الجمعة، 15 ديسمبر 2017

سنوات الضّوء والثّقافة والمحبّة.. سيرة غير كاملة (2)

عبد الوهاب معوشي

كانت لنا أيّام في صالون الطاهر

لاقى هذا الكاتب، القصّاص، الخواطرجي، صاحب العمود في جريدة “المساء” – على درب النّور – كلّ الذي لاقاه من الضيافات والالتفاتات من الكتّاب والشعراء والفنانين من التشكيل المعرب المحافظ رغم بعض الإنزياحات والإنزلاقات من هذا وذاك..

من عبد الوهاب تمهاشتت من العلمة وإباحيته، ياسمينة صالح وهي تكتب قصّتها التي أشهرتها وأظهرتها للرّأي العام الأدبي – الهوايش – تمريرات أبوبكر زمال و مصطفى دحية بأنفاس صوفية ولفيف أجنبي آخر..

كانت تسعده “إبداع” بحيويتها، بمشروعها، بفكرها الطفولي ومنزعها الصبياني النّقي، فالدينامو الطاهر يحياوي ظلّ يستنكف، يمتعض، يقلق لحال هذه الاتّجاهات الوافدة، الآتية عليه هو وأصحابه من مجايليه كريح صرصر عاتيه إذ يغدو يشنّ الحملات في الكتابة و في المجلس، في السرّ وفي العلن عن دخلاء الحداثة والحديث – لم تكن ما بعد الحداثة دخلت على النّسيج الأدبي الجزائري – عن الصّوفية الملحدة، عن القصيدة الحرّة، وعن القصص القصيرة ذات الدعوة إلى تمزيق الخمار والإخلال بمنظومة المحافظين الذي يملؤون فضاء “إبداع” وأنديتها..

تلك كانت موضوعات طاهر الدائمة، سجالاته الدامية، معاركه الإستراتجية حيث يعمد إلى ترصّد الكتّاب الخارجين عن مطالع النّور وعن – الوطني وعن الأصيل – وتلك هي من ملحوظاته إلى ظلماء الحداثة..

-1-                            

إلى ظلماء الحداثة وكتابة السّديم ونصوص العتم. مرّة يصرح ومرّة أخرى يغمز في حقّ نجيب أنزار، والمرحوم جمال اسميرة، ابوبكر زمال، جمال نصر اللٌه.. ومرّات كثيرة في شيلات حمامة العماري.

إن الطاهر ظلّ يجيد هذه اللًعبة العراكية وهو الناشئ على هذا الأدب المماحكاتي النقائضي المقطوع الصلة بالفلسفي وأسئلته وكانت تلك، هي المرحلة بعنوانها المفضي إلى البحث عن الطريقة والطريق، عن الخلاص والمذهب، عن الأيديولوجيا الأخيرة بعد حقبة “أفلان” بئيس زلزلت يقينياته وشوشات أطفال أكتوبر الدامي من عام 1988.

إن أدب – إبداع – لم يكن إلا هذا الإمتداد للحضور اللاٌمديني، الإنعزالي المنشد المرتكس على محافظتيته، أدب أحمد شوقي وأحمد أمين وعباس محمود العقّاد ومصطفى صادق الرافعي من “كتاب الصنّاعتين”، ولذلك انبرى شبّان كثيرون إلى تغيير الأجواء بعد انقضاء أشهر تسع من الإندفاع المحموم وراء التجربة  وقد كانت تجربة في الوجود الأدبي الجمعي، تجربة في الردّ على زئير “إتحاد الكتّاب” بثقافته الرسمية المؤدلجة وبؤسه الخطابي الواضح المعالم، بيد أن لهؤلاء ولهؤلاء من الفريقين تنابذ وتنافر رغم الإنتماء إلى خانة المعرّبين بمنزعها اللاحداثي واللاعصراني مع دفتر شروط متناسخ وموحّد، الكتابة بالعربية ضدّ العامية، ضدّ الأدب الصّوفي المتحرّر، ضد الكتابة المتحررة من الشكل أو من الأخلاق، ضد الفرانكوفيلية، ضد الأدب الوطني المكتوب بالفرنسية، ضد أحلاس الماركسية كما كان يسميهم رئيس الرابطة، وها هو عود الإسلاموية يشتدّ، وها هو الإندماج يحصل كيفما أريد له تكتيكا وعقيدة، فالوطني الأصيل المحافظ الوافد من الولايات لن يماهي إلا  رديفه..

