الجمعة، 15 ديسمبر 2017

بشير الذي انتصر بالسّرطان على الصّحة

ضيف حمزة ضيف

بشير لم يكن صديقاً عزيزاً وإنساناً طيباً وحسب؛ بلّ كان ابن خالة تتقن فنّ الحديث كما يتقنُ واحدنا التعرّف على أشباهه القلّة.
كان بشير ممتنعاً عن الصّمت دوماً، إنّه يتورّط بالأحاديث ويمسك بطرف الكلام كما يحلو لهُ.
بحوزتهُ رأيٌ في الدّين وآخر في الحياة، وأراءٌ لا يحدّها السّامع أو يعترضها المجادل في السياسة والمرأة والفن والموسيقى.
قد يحدث كثيراً أن تصادف واحداً من حشدٍ غير منقّحٍ من البشر، تجد فيه رغبةً مزمنة في كرّ الحديث وافتعال النقاش، حتى لو كنتما بصدد الافتراق أو على وشك الانصراف.

قد تجدُ في خريف البشريّة المقموعِ بالجدّ الفارغ، من يقدح التقطيب بالخرق، ويقتل الدّمع بالابتسام، ويجتاح الكآبة بالتنكيت. على أنّه من الندرة بمكان؛ أولئك البشر المغرقون في الجدّ في زمن البساطة اليدوي، ومع ذلك يحفظون لأنفسهم قدراً غائم الحدود من السخرية والتفكّه، إذ إنّهم ليسوا طارئين جدداً البتة على الاجتماع الدنيوي، سوى ما نعرفهُ عادةً  وامتثالاً في الزمن الخريفي، إذ يخلط الله الصيف بالشتاء ولا يبالي!
بيد أنّ بشير لا يعرفُ الفرق الذهني بين أن تكون تعيساً جداً وتضحك، وبين أنّ تكون كئيباً للغاية وتنكّت، وبين أن يكون غيرك منشغلاً بغيره، فيما أنت تؤلّف ضحكتين لغيمتين رماديتين فقدت طريقهما السّماوي في وجه بشير، وانحدرت في الأفق، كصبي تائهٍ في سوق الكبار.
آخر مرةٍ رأيت فيها بشير كان في محله، يرتدي أسمالاً بالية، حيث يلحُم الحديد بالحديد، ويفاتحك دون أن تدري أو تشعر أو حتى تتروّى، بالتنظير لقيمة الحديد في حماية البشر من التعب، ثم يقفل عائداً لحمل المطرقة من رأسها، والاشارة إليك بطرفها دون ينبس ببنة شفة.
إنّ بشير يُدافع عن فقره، ويتحامل على نفسه لكي يُفرح محدثه، مثلما يمسح يدهُ من مسحوق الحديد المحترق قبل أن يصافحه في عجل، ويعود إلى عمله.
كان لديه ما يكفي من الجهد الآدمي لمكاسرة الحديد ومداورة البشر في آن واحد، كأنّه يكلّف غيره بالكلام ما يتكلّفه بيده، فما إنْ يلتفت إليك في محله الصغير، ويتفرّس ملامحك، حتى ينطلق البخار من زرادي الحديد المحترق، فيبدو حالذاك كأنّه صاروخ على أهبة الانطلاق.

وفوق هذا، لا يُجهز على الحديد ويشطرهُ إلا وهو يضحك، رافعاً سبابته كنبيّ موثوق الصلة بالسماء، وغريباً عن الدنيا، هامساً بصوتٍ مبحوحٍ يقطعهُ السعال: إنّ الحديد مثل البشر تماماً يا حمزة، فيه الطائش والهشّ والصّلب، وفيه التافه والمرن والحقير ابن الكلب..
عندما يتكلم بشير عن حزب الله اللبناني الذي يستحضرهُ في كلامه معي دائماً، يحكمُ قبضتهُ ويضرب الهواء، ويمسك ذقنه المحلوق ويصرخ مقلداً أمينه العام، ومردّداً تصلية الشيعة، راكلاً برجله في الآن ذاته، ما يفترضه من وجود الصهاينة بجانب الزرادي الحديديّة المشتّتة في زاوية دكّانه الصغير، ولاعناً فرنسا، وواصفاً أعداءه بعملائها الحمقى. ثم وبدون أيّ توطئةٍ، يعطي بشير رأيه في حلاوة النساءِ، مفضلاً ما يعتقده؛ تفوّق طبيعي للمرأة العربية على الأجنبية، مشيراً إلى صدره بشكلٍ فجّ، ومقلّداً لنجوم الرقص الأفقي في الفضائيات العربية.
تلتمع عينا بشير بغير سببٍ، وبمجرد أن يختتم وصلتهُ، ويعود ثانياً إلى الحديد، يعضّ على شفتهِ السفلى، ويرفع حاجبه الأيسر، مصرّاً على التذكير بأنّ عدوّه في الدنيا هو الحديد والصهاينة، ومردّداً غير هيّابٍ بالمارّة، غمغاتٍ لحنية من الصعب التعرّف على هويتها الغنائيّة.
لم يدم الوقت طويلاً، حتى أصبح بشير متعباً على الداوم، يفترسهُ الصمت، وتأكل لسانه الشهقة، حتى مشيتهِ المعتادة حيث يصعد الشارع المرتفع كأنّه ينزل الدرج المنخفض، بدت متعبة ومتهدّلة، وظهرهُ المستقيم عادةً، منحنياً إلى الأمام، وصدرهُ معقوفاً إلى أعلى، على هيئة قوسٍ مقلوب فقَدَ أهميته.

