الجمعة، 15 ديسمبر 2017

سنوات الضّوء والثّقافة والمحبّة.. سيرة غير كاملة (3)

عبد الوهاب معوشي

آتون وإننا آتون من السّعير إلى الجنّة

انفطرت حبّات العقد الإبداعي إلى مئة ألف حبة، إذ أن إبداع الجمعية والنّادي والمحفل كانت صناعة طاهرية بخالص امتياز.

الطّاهر يحياوي نفسه الذي وفد عليها، مستقدما من طرف ميهوبي إبراهيم سعدي، أبو بكر زمال، شكري وشنيتي ورجاء الصديق سيكون حاملا لمصائر مختلفات، هذه المصائر ذاتها مفعمة ببارود الانتماء الحزبوي الضّيق والفكر العابر بالمسجد أو الخلية أو الريح الإنتخابوية العاصفة التي عصفت بالكل الوطني المبدع، الآتي من أتون الأتون، من محرقة النبذ “الإتحاداوي الكتبجي” إلى الجنّة، جنّة عرضها سموات الكلم وطيب العبارة ورياحين الكتابة المثالية، القائمة على الحرف أسره، ألقه، بحره ومتنه..

لكم ظلّ الشّعراء ينجحون في الإفلات من الأصالية والمواطنياتية التي بسطها عبد الله الركيبي ومحمد أمصايف وإبراهيم رماني ومحمد ناصر وغيرهم كثير من كتّاب الحزب الواحد ومن حاملي ميكروفوناته..

ومثلهم قصّاصو الرابطة الذين كان يحلو لهم التّصعلك في ردهات الورق الصّقيل، ورق جريدة المساء المسائية – لا الصباحية – على ما كانت عليه التجربة – إذاك – فنروح صغارا نتهجّى أسماءً، نترقّب أخرى لثاني مرة أو ثالثها..

نساء في عرين الأسد

أين هي حمامة وأين هي قصّة كقصّة “الها بيشة” لياسمينة صالح؟ أين هن قاصات مجيدات كما كان يسميهن يحياوي كزكية علال، سعيدة بن زيادة وأخريات رحن متروكات بين عباءة وشقاء! عباءة الزّوج الكولونيل الذي يُحاول العبث بحرية وردة، حرية وردة الجزائرية التى تغني و تغني حتى فلقة الإصباح و ميلاد صلوات الضّحى غير آبهة بنقيق القبيلة، والحقّ أنهن كنّ كثيرات ما بين الفترتين، أي قبل الفعل الأكتوبري المظفّر من عام 1988 وحتى 1991 لحظة الإرهاص بالتراجعية والموت الزؤام..

أذكر بنات مبدعات خالصات مخلصات لبشرى الطاهر يحياوي. “إننا أتون”.. كنّ يأتين كأنهن في خدرهن بين الأب القاتل، الرقيب، الجامع لكل سكاكين مطبخه ومطبخ الجيران، وبين الزوج القادم على فرس عنترة الكولونيل، المتوعّد المزمجر بالسعير والوأد والذبيحة..

بنات كبنت الجبل وبنت الهضاب وبنت الشّرق وبنت الشّمال وبنت الجنوب يتتابعن في أسمائهن المستعارة، في خوفهن الخافت والبائن وسرعان ما يكشفن عن موهبة كموهبة وردة، وعن جمالية شعرية كشعرية وردة وعن رشّة عطرية كعطر وردة.. أليس الإبداع هو الوردة في شعرها الطويل كرسولة؟!

إنني ذكرت هذا الانفراط والتلاشي على أوجه كثيرة صار، الشعراء بين من اختاروا العدم والانتحارية شاربين قناني الجعة قبالة التخت وتحت واد الريميس لاهجين الصباح والمساء اسم هذا الملكوت المدهش الذي أنسنا مغيبة حتى البكاء، الشّاعر عبد الله بوخالفة. بل إنهم استنسخوه تجربة ومذهبا وتحولا. قال قائل أنه قتل ضربا تحت وطأة الشراب المسكر وقال أخرون أنه انتحر عدما كارها الدّنيا والآخرة. وقال غيرهم أنه شيوعي أحمر قتله الإسلاميون من القرون البائدة وأرباعهم قالو أنه إسلامي أصيل أتاه اليقين وشملته الرعاية وانتصر بالإسلام دينا وغاية فانبرى الشيوعيون لقتله غيرة وبغضا في ردّته عن دين ماركس الخلاصي.

وفيما انسحبت النّساء في ظلّ الخطيئات التي لن تقع، وانسحبن إلى الصّمت المطلق الداجن كرجل أبى عبد الله الصغير الأندلسي، أو خيفة من أن يتحرّش بهن الموت المغتصب ويفعل بهن الذي فعله بصفية كتو أو نادية قندوز أو يدوسهن كما داس على نجاح حدّة أو غنية سيد عثمان والأخريات في روعتهن الظّاهرة، في توارهن خلف سجف الظلام، ثم في عودتهن المرتقبة المباغتة الخلاسية كنصيرة محمدي ورشيدة خوازم.