-2-

إلا رديفه الإسلامي المحافظ البدوي المهاجم على ساحات المدينة الرحيبة، لأمكنتها الميسورة العيش، لنسائها المطلقات السراح من قيد الدين أو القبيلة

الطاّهر يحياوي

يوم ذهابنا إلى سيرتا الإسلامية

قبل أشهر من بكالوريا عام 1990، جاءتني الدعوة الأدبية لزيارة قسنطينة إذ نظمت بلديتها الملتقى الوطني الأول للإبداع، مستضيفة الرابطة وأصدقاء الرابطة وعشّاق الشعر والقصّة والأغنية الملتزمة – مفردات ذلك الزمان –. لقد ذهبنا ثلاثتنا وكنت الأصغر ربما في كلّ هذا الجمع، الطاهر يحياوي، إبراهيم ميهوبي، سعدي وأنا مصادفين لرابح خدوسي وخضر بدور.

ما أحلاها قسنطينة ذات شتاء. ما أحلاها قسنطينة يجرحها البرد وورد الشّعر وصوت المحبات، هناك، هناك في مدينة قسنطينة الإسلامية كما كان يذكرنا الطاهر يحياوي ونحن في المقعد الثلاثي لطائرة الخطوط الجوية الجزائرية، ذاهبون نحن إلى مدينة الشيخ محمد الغزالي، إذ كان الشيخ لتوه قائما على شؤون المجلس العلمي للجامعة الإسلامية بمعية عمار الطالبي وأهل قسنطينة مهيمنون على المدينة تاريخا وجغرافيا ومؤسسات، لقد كانت أفضل حينها من ينظم دورة كهذه لألعاب الشعر والنّظم والبلاغة، وطنيون جاءوا بأعطاف الشّهادة والشّهيد.. تيارات أدبية من مدرسة زكي مبارك وحافظ إبراهيم و لقو محبيين، من أصالانيين وأصوليين.. بقايا من بقايا إتحاد كتّاب مهترئ، لكن الذكرى كانت أجمل من أن يردمها النسيان أو يأكلها الغبار، رأيت يومها لثاني مرة أو لأولها نور الدين درويش وعبد الوهاب زيد وعاشور بوكلوة ومراد بوكزازة والتقيت بشير مفتي وعلال سنقوفة واستمعت لرابح خدوسي وخضر بدور وأمينة بلعلى والصالح بلعيد وصالح الصافوطي..

-3-

بل إني رأيت المتسربين من جلباب الأحزاب الإسلامية الحديثة النشأة وهم يذرعون أروقة فندق “دار المعلم” أو يهبطون أدراج الساحة القسنطينية المعروفة المحايدة لمقهى البسفور، يالتاريخية هذا المقهى الآيل إلى الاندثار!.. مع سيرتا الحضارية من موسيقى وطرب أصيل يطلع من حنجرة فؤاد ومان الصّادحة في كلية الشعب كما كانت تسمى، من قصيدة مدمات هادرة لعيسى لحيلح عن جبهة الإنقاذ أعطيناك عهدا ومن رهط تعدّد في المشروب الفكري وفي المأكل البراغماتي التحقوا – إبداع – هروبا من خواء في المتعتقد، أو بحثا من أجل شغور في المكان أو تطلعا أدبيا نزقا محملا بالطوبى وشطحات الخيال الصافي المشعّ.

رأيت في سيرتا الإسلامية، الإسلاميون المتوعدون الواعدون.. المتصوفة الممتلؤون بحبّ الله والشراب الأحمر، اليسار الثقافي الحائر، وأطياف مالك حداد وجمال شندرلي وعلالوش والفرقاني وجماعة “أعصاب وأوتار” وحكيم دكار و قسنطينيات كثيرات يذهبن كلّ صباح بارد إلى دثارهن الأسود، “فيس” و”نهضة” و “جزأرة”، مسجد البيضاوي وتلاميذه المنشدون.. هناك، هناك في صالون إبداع رأيت واستمعت لأبوجرة سلطاني وهو ينظٌر للأدب الإسلامي جامعا الدعابة السخيفة مع الفذلكة مع شعر الأولين.. رأيت واستمعت إلى حسن خليفة وحسن كاتب وهما ينظران للظّاهرة الجمالية في الإسلام، إلى الصالح بلعيد وهو لا يأل الجهد والوسع في ذكر محاسن اللغة العربية وقدسيتها عابرا بحارها، مرجانها، لآلئها وصدفياتها الكامنات، نحن الحيارى بين الأدب واللا أدب.. الهاربون من فنّ..

