الجمعة، 15 ديسمبر 2017

في الّنقد الأدبي عمومًا وفي كتاب بوجدرة الأخير خصوصا

فاروق الأمين

رشيد بوجدرة

كثيرًا ما نسمع أنه لا يمكن أو لا يصحّ للرّوائي أن يكون ناقدًا أدبيًا، والحجّة في ذلك ان النّقد مختلف عن كتابة الرواية، لذا وجب تركه للأساتذة الجامعيين وللصحافيين المختصين وكذلك تفاديا لجرح مشاعر الكتّاب لبعضهم البعض حتى “يعيش الكلّ في سعادة وهناء”.

أعتقد أن القول بالفصل بين النّقد والكتابة الروائية ليس فقط خطأ بل هو نكران لمحرّك من محرّكات الأدب وتطوّره، فلطالما قام كبار الكتّاب بنقد بعضهم البعض عبر المقالات والكتب وحتى الأعمال الأدبية.

رواية دوستيوفسكي “مذكرات من العالم السّفلي” هي رد ونقد لرواية تشرنشفسكي “ما العمل” وما تحمله من أفكار، وهذه الأخيرة ألهمت لينين فاختارها كعنوان لأحدى كتبه، ورواية جاين أوستين “دير نورثانجر” هي ردٌّ ونقدٌ لنوع أدبي بأكمله – الرواية محاكاة ساخرة للخيال القوطي –.

والأدب والشعر العربي ثري بالخصومات والجدالات المثرية للشّعر وللأدب واللغة، أشهرها هجاء الجرير والفرزدق، وإن كانت في أغلب الأحيان أقلّ إثراء للفكر ومليئة بالتعصب وبالشّتم أو بالتملق.

أما فيما يخص النقد المباشر – يعني عبر المقالات والكتب – فالأمثلة عديدة كذلك. من أفضل نقاد الكاتب الإنكليزي تشارلز ديكنز الكاتب الإنكليزي جورج أورويل، الذي كتب مقالات نقدية حول العديد من الكتّاب. كما ألّف الكاتب الروسي الشهير ليون تولستوي كتابا حول الأدب سماه “ما الفن” انتقد فيه أشهر الكتّاب والشعراء على غرار شكسبير وشارل بودلير وقلّل من شأنهم وأثنى على آخرين، وله في ذلك حججه وقراءاته قد نوافقه فيها أو نعارضه. وقام الكاتب والفيلسوف جان بول سارتر تقريبا بالشيء نفسه في كتابه “ما الأدب”. وكون الشاعر شارل بودلير من أشهر الشعراء لم يمنعه من أن يكون من أشهر نقّاد الفنّ والشّعر، فالنقد تقييم للعمل الفني وكذلك مناقشة لأفكاره وهو بذلك إثراء للأدب والفلسفة والفكر بصفة عامة.

نُشر، مؤخرًا، مقال على خلفية نَشر كتاب لرشيد بوجدرة (مهربو التاريخ)، ينتقد فيه بشدة ما سماه تزييفا للتاريخ من طرف بعض الروائيين والمخرجين. كلمة “تزييف” مبالغ فيها عندما يتعلق الأمر بكتّاب ذوي شهرة عالمية وموهبة معترفة بها أمثال ياسمينة خضرة وكمال داود، وأن يُنعت هذا الأخير بالمنتمي لأحدى الجماعات الإرهابية في شبابه هو شيء غير مقبول وجدّ مؤسف. لكن هذا ليس سببا كافيا لأن نتجاهل تماما نص الكاتب، لذا سنتناول بعض نقاطه.

في كتاب بوجدرة ردٌّ على إحدى روايات الكاتب الجزائري بوعلام صنصال (قرية الألماني) التي توحي بأن جيش التحرير الوطني الجزائري هو جيش نازي. ذلك لأن عددا من النازيين، الذين فروا بعد انهزام الجيش النازي إلى بلدان شمال أفريقيا، التحقوا بالثورة الجزائرية. بوجدرة يظهر أن عددهم قليل مقارنة بالألمان الشيوعيين الذين التحقوا بالثورة الجزائرية فرارا من ألمانيا النازية، على غرار مصطفى ميلر الذي صار وزيرا في الحكومة الجزائرية فيما بعد، والذي ساهم في دفع الألاف من الألمان الذين كانوا في الجيش النازي سابقا إلى مغادرة الجيش الفرنسي. فقد استعملت فرنسا عشرات الألاف من جنود الرايخ الثالث (المعتقلين بعد نهاية الحرب العالمية الثانية) في حروبها الاستعمارية، خاصة في حرب الفيتنام، حيث التحق المئات منهم فيما بعد بالمقاومة الفتنامية. رغم هذا، فإن صنصال يواصل تزييفه للتاريخ، فقد قارن مؤخرا الأعمال الإرهابية لداعش بأعمال الثوار الجزائريين ضد الاحتلال الفرنسي. ولو فكر الكاتب قليلا، لأدرك أن مقارنته هذه هدية وتشجيع لأرهابيي لداعش، فالقضية الجزائرية قضية عادلة ومعترف بها عالميا.