بعد 5 أكتوبر 1988 بدأ التحوّل

الأولاد يُغادرون بيت الطّاهر ليلاً

لقد فعل الشّعراء والقاصّون والبنات ما فعلته الملل النحل بالديانة الإسلامية وذلك الذي فعلوه أيضا في منظمات أدبية وجمعيات قلم ومجالس شعر وأمسيات، أي الفرقة المشتهاة، الفتنة كالغثاء الأحوى، الانزياح نحو الأدب باللاأدب، متجنّبين في آخر الشوط الطاهر يحياوي وصرامته النحوية، القلمية والإدارية، ذاهبين معطوفين على ما سبق من المداس والنّضال والطّموح..

كان ثمّة طموح بحقّ عند أبو بكر زمال و شركاؤه في أن يكون للجزائر العاصمة أدبها وإبداعها، أي جمعيتها وجماعتها، وأن تكون لها الرؤية دونما أحادية أو فرار إلى السّلطة، وأن تكون الثقافة حرّة طليقة غير مشدودة من خاصرتها، رؤية متلازمة مع مدرسة مولود حمروش – آنذاك – الذي أطلق العنان والأيادي والأصوات لكل الحساسيات الصامتة والناطقة، إذ كنا حينها – كجزائريي ذالك الوقت، و أنا واحد منهم – على امتنان وافر للحظة والرؤية والفكرة من أن الحمروشية أخلت الفعل الثقافي للفاعلين فما ضرها إذا انتفع بها الصبيان والناشئة وصغار أكتوبر ومن فاتته الصّدفة في العمر أردفها بالتعبير العاكس و بروح أكتوبر..

كان ذلك يجري في كلّ شيء،  سار على وتيرة حكومية بدت ذكية بيد أن الشارع الإسلامي كان يغلي، يؤجج، يتطرّف، يغالي، فيما استدعى ذلك تخويفا للعالم الثقافي والدين والإقليم..

توعّد علي بلحاج في مسجد السّنة في باب الوادي بأن لا تغني ليندا دي سوزا وحضر الهاشمي سحنوني، معه رجالاته من مسجد صلاح الدين ببلكور، حاملين سيوفا وسواطير حتى يغادر فورا من هم في قاعة الأطلس وإسكاتا لحنجرة آيت منقلات الرقراقة، وروّجت جريدة “المنقذ” لدعاوى تكفيرية مسّت مثقفين أخرين عقب دفن كاتب ياسين.

بدا الحاضر مسرفا في عتمته، ضاربا في الغبش، مرتدًا إلى ماضويته التي كانها وكان عليها. وطبيعي أن يهرب هذا الريف الأدبي إلى قراه ومداشره ويحيا في العاصمة بقايا كتّاب، شعراء متوسدين الأفرشة العطنة التي تمنحها مؤسسات الغباء الرسمي كلما احتاجت إلى النوفمبريات المقدّسة، فيذهب أيضا هؤلاء المردة من الشاعرين بالمظلومية والغبن من الجميع إلى تجارب أكثر مرارة من ذي قبل.. الصوفيون الحالمون إلى أحلامهم واحتلاهاتهم، الكاتبات البنات إلى الطاعة و بيت العمى واللجوء المطبخي، فيما يؤسس إبراهيم ميهوبي سعدي “رابطة الأدب الإسلامي”.

صعود الأدب الإسلامي في التّسعينيات

للإسلام السّياسي جمعيته الأدبية

اعتبرتها طرفة الطّرفات أن يهمس في أذني الطّاهر: أيّها تختار؟ وأنا صغير على هذه الأشياء البالغ لأقل من عقدين، الكاتب إلا بضعة خواطر مارات على محمد دحو و الطاهر وجريدة “الأضواء” الأسبوعية وشذارات طفولية أراسل بها الإذاعات، إذاعات إلى اللحظة يرن على مسمعي صليل أصوات، مقدميها، أسماء وإذاعات، ذكريات تنثال وتهمي حنينا جارفا على القلب الغض~ الذي لا يرد نغما أو اسما أو رنة أو كلمة أو عبارة أو عبرة من عبرات المنفلوطي، جلال وفاطمة ولد خصال، صوت العرب، في كلّ مكان، في هولندا، ألمانيا، مونت كارلو، إذاعة الشرق.. وعلى الذاكرة طنين الميلادي1 الطنجاوي

فأذهب مطاردا الإذاعات بشذراتي علًهم يقرؤونها فيأتيني بريدهم تحت جنح الليل الحالك، في أماسي الشتاء العاصمي، القسنطيني، الوهراني حينما أكون أو أترحل مع فرد من أفراد عائلتي..

