى هي الأخرى إلى ردم أولا تلك الفجوة القائمة بين الشعري والسردي المسكون بما يسميه أدموند جابيس مرض “الولع بالأصل” وممارسة كتابة هي أشبه في منظور السيميائيين “بالإزاحة والإحلال”. إزاحة المتخيل التقليدي بإحلال متخيل آخر هو “متخيل التحرير” كما صوّره ميشال فوكو في كتابه “المراقبة والمعاقبة/ ولادة السّجن” عندما كان بصدد فكفكة ثنائية “السّيطرة والتّحرير” الأمر الذي جعل فوكو لا يعتني كثيرًا بالمفهوم المباشر أو الإيديولوجي للسّلطة بقدر ما يُحاول الكشف عن الأنساق الداخلية والبنيوية للسّلطة، فيقدّم عددًا من المعايير يذكر منها سلطة الكلمة وسلطة والتراث وسلطة النصّ أو النموذج “كنظرة ضابطة ورقابة تتيح التوصيف والتصنيف والعقاب”(8)، ضمن مشروع كان الهدف منه مثلما يقول “هو القضاء على آخر مظاهر التبعية الأنطولوجية ” (9) لتحرير الشّعرية الراهنة من سطوة البلاغة ومن “خطاب الشعرنة ” بتعبير الغذامي، أي ذلك النسق الشعري في الذات العربية المبدعة حسب الغذامي في إنتاج الطاغية الشعري/ الوجه الآخر للطاغية السياسي، باعتباره الحامل لثقافة العمود الشعري والسياسي، الذي نعاه عبد الله الهامل في بيانه الشعري وبشّر بنهاية شرف المعنى في صوت المهلهل بن ربيعة متسائلا: “من أين جاءت عبارة فلان قرض الشعر؟” مثلما نعى نيتشة موت الإله الفلسفي أو موت اللوغوس أو الدّليل الواحد عندما يجد نفسه عرضة لفعل التقويض أو لقدرة “الهامش اليقظ” بتعبير عبد الكبير الخطيبي على ممارسة حقّه في إزعاج الوعي الهووي الشّعري القائم المتروك لحاله وبالتالي “الخروج عن سلطة النموذج”.

الهجنة بدل المطابقة وأسئلة الكتابة الشعرية

إن الحديث عن عبد الله الهامل بوصفه شاعرًا هو حديث بالضّرورة عن شخصية مركّبة، أعني بذلك الشّخصية الثقافية أو التّكوين الثّقافي لعبد الله الهامل، مزدوج اللغة، الموزّع بين الكتابة المسرحية والكتابة الشعرية والترجمة المسرحية.

في نصوص مجموعته الشعرية ” تركت رأسي أعلى الشجرة “، تزداد عناصر هذه الهجنة رسوخا في كتابة ضمن نوع أدبي هو القصيدة النثرية المفتوحة على مختلف أشكال التهجين السردية والنثرية، يُضاف إلى ذلك إكتساح النّقد الثّقافي والنّقد ما بعد الكولونيالي  للثقافات المهجنة مما لا يمكن التعامل مع النص الشعري على النحو الذي أراده عبد الله الهامل إلا من منظور الهجنة الثقافية التي تتمظهر في هذه النصوص الشعرية على مستويين:

المستوى الأول وهو المستوى البنائي أو المعماري التقني في صلته بأعراف ومواضعات التجنيس الأدبية، فرغم أن نصوص عبد الله الهامل تنتمي سياقيا إلى جنس أدبي مخصوص هو القصيدة النثرية المفتوحة هي الأخرى أمام نداء الكتابة المقوضة لمركزية الدال الشعري، الممتثل لقيم التقعيد والإنصياع الأعمى لميتافيزيقا “الوعي الملحق”، بالمعنى الذي يقترحه الناقد المغربي يحي بن الوليد في كتابه “الوعي الملحق.. إدوارد سعيد وحال العرب” أو الوعي التابع لمجمل الأنساق الثقافية العربية المهيمنة لحركة المدلولات الشعرية في سعيها للخروج عن نصوص الإنضباط الشعرية، إلى حدّ التأسيس لكتابة شعرية كما يقول  الشاعر محمد بنيس “غير مطوقة ببنيات ومؤسسات ذهنية وذوقية لا تتوانى عن صدّ كلّ شاعر يحاول قول ما لم يقل و إستعادة حرية القصيدة في البحث عن صيغتها الشخصية والإنتماء إلى واقعها وزمنها الحديث”(10)، واعتبار ذلك جزءً من مشروع لا زال لم يعمل على تعرية الأنساق المهيمنة والألغام والمتعاليات الذوقية والمعيارية والتربوية باتجاه “وعد القصيدة في الإقامة في لا نهائي اللغة ومجهولها في اللامؤكد نازلة إلى الآثار المحجوبة لضيافة لغات وثقافات في اتجاهات لا نعرفها”(11).

