الأربعاء، 21 أغسطس 2019

صلاح باديس يكتب: بيجو 505

شوف، قال السّيد كريمو وهو يُشعل سيجارته الثّانية ويمسح بيده سطح الطّاولة السّوداء الصّغيرة في غرفة انتظار مكتب توثيق يفصله عن شارع ديدوش مراد ثلاثة طوابق، الطونوبيل هذي شريتها عام 88، أنا طلعت لفرنسا، لمونبولييه، تعرفها؟ خيّرتها بيدي ورجعت… وصلتني ف البابور، في شهر نوفمبر. كُنت قادر نشري مرسيدس بالسّومة تع هذي. سكَت السّيد كريمو وسرَح بنظرته في الستائر الخضراء الشفّافة التي يلعب بها هواءٌ صيفي ساخن، صديقه أحمد، الموثّق، لا يهتم بنظافة مكتبه ويترك النوافذ مفتوحة طيلة العام، أطنان من الأتربة والغبار المتراكم. المهم. يبدو هذا الفتى متحمساً لسماع بقية القصة، ولهذا كان السّيد كريمو يأخذ وقته في الكلام، يعرف جيداً بأنّه لا يحظى بمستمعٍ جيد كهذا كل يوم. أنا قبل ما نروح كُنت شُفت بلّي البلاد ما كانتش مليحة، أنت صغير ما تشفاش ولاّ ما كُنتش خلقت أصلاً، كي لحَقتْ لفرنسا حكيت مع واحد صاحبي بوليسي قال لي بالحرف الواحد: الحالة مش مليحة كريمو، أخطيك من لالمانية، أنا سمعت له ومزيّة سمعت له. في 5 أكتوبر النّاس وين كانوا يشوفوا طونوبيل مليحة يكسرّوها ويحرقوها، هاو باباك يقول لك، وأشار بيده إلى والد الفتى الذي كان يُمضي عقدَ شراء البيجو على مكتب الموثّق، ابتسم ببلاهة كأنّما يُصدّق على كلامه وإشارته التي أدخلته في التاريخ ليكون شاهداً. كي وَصْلت البيجو رُحت جبتها من البابور، ما حبيتش النّاس يشوفوها ف الحومة، كُنت ساكن ف الحرّاش، يقول لك هذا كاش ما سرق في 5 أكتوبر ولا منين جاوَه الدراهم، هيّا مالاّ جبتها لدار السّي أحمد هذا اللي تشوف فيه، خليتها عنده شي يامات مخبية ف الجنان تاع داره. جديدة تشعل ! الصالون تاعها جلد وهي كي الفضّة، كي شافها السّي أحمد قال لي: تقول سرقناها من الرئاسة يا دين الرّب… يقول السّيد كريمو جُملته هذه وينفجر بالضحك ثم يبدأ وصلة سُعال تجعل وجهه ورقبته يصيران في لون النبيذ، يطفئ سيجارته وهو يبتسم، يشرب من كأس الماء أمامه قبل أن يمسح على شاربه الأشيب وذقنه. من بَعد قُلت لازم عليّا نخبّيها حتى يفوتوا المشاكل هذوك… أنا من بجاية (يقولها بتعطيش الجيم، وكلّما استوقفت هذه الجيم مُحاوره، لا يُفوّت السّيد كريمو أن يُخبره بتقارب اللهجات بين بجاية والرباط وكل المناطق التي استوطن فيها أهل الأندلس) خرجت من الخدمة وخديت الطونوبيل. صحابي قالوا لي يا كريمو لازم تشري الطريق منّا لبجاية، أنا ضحكت وقلت لهم: علاش راني رافد البارود ولاّ الغَبرة؟ تردّد السّيد كريمو في شرح الكلمة الأخيرة ثم قال: يعني الكوكايين. شعَر بأنّ الفتى بدأ يشعر بالملل من الحكاية، دائماً ما يحدث هذا عندما يبدأ في شرح الكلمات والأحداث في حكايته، تنفتح ثغرات في كلامه وتسيلُ منها الذكريات، كثيفة ومحملة بكل شيء، مثل مياه المجاري، ويغرق هو بين التذكّر والحكي. هو اليوم يبيعُ البيجو 505، بعد سنوات من العِشرة والطُرق المُشتركة، والدُ الفتى مهتمٌ بالسيارات القديمة التي لا تزال في حالة جيّدة، ربما لو جاءه قبل سنوات ما كان السيّد كريمو ليبيعه، لكنّه الآن، ولدهشته الكُبرى التي تعوّد عليها في مثل هذه المواقف، لم يعُد يهتم، يحبّ السيارة، كما يحبّ أشياء أخرى كثيرة، لكنّه ما عاد قادراً على ربطِ الحُب والألفَة بالامتلاك، رغم قيمة السيارة والحكايات التي تشكّلت وتكلّست في زوايا بعيدة ومظلمة من الذاكرة، إلاّ أنّه لكل شيء عُمراً، ودّع حبيبك فإنّك اليوم مفارقه، وهل تطيق وداعاً أيّها الرجُل؟ نعم أطيق، يقول ضمير السيّد كريمو بارتياح، صار ينشُدُ الخفّة، يكفيه ثِقلُ الحكايات، صحيح أنّه يحبها، بل ويقيس البشر والأشياء بحكاياتهم، لكنّ الخفّة ضرورية كي يتفرّغ لكل هذا. وصلت مع الظهر، دَخّلت الطونوبيل، تغدّيت مع يمّا ورقدت، كانت الشتا تطيح والبرد سم، ما حبيتش نخرج. من بعد جاتني ف راسي: ما نرجعش لدزاير نبقى هنا. وبقي السيّد كريمو في بجاية، عاد ليومين في القطار، نقل عمله وحقيبته الصغيرة، واستقرّ في بجاية من جديد، استأجر أستوديو صغير غير بعيدٍ عن الميناء، وصار لا يستعمل البيجو 505 إلاّ مرّات قليلة. ثم جاءت التسعينات مثل طوفان، يمحي ما قبله ويسدّ الأفق. حتى اليوم لازال السيّد كريمو يستيقظ فزعاً على نفس الكابوس، قد يغيب شهوراً وأعواماً حتى ينساه، ثم يعود لليلتين متتاليتين فيُخرج معه كل ما مضى، يجدُ نفسه وسط الليل ينهجُ بشدّة، والسؤال القديم لامرأته في رأسه: كيف عَبَرنا نهاية القرن؟ أكثر حكاية يردّدها السيّد كريمو عن التسعينات لا يوجد فيها سهرة سُكرٍ انتهت بجريمة في سواد ليل حظر التجوال، ليس فيها ظلامٌ حتى. تطفو هذه الحكاية دائماً فوق كل حكايات الفوضى، الخليط البشع، الميك-ماك الذي يستحضره النّاس عند تذكر تلك الفترة. أنا كل صباح كنت ننوض نلبس حوايجي ونخرج، نشري الجرنان. يضع الجرائد تحت إبطه وينزل في الممشى المُنحدر نحو ساحة قيدون حيث المقاهي والفُتحة الصغيرة التي تُنزِلُ إلى السينماتيك. كان يوماً شتوياً بسماء صافية وشمس باردة، بالكاد تلمسّه أشعتها، يجلس في مقهى “ريشليو” الذي يُخرج طاولاته وكراسيه جنبَ حافّة الساحة. تفتح الجرنان غير الدم والقتل والبومبات، حتى الجرنان مكتوب بالاكحل والاحمر، ترفد راسك يقابلوك جبال البابور، كبار وعاليين وشابين ومغطيين بالثلج، بين السما والبحر، والدنيا زرقة… يا دين الرّب، تحس la Nature كانت تضحك علينا وتقول لنا ما تقدروش تشوفو هذا، قاعدين تقتلوا وتذبحوا في بعضاكم. كان الفتى قد غادر مع والده، سلّموه المال وسلّمهم المفاتيح. انتهى كل شيء. يقف في البلكون يُدخّن. كان أحمد يقرأ في الجريدة ويصله صوته من الداخل وهو يُعلّق على الأخبار: “شفت الديناصورات هذو ولاد الحرام… آه”. بعد قليل سيسمع صوت محرّك البيجو في الباركينغ الصغير الذي تركها فيه خلف العمارة، ذلك الصّوت الذي صنع إيقاعات صباحاته منذ عشرين عاماً، وسيراها تُطل بمقدمتها اللامعة وعجلاتها السوداء المغسولة على شارع ديدوش، قبل أن تنساب وسط حركة السير مثل سمكة قرش. دائماً ما كانت جيدة في الطرق المنحدرة والمتعرّجة، في منتصف التسعينات وصل صديقٌ له مع زوجته إلى بجاية، كان صحفياً نجا من عملية اغتيال وقرّر أن يهرب. بقي عنده في الأستوديو ثم قرّروا أن يوصلهما السيّد كريمو إلى قريتهم في الجبل، عندما يتذكّر هذه الحكاية يقول لنفسه: كنّا مقودين، والله لو كان جات اليوم ما نعاودها. لكنّه فعلها. قاد طيلة طريق الجبل بالبيجو 505، وصلوا إلى القرية قبل العصر، وطلبوا من السيّد كريمو أن يبيت ليلته. حكى له صديقه الصحفي حكايات كثيرة عن قريته تلك، قال بأنّهم ينحدرون من نسَلِ ابن عربي مع زوجته البجاوية مريم، وأن اسم سلالتهم هو إحاتميين مثل لقب ابن عربي الأول… لم يهتم السيّد كريمو كثيراً، بل لم يصدّق كثيراً، كان يعرف حكاية مرور ابن