بشير يُدافع عن فقره، ويتحامل على نفسه لكي يُفرح محدثه

وماهي إلا أيام حتى أكل السرطان جسد بشير، وأصبح طريح الفراش، يقابل الناس على مضضٍ، ويكافأ زياراتهم بالمسرّة..

ترجّل بشير عن كل شيء، وبدا وحيداً في عزلتهِ، فيما أمه التي كانت تحضّر القهوة للزائرين، تقاتل ضرسين أحمقين نخرا فمها، وتحارب استقرار الدموع على وجنتيّها بالنفخ المتواصل حتى يفضحان انهيارها، حتى يداها اللتان تتعاقبان عادةً على خرق الهواء وهي تمثّل دوراً هزلياً لمن تكرهه، باتت اللحظة طريحان جسدها، وممتنعان عن التحرّك..
مضت الأيام سريعاً كما لم تمضٍ عادةً في اللحظات التعيسة، وفارق بشير الحياة دون أن يتكلّم، وقضت كلّ الأحلام التي عاشَ عمراً يحملها معهُ صريعةً مع جسمهِ المهدور، لم يسلم بشير من نفسه حتّى، فقد كان يشبهُ كل سيء أمامهُ بوجهه، بل إنّه يهجو نفسهُ في خاتمة هجائه التقليدي للآخرين، ويفتتحُ الكلام بالسخط وينهيه بالرضى، كأنّه يقاتل نفسهُ عندما يُقاتل الآخرين، وينازل غيره عندما ينازل نفسه، ولكنهُ كذئب ألفريد دي فيني، يستسلمُ ويموت وحيداً.
مضى على وفاة بشير زهاء الأربعة أعوام، لم أكن أعتقد بأنّي سوف أضاهيه تناقضاً، أو أبزّه غرابةً، فقد خلوتُ بنفسي ساعة الفراغ من دفنه في مقبرةِ بنصالٍ صدئة، وشرعت أكتبُ عن فيلمٍ سينمائيّ بائس، وكنت وقتذاكَ، منغرزاً بنفسي، ومسحوقاً على طرفي، ألاحظ الكلمات وهي تتعاقب على الشاشة، في ما يشبهُ القطار السخيف حين يحدّ القرى ولا يمكّن سكّانها الفقراء منهُ، إلا بزائد الضجيج الملقى في أجمل أحلام القرويين وألذّ ساعاتهم الحميمة.
وما إنْ تتالت سنواتٌ، حتى صار بشير ذكرى، ذكرى فقيرة من الذِكر مثلما عاشَ فقيراً من الحال، خالياً من مدخّرات الحياة وفائضاً عن حاجة الدنيا إلى الحطام، وأصبح محلّهُ مغلقاً بالحديد الذي انتصر أخيراً عليه، ولم يبقَ من ذكراهُ على ذلك الباب الحديدي الموصد، سوى زخاتٍ من المطر تتقاطرُ بسخاءٍ ثم لا تلبثُ حتى تنفجر على العتبة، تماماً، مثلما انفجر السرطان في جسده دون أن يُنذرهُ أو حتى يهاتفهُ بالدوار، إنّه بشير الذي لا يتعرّف على الأشياء عادةً إلا بعد لمسها بيده، إنّه انتصر بالسرطان على الصحة، وبالمطر على الحديد المصلوب، وبالقسوة على الطيبة الماكرة، وبالحب على الكراهية الفارغة، وبالطيبة على الشيطان البشري.

إنّه الآن مع صديقي عثمان، نجمين أفقدهما السرطان الحياة، لكنهما يختطّان طريقاً في السماء، يمرّان على نافذتي كل ليلةٍ، ويغادران فجراً إلى أفقٍ بعيد، دون أن أنتبه، إلا بقدر ما ابتسمُ حين اشعر بهما، وأمضي إلى قدرٍ آخر كلّ مرّة.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

سنوات الضّوء والثّقافة والمحبّة.. سيرة غير كاملة (3)

آتون وإننا آتون من السّعير إلى الجنّة انفطرت حبّات العقد الإبداعي إلى مئة ألف حبة، …

المواقع الإلكترونية الثّقافية .. أسئلة الحضور والغيّاب

لا شكّ إننا أمام حقيقة لا مراء فيها وهي استحواذ الأنترنت على جزء كبير من …