الجمعة، 15 ديسمبر 2017

المواقع الإلكترونية الثّقافية .. أسئلة الحضور والغيّاب

د.باديس لونيس

لا شكّ إننا أمام حقيقة لا مراء فيها وهي استحواذ الأنترنت على جزء كبير من وقت الفرد واهتمامه، من حيث أنها صارت لا تغيب عن كثير من عاداته وممارساته الثّقافية وتتدخّل في رسم نمط معيشته وتساهم في طريقة تفكيره.

ولا شك أيضًا أن هذه الوسيلة المتجدّدة على الدّوام قد ساهمت في تقريب المسافات وإلغائها، وفي اختزال الوقت وتكثيف الأحاسيس إلى الحدّ الذي قد يقلب حياة البعض رأسًا على عقب ويدخله في عوالم افتراضية جديدة تماما وجذابة بطريقة ليس من السهولة رفض الانخراط فيها.

لوصف انتقال المجتمع إلى الأنترنت والإعلام الجديد، يستخدم المفكّر الجزائري عبد الرحمن عزي مفهوم “الهجرة”. هذه الهجرة الجماعية – حسبه – هي جزء من الهجرات السّابقة؛ حيث كانت الهجرة الجماعية الأولى نحو المثل في عصر الأديان، ثم الهجرة الجماعية الثّانية المدفوعة بالبيئة الطّاردة وخاصة في أوقات الأزمات والحروب، ثم الهجرة الجماعية الثالثة المدفوعة بالبيئة الجاذبة نجدها – مثلاً – في الهجرة من الأرياف إلى المدن، ومن البلدان الفقيرة إلى البلدان المتقدمة، أما الهجرة الجماعية الرّابعة فهي الهجرة نحو الإعلام الجديد بدافع التواصل وهي مدفوعة على خلاف الهجرات السابقة بعوامل طاردة وجاذبة في نفس الوقت؛ طاردة في الواقع الاجتماعي وجاذبة من خلال العالم الرّمزي الذي يؤسسه الإعلام الجديد.

لكن ما يمكن ملاحظته؛ أن هذه الهجرة إلى الأنترنت في الجزائر، هجرة انتقائية ولا تعني كلّ المحتويات الإلكترونية، ففي حين يحرص الكثير من المستخدمين (والمثقفين من بينهم) على التواجد اليومي والدائم على شبكات التواصل الاجتماعي. نجد في المقابل عدم وجود الاهتمام الكافي بمواقع الويب المهتمة بالشأن الثقافي. عدم الاهتمام هذا؛ قد يتطوّر إلى غياب في كثير من الأحيان (مساهمة في صنع المحتوى، أو تفاعلا مع المحتوى الثقافي).

شبكات التواصل الاجتماعي ومملكة الأنا

يرى الباحث الجزائري نصرالدين لعياضي أن التوجّه نحو شبكات التّواصل الاجتماعي والفايسبوك بشكل خاص مرتبط ببروز مملكة الأنا (Ego) واستعراض النّرجسية، والأمر لا يتوقّف عند هذا الحدّ، بل إنه يثير مجموعة من القضايا ذات الطّابع الإشكالي في المجتمع العربي:

  • إذا كان الفايسبوك بجانب الشبكات الاجتماعية الأخرى وبرامج تلفزيون الواقع، قد جعل الفضاء العمومي امتدادا للأنا في المجتمعات الغربية، فإنه شرّع النقاش حول مآل هذا الفضاء بين من يرى أن هذه الشبكات تتّجه بالفضاء العام نحو الخصخصة نتيجة ما يتعرّض له من تفتيت وانحراف، وبين من يعتقد بأن الأنا المثقلة بالذاتية ستثريه وتكسبه الحيوية المطلوبة التي فقدها نتيجة اعتباره إفرازا للعقلانية.
  • الفايسبوك، بجانب بعض الشبكات الاجتماعية الافتراضية، يحرّر الفرد بصرف النّظر عن مكانته الاجتماعية وانتمائه القبلي، ويتيح له الفرصة للتعبير عن رأيه ونشر أفكاره، وهذا الأمر يخلخل المعايير الاجتماعية السّائدة التي تولي الأهمية لتراتبية اجتماعية وسلطوية والتي على أساسها تُبنى سلطة القول.
  • شبكة الفايسبوك تنمي سلطة الأنا، لأنها تتمحور على التّعبير عن الذّات، وليس الجماعة، فالمُشترِك في الفايسبوك يرى صورته في هذه الشبكة، ويتلقى انعكاساتها في أصداء قائمة الأصدقاء والمعارف، لقد صار مساحة “لتجريب الأنا”.

وهذا لا يعني أن الشخص لا يكتشف ذاته إلا عبر الآخر، بل يدل على أن الشّخص المشترِك في موقع الفايسبوك يبني هويته انطلاقًا من الصّورة التي يريد أن يُعرف بها في الشّبكة، وهي عادة صورة مداهنة للذّات تعززها الشعبية التي يتمتع بها ويثبتها سجل الأصدقاء ومعارفه، ويحدّد على أساسها مكانته وموقعه بالنظر إلى هذا السجل.