حكاية الحكاية هي مع الطّاهر النّحيل، الملاعب لدخانه، المسافر معه، إذ حيث يذهب دخان الطاهر تذهب أفكاره وروحه. مكررا: تذهب مع إبراهيم ؟ أم تبقى معي؟ ولقد اخترت نفسي، نداءها الأول، وحيث الطاهر كان الوسط كان يدوزن ويزن، أصلاني أصالاتي وكان قد نشر لي مقالات عن التمرد الأدبي، آخر أقول فيه أشياء غريبة شبيهة بالهذرمة والهذيان في أدونيس، الشّاعر النّبي، الجلي في رؤاه و في علاه وصارم القول أني هجوته دونما أفهم كتابه – شهوة تتقدّم على خرائط المادّة –.

إن الطّاهر في إبداعه – قلت – أفضل من يدوزن أداء الجميع وكان في مشروعه هذا السياق التداولي من الكلمات والعبر والنظم والنحوية يترجمه حتى التكريس على صفحته، في أعمدته، في بياناته الملقاة أيام الملتقيات، وفي يومه الثقافي إذ هو يملك الصفة الغائبة والسمة النادرة، “كوتش” ثقافي حقيقي، يؤهّل الصّغير، يمرّن، يجادل المتجادلين ويثير الشغب على المتشاغلين عن إبداع الجوهر النفيس والفكر الجسور والخلوق..

رغم مرح ميهوبي، وشغفه بالأدب، وحماسته للفعل الثقافي، صوفيته الشعرية المدلاة من قريحة النجباء العصامين، كان عصاميا لا يشق معه الغبار، مكين في اللغة، مُجاز في روايتي لتلاوة ورش عن نافع وقالون، صوت عربي قديم من زمانه الذهبي، حير قاضي محكمة حسين يومها وهو قاضي من أولئك الذين نبتوا على صحاح اللغة والبحر المحيط ولسان العرب فضلا عن إمامته بثكنة بوغار مانحا  إياه الثقة الجنرال المرحوم هجرس..

ولذلك كله أكثر ما كان شفيعي في أن أنسجم أنا مع أطروحة “الأدب الإسلامي” وأدب الغرباء وهي أطروحة الوقت والزمان والحال نشأت رديفة، متلازمة مع تيار الحركة الإسلامية، رغم الطوبى التي  تسبطنها لكنها ما كانت تستهويني رغم الإشباعات المرضية التي كان يتقصدها ما كنا نعرفه بالأدب الإسلامي أدب ترنيمي حزين بالٍ، متمحور حول سجون الإخوان في العهد الناصري، الهوس الأفغانو – فلسطيني، مقتلة سيد قطب وعبد القادر عودة، مقتل بنان الطنطاوي السورية في مدينة آخن بألمانيا، عذابات بعض من مسلمي الأقليات في كشمير وغيرها، إذ كانت هذه المدرسة هي التي انحرف نحوها سعدي مبالغا في وهم الحالة العربية، بيد أنه كان ينزاح لماما نحو مغايرة جاذبة ظللت على الصّغر أبتغيها و أفضلها فهو القائل:

“عرب قالوا../ رحم الله سناء

عرب قالوا/ ما نجيد سوى الرثاء..”

وليست هذه الإنزياحية والنّزول إلى العالم السّفلي وحدها، فقد كان – خفية – يتسربل بأعطاف الحلاج، على مخدة ابن عربي ينحني ظهره مرددًا الشّيء الصّغير الناثر من فصوص الحكم، او سارقا كلص معتوه جبّة السهروردي مرتلا ذكرا حكيما من عوازف معارفه..

  • لم أختر الأدب الإسلامي وواحدا من رموزه في الجزائر، لا لكي أطعن في بعض جمالياته وأسلوبياته أو حتى في تيماته. بلى، بل إن الحركة الإسلامية نفسها لا تريده الا مرددا بخطابية جوفاء مخبولة تردد النصر وأحلام العودة وفنتازم الخلافة التي خرجت في عام 1924 والتي لم تعد كما كانوا يلقنونا يومها..

كان ميهوبي نفسه يقول لي إن الحركة الإسلامية لا تريد الأدباء إلا كي يكونوا طوع بنانها ورهن خناجرها، إنها تكره الأدب وتمقت الشّعر وتمتعض من سلطة الأديب..

بقينا نطرح، إلى اللحظة، السّؤال الإشكالي: “من الذي أحضر الأدب الإسلامي إلى السّاحة الثّقافية؟”.

هل هي الحركة الإسلامية أم العكس! الأدب هو الذي أسلم وأعلن إسلامه وحسن إسلامه كإسلام أبي سفيان فصارت تعنيه الموضوعات المدبلجة إسلاميا!

يتبع..

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

بشير الذي انتصر بالسّرطان على الصّحة

بشير لم يكن صديقاً عزيزاً وإنساناً طيباً وحسب؛ بلّ كان ابن خالة تتقن فنّ الحديث …

المواقع الإلكترونية الثّقافية .. أسئلة الحضور والغيّاب

لا شكّ إننا أمام حقيقة لا مراء فيها وهي استحواذ الأنترنت على جزء كبير من …