الجمعة، 15 ديسمبر 2017

هل يصحّ للرّوائيّ أن يكون ناقدًا في نفس الوقت؟

سماعن جلال الدين – أكاديمي

هاروكي موراكامي

سأل الصّحافي جون راي الرّوائي الياباني هاروكي موراكامي عن سبب عدم كتابته أي مراجعات أو نقد فيما يخصّ الأدب الياباني ولماذا لا يُريد أن يقحم نفسه في هذا الأمر فأجابه: “أعتقد أن مهمّتي هي تأمّل النّاس والعالم، وليس الحكم عليهم. أتمنى دائما أن أضع نفسي بعيدًا عن ما يسمى الاستنتاجات. وأوّد أن أترك كلّ شيء مفتوحا على مصراعيه لجميع الاحتمالات في العالم. أفضل التّرجمة على النّقد، لأنه بالكاد يُطلب منك الحكم على أي شيء عند التّرجمة. وأنا فقط أسمح بمرور عملي المفضّل من خلال جسدي وعقلي سطرًا بسطر. نحن بالتأكيد بحاجة للنّقد في هذا العالم، ولكنه ليس عملي.”

أسوق هذا الكلام لاعتقادي المتواضع بأن الروائيّ الكيّس من أمثال موراكامي سيُدرك – من أول وهلة – بأن الجمع بين كتابة الرّواية والنّقد كالجمع بين الأختين، حينها عليه لزامًا أن يختار إحدى الخاصيتين: إما أن يغدو روائيا أو يخوض غمار النّقد!

سيقول قائل بأنني متسرّع جدًا في حكمي لذلك سأقول له ما قاله سيمون لزميلته ميل بي حين رفضت تماما إحدى ملاحظاته في حصّة المواهب الأمريكية فرد عليها: “We call this a point of view”.. هي محض وجهة نظر سأحاول طبعًا أن أدافع عنها ساردًا بعض الأمثلة عن وقائع حدثت حين أدلى بعض الكتاب بدلوهم فيما يخص أعمال زملائهم من الكّتاب وحصل بعدها ما حصل.

وقد تابع ويتابع روّاد مواقع التواصل الاجتماعي بعضا من هذه الأحداث وكانوا شاهدين على المستوى المتدنّي الذي وصلت إليه بعض النقاشات والسجالات التي حدثت بين كتّاب جزائريين بالأخصّ.

يقول المثل بأن عدّوك الأول هو صاحب مهنتك. مثل ترسخّ في لاوعينا الجمعي وكبرنا عليه متيّقنين بحق بأن كل من يملك صنعة كصنعتك هو بالضرورة عدوّ لك. وربما أكثر المؤمنين بهذا المثل هم الروائيون. فيكفي أن يصرّح أحدهم برأي سلبي – ولو بسيط – عن عمل روائي ما إلا ويرد عليه صاحب هذا الأخير ردًا فيه من الشّخصنة أكثر مما فيه من الاستعانة بترسانة الأدوات النّقدية للدّفاع عن عمله. والسبب بسيط: الكاتب بطبعه نرجسيٌ، كيف لا وهو يقارن نفسه بالربّ، إذ كل منهما يخلق شخصيات، يتحكّم في مصائرها، شقاء أو سعادة، نعيم أو جحيم، موت أو حياة..

لذلك مهما حاول أي شخص أن يكون “موضوعيا” (ثم هل يمكن الحديث عن “الموضوعية”، سواء في كتابة الرواية أو في النقد؟ وقد قال فيليب بيسون: من واجب الروائي أن يكون ذاتيا!) في حديثه عن عمل هذا “الربّ” فلن يتقبّل منه هذا الأخير كلامه.. الأمر أشبه بالشرك والتعدي على ذات إلهية.. ولله المثل الأعلى! ولكم أن تتصوّروا الحرب التي ستقع حين ينتقد ربًا ربًا آخر!