خروج تأسس في هذه النصوص على حوارية النصّ والإنفتاح على مختلف السجلات الثقافية والأنواع الأدبية الأخرى، خاصّة منها السردية.

تجلّى ذلك في عدد من النصوص التي تتعايش فيها اللغة السردية باللغة الشعرية من دون خرق أو إعتداء على خصوصية النوع الأدبي وهو هنا القصيدة النثرية بخصائصها ومواضعاتها القابلة للإضافة والترميم والإثراء، ولولا عنصر الإيقاع الشعري وهو إيقاع داخلي وليس إيقاع خارجي لتحوّلت بعض النصوص إلى نصوص بسودو/ سردية هي أشبه بما سماه الخراط “القصيدة السردية”. هذا هو معنى الهجنة الثقافية في بعدها الإجناسي كما في نص “يوم طويل في صحراء الملل”(12).

“نقر زجاج نافذتي

غرّد طويلا

حتى أن لحنه الحزين

تسلّل في كابوسي اليومي الأليف…

كان يرتجف بردانا ودمعة في عينه…

فتحت له وحملته برفق..

طائر الفجر جفّف دمعته بريش جناحه

تحرّك خطوتين موزونتين إلى الأمام

التفت إليّ وقال:

تعال معي نخرج من هنا.

البرد في قلبي

والبرد في قلبك

تعال إلى آخر الغابة هناك

عند آخر الفجر

نكمل سهرتنا مع النّجوم والحباحب والبوم والأفاعي الراقصة والذئاب”.

الأمر الذي يطرح نوعا من الإرباك لذائقة القارئ التقليدي، المسكون بوهم المطابقة والإئتلاف المتأتي من هوية النصّ من الناحية الإجناسية التي ترعاها “مؤسسات الضبط” بتعبير فوكو. وهو نوع من الضّبط الرّمزي أو الأكاديمي الرّافض لأي خروج أو خرق لمعطيات الكتابة التابعة أو المؤمنة بالوثوق المركزي، بما يعني الاحتفاظ بشرارة الحلم والطموح المحرّك الأساسي لرغبات الشاعر المحمومة بالإنعتاق والتحرّر وتوقه إلى مزيد من التطلع والخروج عن قيّم الطاعة الوثوقية أو الإرتهان لدال أو مرجع محدّد من مراجع الخبرة الشعرية المتمسكة بوهم الإبداع أو “الإتباع” بالتعبير الأدونيسي.

ومن هذا المنظور كان عبد الله الهامل واعيًا كلّ الوعي بخطورة وأهمية هذا الخروج المتعمد عن نصّ المنوالية الشعرية وقد عبر عن ذلك بصريح العبارة في الملاحظة التي وضعها كعتبة نصية قبل الولوج إلى باطن النصوص ومما جاء فيها: “من قرأ هذا الكتاب و أصيب بالكآبة أوالضّجر أو حتى القرف فلست مسؤولا عن ذلك”(13).

