الجمعة، 15 ديسمبر 2017

اللغة الأم ولعبة الصّراعات الإيديولوجية!

رشيد فيلالي

في عام 1952 أطلقت الشّرطة الباكستانية النّار على المتظاهرين في “دكا” عاصمة بنغلادش اليوم، و الذين كانوا يطالبون آنذاك السلطات الباكستانية الاعتراف بحقوق لغتهم الأم البنغالية، والنتيجة وقوع ضحايا بالجملة.

حدث هذا قبل انفصال بنغلادش عن باكستان عام 1971 وقد ألهمت هذه الحادثة مسؤولو منظمة اليونسكو التي بدءا من عام 2000 أعلنت عن ترسيم تاريخ 21 فيفري من كلّ سنة يوما عالميا للغة الأم.

لكن في الحقيقية هناك معضلة يجب أن نقرّ بها أولاً قبل الخوض في أي تفصيل حول تعريف “لغة الأم” وهذه المعضلة تتمثّل في غياب مفهوم أكاديمي دقيق وشامل ومكتمل وواضح لما يسمى بلغة الأم!

حتى منظمة اليونسكو نفسها لا تملك الجواب الشافي لهذه المعضلة، اللهم سوى الاكتفاء بتقديم عدد من التّعريفات الفضفاضة، العائمة التي تزيد المصطلح غموضا وإبهاما وعُجمة..

على رغم صدور كرّاسات مهمة تحمل عنوان “لغة الأم” يمكن الرجوع إليها في موقع المنظمة على شبكة الإنترنيت..

و الكثير من التعريفات القديمة لاسيما منها الفرنسية، تعترف بأن لغة الأم هو تعريف هجائي للغة الأولى التي يتلقاها الطفل مباشرة من أمه، حيث كانت توصف بأنها “الدرجة صفر في الاتصال!” بمعنى أنها لغة فقيرة، بسيطة جدًا وأقلّ شأنا من لغة العمل، واليوم تكاد تجمع القواميس الفرنسية على تعريف لغة الأم بأنها “لغة الأمة”!..

ولذلك نجد هناك مصطلحين إيطاليين أكثر انتشارا يحددان القيمة الوظيفية للغة الأم في مقابل لغة الحياة العملية، وهما لغة المنزل “La lingua di casa” ولغة العمل أو الخبز “La lingua del pane”..

وفي تصوّري أن أهمّ دراسة أكاديمية جادّة عالجت هذا الموضوع بعمق هي تلك التي أنجزها البروفيسور ديفيد بيلوس من جامعة برينستون في كتابه الرائع بالإنجليزية الأمريكية الذي يحمل عنوانا طريفا وهو “هل هي سمكة في أذنيك”. ففي الفصل السّادس من الكتاب يؤكد لنا المؤلف على أن مصطلح “لغة الأم” غير دقيق ومثقل بالكثير من المعاني والدلالات والأبعاد الإيديولوجية، وقد تفطنت حسبه الجامعات الأمريكية والبريطانية لهذا الأمر، وصارت توظف مصطلح “native language” بدل “mother tongue” رغم أن المصطلحين متقاربين جدًا في المعنى المركزي..

مع العلم أن البلدان اللاتينية أو على وجه الخصوص فرنسا لها حساسية شديدة ضدّ هذا المصطلح ولا يعترف به أصلا على المستوى الرّسمي!

ويُعلّق البروفيسور ديفيد بيلوس – الذي يعتبر من أكبر المختصين – في ميدان الترجمة والأدب المقارن، أن أوروبا كانت تتكلّم اللاتينية لمدّة ألف عام، من سنة 700 إلى غاية 1700، حتى أن كلّ الدّراسات والبحوث والاكتشافات العلمية والنظريات في مختلف العلوم والآداب والفنون والفلسفة وغيرها من المجالات الحياتية، كانت تتم باللغة اللاتينية فقط، فيما بقية اللغات الأخرى ظلّت على الهامش من دون تأثير يذكر.