من بين الانتقادات التي وجهها بوجدرة إلى كمال داود هي رفضه التضامن مع القضية الفلسطينية. داود يرفض في واقع الأمر التضامن الانتقائي بداعي الدّين أو العرق ويفضل التّضامن باسم الإنسانية. هو بالطبع موقف نبيل، ولكنه صحيح نظريا، مستحيل واقعيا. فالإنسان بطبعه يحسّ أكثر بمن تربطه به أواصر. وللشعب الجزائري أواصر بالشعب الفلسطيني: كاللغة والدين والتاريخ المشترك وكذلك المقاومة ضد الاحتلال المتعسِّف. الفلسطينيون يشيدون دوما بكفاح الجزائيين وبنَيلهم الاستقلال في نهاية المطاف.

كمال داود

صحيح أن الكفاح من أجل الفلسطينيين يتم أحيانا باسم كره اليهودي كونه يهوديا لا باسم العدل والتضامن، وهذا خلط وغلط يجب عدم السكوت عليه. بالرغم من ذلك، فهذا ليس سببا كافيا للتخلص من العلاقات جملة وتفصيلا. فتعزيز العلاقات والتضامن (التضامن الذي هو انتقائي بطبيعته، ليس كرها للآخر وطعنا في إنسانيته) لا يتناقض بالضرورة مع نُبل فكرة الأخوة في الإنسانية.

يذكر رشيد بوجدرة في كتابه الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر كمثال للمثقف المساند للقضية الفلسطينية، وأضاف أن الفيلسوف مهمش حاليا في فرنسا بسبب مواقفه ضد الاحتلال الصهيوني. سارتر ليس بالمثال الأفضل، صديقة جان جونيه أفضل مثالا في ذلك. مواقف سارتر كانت غامضة وأحيانا متناقضة إزاء القضية الفلسطينية، بينما أعرب أكثر من مرة عن مساندته للمشروع الصهيوني. وقد أعرب إدوارد سعيد، المنظر الأدبي الفلسطيني، عن خيبة أمله الكبيرة في الفيلسوف عندما التقى به في بيت الفيلسوف الفرنسي الآخر ميشال فوكو (والذي لم يحضر المناقشة حول الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني) حيث كان ينتظر منه نفس وقفته مع القضية الجزائرية لصالح القضية الفلسطينية هذه المرة، لكن دون جدوى. فإن كان هناك تهميش لسارتر، فمن المؤكد ان السبب لا يمكن في تصريحاته حول إسرائيل، بل على الأرجح لسكوته على معسكرات الاعتقال السوفياتية ومساندته للحركات التحررية حول العالم.

من المؤسف أن يتضمن كتاب رشيد بوجدرة اتهامات خطيرة – وإن اعتدنا على ذلك في الجزائر – ليس فقط حول كمال داود بل كذلك حول الجالية الجزائرية القاطنة بفرنسا وأروبا بنعتهم بالفارين والفاشلين. رغم هذا فبعض المسائل المطروحة في الكتاب تستحق المناقشة والرّد، الاّ أن الطابع الكبريتي للكتاب منع ربما الكتّاب المعنيين من التّفكير والرّد على بعض النقاط المتناولة.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

اكتشاف جديد لرسومات تعود إلى العصور الحجريّة

اكتشف هذا الأسبوع، الباحث في الآثار أحمد عقون، بالتنسيق مع جمعية أصدقاء الأطلس لحماية التراث …

محمد بودية: تشي غيفارا الجزائر يعود هذا الأسبوع

صدر حديثًا عن دار النشر «الصباحات الأولى لنوفمبر» بفرنسا، كتاب يتناول حياة ونضال وأعمال الكاتب …