لقد أدرك عبد الله الهامل أنه بصدد تقديم نصّ لا يتكئ على بنية أحادية وهذا هو ديدن الشعراء المجددين  الواعين  بما يسميه دريدا “البنية غير المتجانسة للنصّ” وهي تسكن أعماق النصوص غير الهووية، أي النصوص المهجنة القابلة لإمتصاص كافّة علامات الهجنة البنيوية منها والإجناسية للفرار من جاهزية التّناول المدرسي والطرح الدوغمائي ومما قال بختي بن عودة أنه يمثل نسقا “من المتعاليات البحثية أي الدورة المغلقة لسفر القراءة “(14) من أجل الولوج بتعبير دريدا في “البنية غير المتجانسة للنص”. البنية التي كان دريدا قد كشف عن ميتافيزيقا الهيمنة فيها عندما كان النّوع الأدبي أشبه بمؤسسة من مؤسسات الضبط والمراقبة بالتعبير الفوكوي “يبدو النص والإبداع فيها خاضعا للسلطة المهيمنة التي بيدها خيوط النص ورسم معالمه”(15).

عبد الله الهامل

المستوى الثّاني وهو المتعلّق بالهجنة في بعدها الهوياتي أو الأثني الإنتمائي، مسقطا على النص الإبداعي بالمعنى “الجذموري الهوياتي” بتعبير جيل دولوز، فما هو معروف عن عبد الله الهامل أنه شاعر بوهيمي مثلما يصف نفسه وهو “هامل” اسما ومسمّى كما لا حظ ذلك الروائي والصحافي الخير شوار في مقال كان قد كتبه بمناسبة عرضه لمسرحية “عمود النار” بالمسرح الوطني الجزائري، حمل عنوانا لافتا “عبد الله الهامل صعلوك في حضرة المسرح”.

فلا غرابة أبدًا أن تأتي نصوصه معبّرة عن هذه الهجنة الثقافية وعن حالات التشتت والبعثرة، وعبر هذه الهجنة الثقافية يقدّم الشاعر عبد الله الهامل نصوصًا شعرية لا تنحاز إلى جهة أو مدار هووي أو عقائدي وهو يعبر عن رؤية إبداعية ليست غريبة عن الإبداع العربي العابر لأسئلة التساكن، لكنها محدودة التأثير ولم تأخذ بعد مداها أو إنغراسها في الوعي الثقافي العربي بالرغم من تدوال بعض محدداتها النظرية والإبستيمية التي شرح دواعيها مفكر بارز هو إدوارد سعيد ومن معه من كتاب المنافي أو “الفضاء الثالث” كما يصفه إدوارد سعيد. فضاء الوقوف في “منزلة بين المنزلتين” بتعبير المتصوفة على الرغم من إرتباط الهجنة بالهوية من حيث هي تعبير عنها ودعوة للإنفتاح وللغيرية والتساكن الغيري، “فالهوية ليست بناءا جامدا بل تخضع لمنطق التحول والتغير”(16).

التغير الذي نلمس بعض مساحات حضوره في النصّ الشعري عند عبد الله الهامل فكان ينوع من فضاءات كتاباته التي تستقي مواد تشكلها الإبداعي من الفضاء الصحرواي بمكوناته الحضارية والأنتروبولوجية والنفسية عبر فعل “الإستدعاء” بتعبير ألتوسير. إستدعاء الآخر الإفريقي وجعله لا كتمثيل كما فعل “الإستشراق المخيالي” بتعبير إدوارد سعيد في إستدعاءه  للآخر “المتوحش” في المنظور الغربي المتعالي بل التعامل معه بوصفه مكونًا أساسيًا، من مكوّنات الوجود الذي لا تتلافاه البصيرة الإبداعية الهادفة إلى أرضنة الكتابة وجعلها بلغة هايدغر تعبيرا عن الموجود، هذا ما جعل عبد الله الهامل يتأمل ليل إفريقيا (17)

“في اتجاه أفريقيا

ليل طويل

وطريق طويلة

موسيقى وشاي

ونجمة في سقف السماء

تنظر إليّ وتبتسم”.

ولأنه شاعر مسكون بالرحيل والسّفر، شاعر يحمل “هوية مركبة” أو “هوية جوّالة” بالمعنى الذي يصف به تودوروف صديقه إدوارد سعيد، فهو لم يرض لنصه الإقامة والإستقرار أو الإنصياع لإتجاه أرضي أو مكاني وحيد مختبرا قدرته على الذهاب بعيدا بحثا عن فعل المجاورة، حيث ما يقف أعلى الشجرة شجرة الرؤيا مطلا على بحر بجاية نائحا في وجه “شخصية مفهومية” هو محمد الحسان بالإصطلاح الذي يعطيه جيل دولوز للشخوص أو الذوات العالمة عندما تحضر في نص إبداعي، بوصفها شخوص مفهومية كما لو أننا أمام نص سردي أو “قصيدة سردية” كما قال إدوارد الخراط.