لكن قد يتحتم على الروائيّ أن يتحدث عن أعمال زملائه وفي هذا الحالة عليه أن يكتفي بالإشارة إلى الأعمال التي أُعجب بها. التي أُعجب بها صدقا.. أن يعطي العناوين وليس مرغما بأن يدخل في التفاصيل. سيرفع ذلك من شأنه في عين صاحبه وفي عين قارئه.. (يمكنه أيضا الخوض في أعمال كتاب متوفين؛ قد يحرم هذا الأمر هؤلاء من حقّ الردّ لكنه سيجنبنا سجالات – قش بختة – لا طائل منها).

أما الأعمال التي لم تُعجب الروائيّ ويرى بأنها دون المستوى فعليه أن يحتفظ بهذا الرأي لنفسه كمبدأ التقية عند الشّيعة، عليه أن يسجّل ما رآه عيبا وتشويها في عمل صاحبه في كراسة يراجعها في كلّ مرّة كي يتفادى أن يرتكب الأخطاء نفسها (إن كانت حقا أخطاء) فيما سيكتبه هو لاحقا ولا تنطبق عليه مقولة وضرب لنا مثلا ونسي.. نفسه! هكذا سيُحافظ على علاقته مع زملائه من الكتّاب وسيُساهم في إثراء النّتاج الروائي: بالعمل وإبداع أعمال أدبية تسعى كلّ واحدة منها إلى التّفوق على الأخرى وفرض نفسها عوض قضاء وقت كبير في التراشق والتراشق المضادّ والذي كثيرًا ما ينتهي بالسبّ، بالشخصنة وبكيّل التّهم الجاهزة دون أدنى دليل ملموس.

حين سأل أحد الصحافيين الكاتب الجزائري عمارة لخوص عن رأيه في المشهد الأدبي الجزائري أجاب (إن لم تخني الذاكرة) بأنه ابتعد عن دوائره وأعرض عن الإدلاء بأي رأي حوله. موقف يُحسب للكاتب والذي بفضله ربح وقتًا كبيرًا وراحة نفسية جعلته يبدع بأكثر من لغة (العربية، الفرنسية، الإيطالية.. ومؤخرا انتقل إلى العيش في أمريكا ليكتب بالإنجليزية. كما أن حلمه هو أن يكتب يوما ما بلغته الأم: الأمازيغية!). نفس الشيء قاله هاروكي موراكامي مرّة أخرى لجون راي حين أفصح بأنه لا تربطه أي علاقة صداقة بأي كاتب ياباني وبأنه لم يشعر أبدًا بأنه جزء من مجتمع الكتّاب في أي لحظة من حياته المهنية، ويضيف: “أنا منعزل، لا أحبّ الجماعات والمدارس والأوساط الأدبية. دعيت مرة لتناول الطعام عندما كنت في جامعة برنستون في مطعم صغير – أو شيء من هذا القبيل – كان ضمن الحضور جويس كارول أوتس وتوني موريسون، وكنت خائفًا جدًا، لم أستطع أن آكل أي شيء على الإطلاق! وكانت ماري موريس حاضرة أيضًا، كانت لطيفة جدًا، وكنا متقاربين في السنّ ويمكنني القول أننا صرنا أصدقاء. ولكن في اليابان ليس لدي أي صديق كاتب، لأنني فقط أريد أن أحظى… بمسافة”.

الكثير منا وقع ضحية تصرّفات روائيين كتبوا مقالات عن روايات ليست بذلك الجمال الذي وصفوه بها حتى لا أقول عنها بأنها أكثر من تافهة. فغدوا بذلك مجرّد مفترين فقدوا مصداقيتهم كصحافيين أولا وكروائيين ثانيًا.. ومنذ سنوات خصصّت جريدة وطنية صفحة كاملة للحديث عن عمل روائي جديد تحدث عنها صاحب المقال (وهو أيضا روائي ومن الأقلام التي أحبّ قراءة مقالاته) بالكثير من الإطراء عن رواية كاتب جزائري آخر، وقد تصادف نشرها مع المعرض الدولي للكتاب. كانت هذه الرواية أول الأعمال التي اقتنيتها وبثمن مرتفع نوعًا ما ولن أحدّثكم عن خيبة أملي ولا أدري إلى الآن لماذا لم أحرقها! بالمناسبة، يومها كنت حديث العهد بعالم الأدب المعرّب ولم أكن أفقه الكثير من خبايا المحاباة والزبونية التي تُسيطر على الصّفحات الثقافية لمعظم الجرائد (و لا أستثني الجرائد الفرنكفونية أيضا). من يومها أصبحت أكثر حيطة من هذا النّوع من المقالات.. وأنصحكم بذلك.