أبوجرة سلطاني كان ينظٌر للأدب الإسلامي

-4-

الهاربون من فنّ التّشبت بالأصاليات، الباحثون عن نوال السعداوي، حنا مينا، نجيب محفوظ، يوسف إدريس، وغادة السمان وغسان كنفاني..

خدعتني يا غسان خدعتني يا بشير: إلى اللحظة لا أذكر سبب أو سرّ أو كيف التقيت ببشير مفتي.. في رواق من هذه الرواقات، في نصّ مقصوص من هذه الصحف التي سارت، في قصة قصيرة كتبها عن غسان كنفاني بعنوان لطيف ومثير: “لقد خدعتني يا غسان “.. عن الهوس بكلّ ما هو فلسطيني نشرها بشير بصورة له مازالت في البال لم يكن لقاء الثقافة والمحبّة والضّوء هذا إلا لقاء المتجابلين القرابى من بعضهم البعض ما بين آواخر الستينيات له وأوائل السبعينيات بالنسبة لي.. ثم كوننا محسوبين من جماعة  العاصمة بالنسبة لقرناء – كان الوهارنة قلّة – من الشّرق الجزائري أغلبهم. ولا أعلم خبيئة الأيام والقلوب والأفكار في كون الغرب الجزائي متاح دوما بحر الأسئلة وجبهة الفلسفة والشرق للشعر العمودي والتفعيلة، لأسلمة الأدب والأغاني الكلثومية..

كان بشير مفتي وعلال وعبد الهاني مسكين ويوسف شنيتي مثار حديث الطاهر عن برمجته لهم أعمال للطباعة و تقديمهم للساحة “صنع الإسم” عبارة تعتبر سحرية على لسان مؤسس الرابطة..

صناعة أسماء، إبرازهم، إخراج أعمالهم إلى النّور، فالكتابة نور ولن يطفؤوا نور الله، على مسمعي ترن كلماته بنصلها الحادّ، بتهوّرها النّضالي بتوثبها المستوحى من أدب الأولين، من صدقيتها الداخلية وارتجاعها الأيديولوجي لأنه الحزب الأدبي التابع لقسمة جبهة التحرير الوطني وخلاياه التي لا تنام إلا على التصفيق أو الهتاف.

-5-

حقيقة إعتبار هذا الجيل – جيل بشير وعلال وعقاب و زيد ومحمد شايطة ومسكين وغيرهم – حملة القلم الأول، الباكورة العذراء، المبتدأ المرفوع إلى أكتوبر 88 ، لأكتوبر الثقافي الطّارح لأسئلة القيمة والرمز والإمتحان المبدع المتوتر..

لقد انطرحوا على طاولات إشكال وتلبس، تلبسوا بآخر ثوب أبائي..

بعضها متفرع عن هذا الأدب “الوطني الأصيل” المليء بالبثور والبلاغة الهائمة نزوعا نحو الماضوية وفيما هم يحاولون الإنصراف إلى الوطن الجمالي الحقيقي المُصاحب للسّؤال والقلق والعقل المتشكك.

كان بشير وأصحابه في لحظتهم القسنطينية تلك – في محفل الطّاهر – يتوجّسون خيفة، يضربون أخماسا بأسباع عن هذه النظريات الخلاصية التي تشيطن وتدنس وتنجس نجيب محفوظ والسّياب ومحمود درويش ومخائيل نعيمة لفائدة نجيب الكيلاني وعماد الدين خليل وسيد قطب..

يتبع..

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

بشير الذي انتصر بالسّرطان على الصّحة

بشير لم يكن صديقاً عزيزاً وإنساناً طيباً وحسب؛ بلّ كان ابن خالة تتقن فنّ الحديث …

سنوات الضّوء والثّقافة والمحبّة.. سيرة غير كاملة (3)

آتون وإننا آتون من السّعير إلى الجنّة انفطرت حبّات العقد الإبداعي إلى مئة ألف حبة، …