الجمعة، 15 ديسمبر 2017

كوريا الشمالية من الدّاخل: السرّ المكنون

جون – لوي غورود. ترجمة: سماعن جلال الدين

على يمينه زوجته المغنية ري سول-جو، كيم جونغ-يان مع جمع من كوادر الجيش

في عددها الأخير، لشهر أكتوبر، نشرت مجلة “آفريك ماغازين” (Afrique Magazine) نصا للكاتب جون – لوي غورود، يروي فيه رحلته التي إلى “الجمهورية الشّعبية” جدّ منطوية على نفسها: كوريا الشمالية. شهادة تحكي الكثير من الأشياء وتفند تمامًا ما هو شائع عن آخر مملكة شيوعية في العالم.

الأمر مفروغ منه (لا مراء)، كوريا الشمالية ليس ذلك البلد الذي سأنصحكم بقضاء عطلتكم المقبلة فيه. لكن، “وفي الوقت نفسه” (عبارة الرئيس الفرنسي الشّاب المفضلة) لا يعتبر باب الجحيم؛ ولا هذا البلد – الثّكنة المليء بآلات بشرية متعصّبة كما يصفهم زملائي الأعزاء من الصحافيين – وبخاصة أولئك الذين لم تطأ أقدامهم يومًا أرضه.

ولأنني زرته شخصيّا أواخر سنة 2016، فبإمكاني أن أقدّم شهادتي حوله.

بيونغ يونغ العاصمة تشبه غيرها من المدن الكبرى في العالم، تملأها بنايات بشعة إلى حدّ ما، عامرة بأناس على عجلة من أمرهم لا يُفارق الهاتف آذانهم، تبتلعهم الحافلات ومحطّات الميترو. في ساعات الذّروة، يختنق وسط المدينة بسبب زحمة السّيارات. كغيرها من المدن، يمكنك أيضا أن تستقل سيارة تاكسي وتتوجّه لتأكل حيثما شئت في مطاعم محترمة، حيث يلقى الأجانب كل الترحيب هم وعملاتهم المختلفة.

تبدو بيونغ يونغ مدينة “عادية” مع فارق أن طرقها، أرصفتها، حدائقها وفضاءاتها العمومية تتميّز بنظافة مبهرة. وبأن لوحات الإشهار – التي تملأ العالم الرأسمالي – غائبة كليّة هنا. بالمقابل، فقد تم تعويضها بدعاية سياسية رهيبة تتشكل أساسا من شعارات طويلة جدًا وأوامر مختلفة (مكتوبة باللغة الكورية وبالتّالي فهي غير مفهومة للزائر الأجنبي) تمتد على طول الشّوارع، الروابي والبنايات. الشّيء السّهل الوحيد الذي يمكن فهمه هو هذه الملصقات العملاقة التي يظهر فيها جنود أشرار (أمريكيون) يقوم جنود كوريون شماليون شجعان بالتصدّي لهم. هناك أيضا، تقريبا في كلّ زوايا الطرق، تماثيل ضخمة للكيمين اللذين سبقا كيم يونغ – يان (الزّعيم الحالي): كيم – إيل سونغ مؤسس الدولة وابنه كيم يونغ – إيل.

هذه التماثيل الفارعة وجد الواقعية ذكرتني بتلك التي شاهدتها في إفريقيا يوم جلتها سنوات الثمانينيات والتسعينيات؛ تلك التماثيل التي نصبت في كينشاسا، بونغي أو لومي كتمجيد للأباطرة وماريشالات تلك الحقبة: موبوتو، بوكاسا، إياديما.

هذا الأمر لا يجب أن يثير الدّهشة: هذه التماثيل البرونزية الضّخمة تمّ نحتها في كوريا الشمالية. وإلى يومنا هذا ما زال الكثير من الزعماء يتوسّلون مهارة فناني وسباكي هذا البلد: كما حدث مثلا منذ عهد قريب في داكار (2010) من أجل تنصيب صرح النهضة الإفريقية والذي طلبه الرئيس السنغالي أبدولاي واد.