رشيد بوجدرة

يبدو لي أيضا بأن رشيد بوجدرة كان سيبقى محلقا عاليا في مكانته كأحد كبار الكتاب الجزائريين (وهو كذلك) لو أنه تفادى الحديث وبتلك الطريقة الفجّة عن زملائه من الروائيين. وما أكثرهم. ولا جرم بأنه زاد الطين بلّة مع إصداره الجديد “مهرّبو التّاريخ”(2017) عن دار فرانز فانون.. الشّيء نفسه يحدث حاليًا مع روائي جزائري معرّب سطع نجمه مؤخرا بفضل رواياته المميّزة حقا (آخر رواياته أعتبرها شخصيا أعظم رواية جزائرية كتبت في السنوات الأخيرة) لكن خرجاته في الصّحافة وعلى صفحته على الفايسبوك جعلت من شعبيته تتدنّى رويدًا رويدًا لأن الكثير من القراء يهمهم أيضًا الشّخص بقدر اهتمامهم بالكاتب وحين يكون الشّخص فضا ومتجاوزا حدوده إلى حد ما فإن القارئ سينفر لا محالة من الكاتب مهما كانت موهبته.

وحدث أن سأل صحافي ياسمينة خضرة عن رأيه من زيارة صنصال إلى إسرائيل فأجاب بأن الأمر لا يعنيه وأنه حرّ وأن على الصّحافي أن يوجه السؤال إلى صنصال مباشرة. إجابة دبلوماسية لكن في محلّها لذلك لم يجد ياسمينة خضرة حرجا في المشاركة بعدها في حصة تلفزيونية واحدة (المكتبة الكبيرة على فرانس 5) مع بوعلام صنصال ولا أظنه كان سيفعل لو تجرأ على الإجابة بشيء آخر كان قد يؤدي إلى توتر العلاقة مع زميله في الكتابة.

ماذا عن كتّاب لجان الجوائز الأدبية؟

لن يختلف اثنان بأن الهدف الأوّل والحقيقي لمعظم الجوائز الأدبية هو هدف تجاري محض. معروف أيضا أن معظم الجوائز تحوم حولها الكثير من الشّكوك وتفقد مصداقيتها تدريجيا.. غير أن هذا لا يمنع بالاعتراف بوجود جوائز محترمة تسعى جاهدة للاشتغال بكل نزاهة وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه. هذا النوع من الجوائز عادة ما تتكوّن لجانه من كتّاب فرضوا بحق أسمائهم وحضورهم بنصوص نالت شهرة كبيرة واعترافا من الجميع. في حالة هذا النوع من الجوائز على ندرتها يمكن للروائي أن يتحوّل في لحظة معينة إلى ناقد مع الاعتراف أنه أولا وأخيرا يبقى مجرد رأي وأن اختياره أملته ذائقته وميوله أكثر من أي شيء آخر.

يمكن أيضًا لهذه الجوائز أن تشكل لجانها من أشخاص غير روائيين فقط لتجنب ذلك النوع من الصراعات كالذي حدث بين الطاهر بن جلون وكمال داود (بعض الصراعات لا تتوقف عند حدودها الأدبية بل تذكي أزمات بين البلدان وتنشر فتنا كبيرة). لماذا لا تفعل هذه الجوائز مثلما فعله أنطوان كومبانيون (Antoine Compagnon) وهو واحد من أشهر النقاد الفرنسيين الحاليّين حين نظم ملتقى في كولاج دو فرانس حول الظاهرة “مارسيل بروست” لكنه لم يستدع إليه كتابا أو نقادا بل قراءً من مجالات شتى (القانون، الجيولوجيا، علم الاجتماع..) ليقولوا قولهم حول أعمال هذا الكاتب العظيم. هذه الفئة من الأشخاص هي من يمثّل بصدق أكبر ميول غيرهم من القراء ورأيتهم إلى الأعمال الأدبية التي تستحق أن ينوّه بها أو أن تتوج بجوائز عن جدارة..