والحقيقة أن هذا ما حدث في العالم الإسلامي أيضا مع اللغة العربية، التي كتب بها الكلّ من جميع القوميات دون استثناء وبرعوا فيها، ولم يكتبوا بلغتهم الأم بمن فيهم سكان البربر في شمال إفريقيا (البخاري، ابن سينا، محمد بن آجروم ..) وبلغ الحدّ ببعضهم (الثعالبي/ فقه اللغة) أن قال: “لئن ألعن باللغة العربية خير لي من أن أمدح باللغة الفارسية”(لغته الأم)!

الطّريف في الموضوع أن البروفيسور ديفيد بيلوس قام بسرد تجربته الشّخصية في كتابه المذكور، بغرض تقديم تحليل أعمق وأوسع لما يتميّز به مصطلح اللغة الأم من إشكالية وتعقيد، حيث ذكر بأن والده كان يتحدث لغة اليديش (وهي خليط من العبرية والألمانية) باعتبارها لغته الأم، وذلك في محيطه بشرق لندن منذ حوالي 90 عاما، قبل أن يتعلّم الإنجليزية في المدرسة وتصير لغته اليومية.

وحدث الأمر نفسه مع زوجته التي كانت تتحدّث المجرية لغتها الأم، قبل أن تتعلّم الفرنسية عندما انتقلت إلى فرنسا للعيش هناك وهي في سنّ الخامسة من عمرها، وتصير من ثمة بمثابة لغتها الأم.

وكما أشرت في حديثي أعلاه إلى أن اليونسكو أعدّت كرّاسات حول لغة الأم ويمكن للمطلع عليها أن يتأكد بأن المسألة ليست بالبساطة التي يتصوّرها البعض، إذ نجد مثلا تجارب بلدان عديدة في ميدان التعليم باللغة الأم ناجحة، ونحن لا ننفي إيجابيات ذلك بل نؤكد عليها ونشدّ على أيدي من يُمارسها، لكن قبل ذلك يجب أن نعي جيدا شروط الوسط السوسيو – اقتصادي والثقافي لأي بلد، كي لا نقع ضحية التّنظير الأجوف والنزعات المثالية والإيديولوجية البعيدة عن الواقع فيما يخص اللغة الأم، إذ أن هناك تجارب تتحدث عن نفسها، مثل تلك التي تمت في مالي، حيث يتحدث السكان 13 لغة محلية إضافة إلى الفرنسية، ومهما كانت النتائج المحصلة فإن مالي تبقى دولة متخلّفة في التعليم إلى أبعد الحدود، ولو أن الجانب الاقتصادي فعلا يلعب دورا في هذا التخلف، لكن الواقع هو الواقع!

هناك أيضا تجربة بابوا بغينيا الجديدة، حيث يتحدث سكان هذا البلد المقدر عددهم بقرابة الست ملايين نسمة ما لا يقل عن 820 لغة!

طبعا يتم التّدريس بعدد كبير من هذه اللغات في المرحلة الابتدائية، قبل الشّروع في تعلّم اللغة الإنجليزية، اللغة الرسمية في البلاد والتي تعتبر الوسيط الأمثل بين السكان.

ومع نجاح التعليم بهذه اللغات المحلية في الطور الابتدائي، غير أن النتيجة في النهاية غير عملية، لأن في المحصلة الإنجليزية هي الكل في الكل! لدواع عملية قبل كل شيء..

وحتى في الولايات المتحدة التي تملك أقوى ميزانية تربوية في العالم، كونها تمثل 28 في المائة من كل ميزانيات دول العالم في هذا المجال، رغم أن هذا البلد يمثل 4 في المائة فقط من عدد سكان العالم(أي أكبر من ميزانيات التعليم في العالم العربي وأوروبا الشرقية والوسطى وأمريكا اللاتينية والكاريبي وآسيا الوسطى والغربية وبلدان إفريقيا ما تحت الصّحراء مجتمعة) فإن التعليم في كل الولايات الأمريكية يتم بالإنجليزية، ومعها الإسبانية في ولايات الجنوب(لا توجد لغة رسمية في أمريكا)، علما بأن سكان الولايات المتحدة قادمون من شتى بقاع الأرض وفي شوارع نيويورك لوحدها أكثر من 200 لغة أم مستعملة.. فتأمّل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …

الأناشيد الوطنية.. حقائق وأسرار غريبة!

كلّ نشيد وطني لأي بلد هو في الأصل قصيدة حماسية تعبّر عن انتماء وهوية قومية. …