عربي ببجاية، لكنه لم يقرأ يوماً عن نسلِه هنا، كان الأمر غريباً بالنسبة له. مع الفجر لبس ثيابه وشرب قهوته وأدارَ مُحرّك السيارة. لازم نرجع، هذاك هو. كانوا في بداية الخريف ولكن الصباح كان بارداً وندِياًّ، وبينما هما يتكلمان واقفين جنب السيارة، لمحا رجلاً يتقدّم نحوهما، كان عجوزاً ويلبس بُرنساً أبيض، همس الصحفي بأنّه إمام القرية، صبّح عليهما، سألهما عن حالهما، وسأل السيّد كريمو إذا ما كان سينزل إلى المدينة، فأومئ هذا الأخير برأسه فطلب منه أن يأخذ حذره من الأشياء التي يمكن أن تخرج له من الضباب، ثم مدّ يده تجاه الزجاج النديّ للباب الأيسر للبيجو ورسم بأصبعه حرف “ن”، سلّمَ وانصرف. بقي يرى ذلك النون لأسبوع كامل على الزجاج، يختفي طيلة النهار عندما يكون الجو بارداً وجافاً، ويظهر في الصباح مع تشكل الندى على الزجاج. كم يبدو بعيداً ذلك النون المرسوم بالماء في هذا الظهيرة اللاّهبة. بلَع ريقه وعاد إلى الداخل. تداخلت الصور في رأسه، مطعم صغير في ساحة لا كوميدي في مونبولييه سهر فيه وأكل سمكاً وشرب نبيذاً أبيض لاسع، منظر جبال البابور من مقهى “ريشليو”، الشمس الباردة وقروابي وهو يغنّي أغنية بنفس الاسـم نفس المنظر من نافذة حانة “كافيه دو فرانس”، على بُعد أمتار من ساحة قيدون، ربما الحانة الوحيدة في كل البلاد التي تملك إطلالة بحرية جميلة… ربما، حانة لا تُشبه التابوت، تنفّس السيّد كريمو، يشعُر بالعطش، زالت كل الصور من باله وصارت بقايا في كأس بيرة بارد، زجاجه مبلول مثل زجاج البيجو في ذلك الفجر، الضباب… ضبابٌ في كل مكان، لكنّه منذ تلك الأيام ما عاد ينتظر الأشياء لتخرج من الضباب، بل صار يخطو فيه، حتى يخرج من الناحية الثانية. نظر إلى ساعته: الطناش وربُع ! وقت الغداء. سلّم على أحمد، وخرج، لمّا وقف أمام الدرج تلمّس النقود داخل حقيبة الظهر وشدّها إلى جنبه. نزل ببطء، عليه أن يأكل، الصوت المعدني للشوكة والسكّين، شريحة اللّحم نصف المشوية تتقطّع تحتهما، البيرة باردةٌ تجري في الصدر والبلعوم، حتى يلعب الرأس بين الثقل والخفّة. انحدر مع شارع ديدوش مراد، قطعَ بضعة أمتار قبل أن يستدير على اليسار، مع شارع بيردو، واصل على الرصيف الأيسر، تجاوز المخبزة التي فاضت على الشارع بالزبائن والرائحة، فكّر في كمية الخميرة الكيميائية التي يضعونها في العجين حتى يُطلق هذه الرائحة في أضرار ذلك، تلاشت أفكاره بسرعة عندما قرقرت بطنه، اجتاز الطريق الضيق إلى الناحية الثانية، ووقف أمام الباب المعدني الأسود الذي كُتب فوقه:

RESTAURANT CHEZ ZIDI

يمسح حبّات العرق على جبينه. تصله الأصوات من الداخل، شيوخ وكهول، صحفيون وموظفو مصالح حكومية، الديناصورات الصغيرة كما يسميهم أحمد، حنا تاني ديناصورات ولكن ديناصورات من صنف “ناس ملاح”، ناكلو الحشيش، يقولها ويضحك. يدقُّ الديناصور المسالم ضخم الجثة على الباب، فيفتح له، يضحك مع النادل الواقف في إطار الباب، ثم يخطو كي يبتلعه ذلك العالم الذي تطفو فيه الحكايات قبل أن تُمضغ مع اللحوم أو تسقط في كؤوس الكحول.

 

 

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

العاهرات يعدن هذا الأسبوع

بُترت ساق الطّريق، وانفض من حول الحمام الرّيح، تعكّر مزاج السّماء لكنها رفضت أن تنوح، …

يوم تافه... وأشياء أخرى!

يوم تافه… وأشياء أخرى!

على نافذة الغرفة، لم تعد أمي تضع قشور البرتقال، لتجفّ. ما عادت أيضا تضع قشور …