“بحر بجاية لك

موجه وأسماكه وأشواق الصيادين

جدران بجاية لك

لك ما ترك ابن خلدون ومعاصر الزيتون في الأحواز

ولك جميلات بجاية يعبرن بالخجل الأمازيغي على الخدود تفاحا

بيرات الصباح في بار كولونيالي بالمدينة القديمة ومعطوب يدوزن الحالة لك

يما قورايا في الأعالي لك

لك أزول فلاون بموسيقاها الخالدة تقولها الجدات

لك كل هذا يا صديقي

وأكثر” (18).

يتبع..

 

إحالات ومصادر

(1) في الرواية العربية الجديدة – فخري صالح نقلا عن الكتابة عبر النوعية مقالات في ظاهرة القصة القصيدة للخراط. ص 200، منشورات الاختلاف والدار العربية للعلوم 2009

(2) نفس المصدر ص200

(3) النّقد الثّقافي قراءة في الأنساق الثقافية العربية – عبد الله الغذامي – ص224 الطبعة الثالثة –، المركز الثقافي العربي بيروت 2005

(4)نفس المصدر – ص226

(5) تركت رأسي أعلى الشّجرة، عبد الله الهامل – ص، 5، منشورات مدارج والمؤسسة الجامعية للدراسات لبنان، دروب، المغرب 2017

(6) نفس المصدر، ص5

(7) مقولة الشبحية عند جاك دريدا – محمد بكاي ضمن كتاب جماعي بعنوان “جاك دريدا ما الآن .. ؟ ماذا عن غد.. ؟”/ الحدث الخطاب التفكيك – ص137/ 138إشراف محمد شوقي الزين – منشورات الاختلاف ودار الفارابي،2011

(8) المراقبة والمعاقبة ولادة السجن – ميشال فوكو ترجمة علي مقلد مراجعة وتقديم مطاع صفدي –، ص196، مركز الإنماء القومي بيروت 1990

(9) حفريات المعرفة – ميشال فوكو – ترجمة سالم يفوت – ص15، الطّبعة الثالثة، المركز الثقافي العربي 2005

(10) الحقّ في الشّعر – محمد بنيس – ص57 – دار توبقال الدار البيضاء 2007

(11)نفس المصدر، ص28

(12) تركت رأسي أعلى الشجرة، مصدر مذكور، ص41

(13) تركت رأسي أعلى الشجرة، مصدر مذكور، ص3

(14) ظاهرة الكتابة في النقد الجديد مقاربة تأويلية الخطيبي نموذجا – بختي بن عودة، منشورات مديرية الثقافة لولاية معسكر ودار الأديب بوهران 2005

(15) تحوّلات النظرية النقدية المعاصرة/ مقاربة تفكيكية في ثقافة التجاوز وعولمة المفاهيم – عبد الغني بارة – مجلة فصول القاهرة – ص224، العدد70 شتاء 2007

(16) إدوارد سعيد من دنيوية النقد إلى هجنة الهويات – هشام بن الهاشمي – مجلة الأزمنة الحديثة، العدد 08 ص159، المغرب

(17) تركت رأسي أعلى الشجرة، مصدر مذكور، ص57

(18) تركت رأسي أعلى الشجرة، مصدر مذكور، ص33

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

“تركت رأسي أعلى الشّجرة” في ضوء النّقد الثّقافي.. الهجنة والنصّ الوسيط والعدمية الشّعرية (ج2)

النصّ الوسيط والجملة الثقافية والميتا – أدب النصّ، في منظور النّقد الثقافي، ظاهرة ثقافية “تعمل …

ضيف حمزة ضيف يكتب: يا علي..

كان علياً شاباً جميلاً، لا يحكمُ القبضة على ابتسامته، يضحك ويتكلّم في الوقت نفسه، لم …