عن عزوف المثقّف والدّور المفترض

وفي سؤال عن سبب عزوف المثقفين الجزائريين عن المساهمة في المواقع الإلكترونية المهتمّة بالشأن الثقافي، يجيبنا الروائي الجزائري مفتي بشير أنه  لا يعرف الأسباب، أما عنه – شخصيًا – فهو يُشارك وليس عازفًا على ذلك،  رغم أن مشاركاته قد تقلّصت، ليس في المواقع الإلكترونية فقط ولكن حتى في الجرائد، ربما شعورًا منه بعدم جدوى ذلك، أو لأن ذلك صار بشكل ما لا يضيف شيئا جديدًا.

ويضيف صاحبة “لعبة السّعادة” أنه شخصيا مستاء من الواقع الثقافي إن كان لنا واقع بالفعل، ولهذا  صارت عنده رغبة في الصّراخ أكثر على حسابه في الفايسبوك مادام يتابعه عدد لا بأس به من الأصدقاء والقرّاء. كما لو أنه يكتب في موقعه الخاص، مع وجود تفاعل مع ما يكتبه، وحوار بشكل ما.

يضيف المتحدّث نفسه أنه لا يعتبر هذا الأمر سلبيا وإن كانت السلبية والانسحاب والشّعور بالذّنب هي من صفات المثقفين الجزائريين اليوم كونهم تكلّموا كثيرا ولم يحدث شيء، وهم يتساءلون ما العمل؟ دون أن يجد أحدهم الإجابة الكافية التي تسمح بتحديد ما نريده بالفعل؟ الأمر متشابك..

في النهاية، الثقافة المحبطة بالسّياسة المجرمة، هنالك خصومة كبيرة اليوم، والسياسة تمارس علينا عنفا أكبر، حتى أنها تحدّ كل يوم من ثقتنا بأنفسنا.

أما عن دور المثقف فيدعونا مفتي بشير إلى عدم انتظار أي دور منه فهو يحسب لكلّ شيء ما الفائدة من الكتابة هنا؟ هل سأربح شيئا؟ الظّهور، الإشهار، هل يزيد من شعبيتي، إلخ. وهي أسئلة مرتبطة بمرحلة الأنا الثقافية النرجسية والمضخمة والتي تريد أن تكسب دون خسارات. تربح دون هزائم، وحتى المواقف تبدو مدروسة، أي مع المواقف التي لا تضرني أما تلك التي تضرني فلا حاجة لي بها .

مفتي بشير

الإعلام الإلكتروني كامتداد للإعلام التّقليدي

ترى الباحثة سميرة بن عمارمن جامعة مستغانم، والمختصة في الإعلام الجديد – أنه ورغم اتساع مجال الممارسات الإعلامية المتخصّصة في الفضاء الإلكتروني إلا أنه يبقى للمتلقّي دور بالغ الأهمية في  تحديد مدى فعاليتها في أداء رسالتها. حيث تتعدد وتتنوع المضامين الرقمية ذات الطابع الإعلامي (بين الاجتماعية، السياسية، الاقتصادية والثقافية، إلخ). لكن يصعب تحديد مدى انتشارها ووصول صداها لجمهورها لأن طبيعة البيئة الإلكترونية تختلف عن البيئة الإعلامية التقليدية بسبب غياب استراتيجيات للتدفق المعلوماتي المتخصّص وتوجيهه إلى الجمهور المتخصّص، بل أصبح الأمر يتم بطريقة عشوائية.

وتضيف الباحثة بن عمار مؤكدة أن الانترنت قد ساهمت بفضل تطبيقاتها الاجتماعية في تكثيف حضور الإعلام الثقافي  من حيث الممارسة فلم يعد يشمل العمل الفردي/الجماعي الرسمي أو المؤسساتي بل توجّه أيضًا إلى العمل الجماعي/الفردي المستقل فأصبحت التغطية الإعلامية لهذا المجال أوسع أكثر منه في الإعلام التقليدي الذي كان يخصص ربما مساحات زمنية قليلة مقارنة بباقي المجالات بما يتوافق والأدبيات الإعلامية.

أما على المستوى المضاميني، فترى الباحثة أنه أصبح يتّسم بالثّراء، لكن نتيجة ضعف قنوات الانتشار أصبح هذا المحتوى تقريبًا مغيب، كما أن هناك عامل آخر حاسم في هذه العملية ألا وهو نقص/ضعف التفاعل مع المحتويات الثقافية والتي بدورها تؤثر في سيرورة الإعلام الثقافي الإلكتروني نتيجة اتجاه جمهور مستخدمي الفضاء الالكتروني (خاصة مواقع الشبكات الاجتماعية) إلى الاهتمام بالمضامين الاستهلاكية على شاكلة المضامين الترفيهية والتسلية.