للنقد أهله وخصوصيته  

المذيع فرنسوا بينال على سبيل المثال يعتبر واحدًا من صنّاع المشهد الأدبي الفرنسي بفضل مسيرة بدأها في سنّ العشرين وها هو على مشارف الخمسين. يكفي أن يمدح كتابا ما فترتفع نسبة مبيعاته في اليوم الموالي بشكل رهيب وحين يسكت عن عمل آخر فربما لن يسمع به أحد. المميّز في هذا النّاقد الفذّ هو أنه وبالرغم من موسوعيته الرّهيبة في عالم الأدب والرواية إلا أنه لم يكتب ولا عملا روائيا واحدًا وهو ما يثير الكثير من التساؤلات (اللهم إلا إذا فعل ذلك تحت اسم مستعار لم يكتشف بعد). أكاد أجزم بأن فرنسوا بينال تفادى الانخراط وكتابة الرواية ليقينه بأن ذلك سيفقده شعبيته وسطوته كناقد له مكانته في المشهد الأدبي الفرنسي. تحوّله إلى روائي سيجعل من أي حديث له عن رواية ما إما مجاملة في حالة ما إذا كان على صداقة بصاحبها (ولكم أن تتصورا عدد الصداقات التي يملكها بعد ثلاثة عقود في العمل الميداني) وإما مجرد غيرة من روائي على زميله الروائي (كان بودي حقا أن أطرح عليه هذا السؤال يوم حضرت في جمهور حصته المكتبة الكبيرة لكن عون الأمن – سامط رهج – رفض رفضا قاطعا أن أتقرّب منه).

يان مواكس أيضا يشتغل كناقد أدبي في حصة فرنسية أخرى مشهورة لكن تأثيره شبه منعدم ليس فقط بسبب فضاضة أسلوبه وتجاوزه الخطوط الحمراء في أكثر من مرّة (ما وقع له مؤخرا مع الكاتبة من أصول مغربية صفية عز الدين مثال بسيط) بل أيضا اشتغاله في كتابة الرواية ربما سبب وجيه في نفور القراء من آراءه.

يجب أن تنحصر مهمّة النّقد عند أهلها وهم أكاديميون وأساتذة جامعيون (أو صحافيون مهتمون فقط بالشأن الأدبي) قضوا شطرا مهما من حياتهم يدرسون ويدّرسون الأدب، الشعرية وآليات التحليل والحكم على الأعمال بجودتها، بقلة ذوقها أو بكونها مجرد ورق مهدور. بهذه الطريقة فقط يتطوّر الأدب، يحافظ الروائيون على طيبة العلاقة بينهم.. ويعيش الكل في سعادة وهناء. ولكم أن تتصوروا لو أن العلاقة كانت طيبة بين رشيد بوجدرة، بوعلام صنصال، ياسمينة خضرة، كمال داود، واسيني الأعرج، أحلام مستغانمي، سمير قسيمي، أمين الزاوي، وغيرهم.. لو أنهم يجتمعون على طاولة واحدة حينها ليس الأدب وحده من سيذهب بعيدا بل البلد بأكمله.. راك فاهم؟!

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

اكتشاف جديد لرسومات تعود إلى العصور الحجريّة

اكتشف هذا الأسبوع، الباحث في الآثار أحمد عقون، بالتنسيق مع جمعية أصدقاء الأطلس لحماية التراث …

محمد بودية: تشي غيفارا الجزائر يعود هذا الأسبوع

صدر حديثًا عن دار النشر «الصباحات الأولى لنوفمبر» بفرنسا، كتاب يتناول حياة ونضال وأعمال الكاتب …