تمثالا الحاكمين السابقين لكوريا الشمالية: كيم إيل-سونغ وكيم يونغ-إل، جد ووالد الحاكم الحالي

كما هو واضح إذا، ليس في نيّتي هنا أن أنفي بأن النّظام في كوريا الشمالية يمارس ثقافة الشخصية بشكل مبالغ فيه، بل سأكتفي برواية ما رأيته بأم عيني. وحتى ولو أنهم سمحوا لي برؤية الكثير من الأشياء إلا أنني متيّقن بأنهم لم يوروني كلّ شيء: لا المراكز النووية ولا مدرجات قذف الصواريخ. وحتى ولو أنهم دعوني إلى زيارة الضّريح الذي دفن فيه الرئيسين السابقين – أكبر من حديقة فرساي – إلا أنني لم أتمكّن من معرفة أين يسكن الرئيس الحالي.

عرفت أيضًا بأن النظام الحاكم لا يسمح بأي شكل من أشكال المعارضة، ولا أي تراخي أو تهاون تجاهه حتى في أوساط الجماعة المقربة من كيم جونغ – آن، رئيس الحزب ولجنة شؤون الدولة وقائد الجيش! كغيري، سمعت بأن البلد عامر بالسّجون، بمراكز العقاب وبمحتشدات التقويم الإيديولوجي. الأمر وارد جدا بل هناك من يحلف بأغلظ الأيمان بصحته.

الشيء الآخر الحقيقي والذي بمقدوري تقديم شهادة حيّة بخصوصه هو أن كوريا الشمالية بصدد بذل مجهود من أجل التفتح و تلطيف الأجواء. مجهودات تروم أن توفر للشعب سبلا للترفيه غير تلك التي تعود عليها كاجتماعات الحزب الحاكم، الاستعراضات العسكرية والتعبئة الوطنية. وبالرغم من الأموال الضّخمة التي تستثمر في الأسلحة الأكثر تطورا والمكلفة جدًا إلا أن نظام الشّاب كيم يونغ – يان قد وجد طرقا لبعث الحياة في بيونغ يونغ أين تم خلال السنوات الأخيرة افتتاح متنزهات رائعة، نوادي الفروسية، مجمعات بحرية وحتى محطّات للرياضة الشتوية..

حتى ولو كان بلدا جميلا جدا تعمره الجبال ومزارع الأرز إلا أن بإمكاني أن أنفي بشدة أن تكون كوريا الشمالة جنّة فردوس ولا جحيما كما أشرت إليه آنفا وكما يتوهم الكثير من سكان المعمورة.

أما بخصوص هوس جنون العظمة هذا الذي يبديه الكوريون الشماليون من خلال رغبتهم الجامحة في امتلاك أسلحة بالستيكية نووية فسأكتفي بإشارة تاريخية: أول من خطى الخطوات الأولى في هذا التعاطي الزائد مع الاسلحة النووية ليسوا الكوريين الشماليين بل الأمريكيون وذلك على لسان الجنرال ماكارثير، الذي في سنة 1950 وجّه تهديدا واضحا لنظام بيونغ يونغ في نيته استعمال القنبلة النووية ضده.

حين يهددك الأمريكان بعد خمس سنوات من إلقائهم لقنبلتي هيروشيما وناكازاكي (1945) فلا حلّ لك إلا أن تأخذ الأمر على محمل الجدّ. وهو ما يقوم به الكوريون الشماليون الذين قد يكونون بحق أناسا حاقدين لكنهم أهل جدّ وعناد.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

“مولانا” يعيد فتح جراح الجسد العربي

زهور شنوف أخيرًا، وصل فيلم “مولانا”، إلى الجزائر، وعُرض مؤخرًا ضمن “مهرجان وهران الدّولي للفيلم …

1984.. الرّواية التي تنبّأت بما يحدث الآن

الأمين فاروق “1984”.. رواية الإنجليزي جورج أورويل)1903-1950) عادت، مجدداً، إلى الواجهة، ويبدو أنها تعكس أفضل …