وتختم الدكتورة بالقول أن قوة الإعلام الثقافي الإلكتروني  لا يمكن أن تتجسّد إلا بقوة الإعلام الثقافي التقليدي والذي يجعلها بدوره امتدادا له لا انفصالا.

ماذا عن الهوية الثقافية الجزائرية؟    

في مقابل ما ذهبت إليه الباحثة بن عمار، ترى الباحثة هناء عاشور – من جامعة أم البواقي – أنه ورغم ظهور عدد لا محدود من المواقع الإلكترونية (كأهم مظاهر الإعلام الإلكتروني  في الجزائر)، ورغم أنها تُحاول أن تؤدي وظيفة الإخبار، لكن للأسف فشلت في ذلك خاصة ما تعلق منها بالمواضيع الثقافية، حيث أنها تعتمد على اجترار ما يتم تناوله في الصّحافة الورقية أو ما يعرض على البرامج التلفزيونية، هذا ما يبعث على النفور منها، بالإضافة إلى اعتمادها  في نشر الإشاعات وتغليط القارئ والاهتمام بالمواضيع التافهة. إلى غاية اليوم لم نشهد موقعا ثقافيا جزائريا خالصا يهتم بجميع تفاصيل الحياة الثقافية في الجزائر بحلّة عصرية وبأقلام متميزة تستطيع جذب القارئ إليها هذا كله في حلة جميلة واحترافية.

وتضيف المتحدّثة ذاتها أن من خلال إطلاعها على بعض المواقع الإلكترونية الثقافية الجزائرية جعلها تلاحظ غياب جودة وجدية المواضيع المطروحة، هذا بالإضافة إلى محاولتها تقليد المواقع الإلكترونية الخليجية في طبيعة الإخراج والمواضيع المتناولة فيها.

لذا تدعو الباحثة إلى استفادة هذه المواقع من الهوية الجزائرية وتنوع الثقافة الجزائرية لكي تستطيع جذب القارئ لمواضيعها مع الاهتمام أكثر بطريقة تصميم وإخراج المواقع.

كسر الاحتكار في المشهد الثقافي التقليدي

نختم هذا الاستطلاع  بما أفادنا به الدكتور عيسى مراح – من جامعة بجاية – حين أجاب عن سؤالنا حول رأيه في واقع المواقع الالكترونية الثّقافية الجزائرية؟

الباحث يرى أن ما سمحت به الدعيمة الرقمية للثقافة في الجزائر هو السّماح لرجل الثقافة والفنّ بالتعبير بأشكال مختلفة وغير متعارف عليها العصامي والمستمر وتملّك ثقافة رقمية وتحكّم تقني. كما وفّرت له فرص للمقارنة والإبداع وتكييف نسقي. كما يؤكد الدكتور عيسى بوجوب الإشادة أيضا بكسر ظاهرة الاحتكار في الصّفة التي يتميز بها المشهد الثقافي التقليدي خاصة مع التميع الثقافي والانتقائية والإقصاء الإعلامي (رفض التنوع، الجندر، التجديد، القيمية).

عيسى مراح

أما ما أبهره أكثر هو فرض الشباب للأشكال التعبيرية والإبداعية الجديدة وصيرورة الاحترافية التي عرفتها العديد من الأسماء التي كانت تمارس الثقافة الهاوية عبر يوتيوب والشبكات الاجتماعية واستطاعت التميز والترقي بها والإنتاج الثقافي والعمل في وسائل الإعلام التقليدية.

يعترف الباحث مراح بوجود مآخذ عديدة لهذه التعبيرات لكنها ظاهرة طبيعية – حسبه – لكونها جديدة وهي نتاج الخصائص الأساسية للرقمنة خاصة لا احتكارية التعبير. ما اعتبره المتحدّث نفسه حالات مؤسفة هي السطحية التي تعرفها الممارسة النقدية للثقافة بما فيها الصحافة الالكترونية لا تتمتع بنوع من المصداقية.

ويضيف الباحث أن المشهد الجديد هذا في المواقع سيمر بالضرورة بمسار الفضول، الانبهار، التشبع، الانتقاء (من المعبر والجمهور)، المهنية مما يعني ترقية لتعبيرات وسكوت لأخرى.  ثم إن عدم مواكبة التقنين العمومي للتعبيرات والممارسات الثقافية أنتج نوعا من الفوضى (من يعترف بمن، قذف، تمييع، سرقة) مما يعني أن الدّولة مطالبة بتحيين الترسانة القانونية.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

بشير الذي انتصر بالسّرطان على الصّحة

بشير لم يكن صديقاً عزيزاً وإنساناً طيباً وحسب؛ بلّ كان ابن خالة تتقن فنّ الحديث …

سنوات الضّوء والثّقافة والمحبّة.. سيرة غير كاملة (3)

آتون وإننا آتون من السّعير إلى الجنّة انفطرت حبّات العقد الإبداعي إلى مئة ألف حبة، …