الجمعة، 15 ديسمبر 2017

في نقد ثقافة الميديا: سينما هوليوود والهيمنة الثقافية

عابد لزرق

تعدّ الثقافة سلاحا هامّا خطِرًا في أيدي القوى العظمى يمكنها من خلاله فرض هيمنتها(1) على العالم. ومن أكثر الأسلحة الثقافية خطورة نجد سلاح الصورة الذي تستغله هذه القوى لتمرير أنساق الهيمنة والإمبريالية والتوسّع الإمبراطوري، خصوصا بعد اندثار وسائل الاستعمار التقليدي بكافّة أشكاله. فالصورة ليست مجرد نسق أيقوني يحمل قيما جمالية فقط، بل تتعدى وظيفتها الفنية وطابعها الإستطيقي، لتتحوّل إلى نصوص خطابية ذات طبيعة تفاعلية حُبلى بالقيم الثقافية وبالأنساق، والهدف منها التبليغ والتأثير في المتلقّين.

تتعدّد الوسائط التي تعتمد على الصورة، كما تتعدّد الصورة ذاتها بحسب طبيعتها. والصور المتحركة أبلغ إيصالا للمعنى من الثابتة، لأنها تظهر عبر وسائل تكنولوجية حديثة من سينما، وتلفزيون، وشبكة عنكبوتية… وغير ذلك، كما أنّها تحوي العديد من العلامات البصريّة، والتأويل والاستقبال فيها مفتوحان، ممّا يجعلها أخطر الأنواع المشحونة بالحمولات الثقافية.

وقد أدرك النقّاد الثقافيون أهمية هذا الأمر حين طرحوا مصطلحات “ثقافة الصورة”، و”ثقافة التلفزيون”، و”ثقافة وسائل الإعلام”. فبالصورة يجري تسريب محاولات الهيمنة وصناعة العنف عبر الأفلام السينمائية. وبها أيضا يتمّ التسلّط والتحكّم عبر وسائل الإعلام إذا ما تحكّمت فيها جهة معينة أو جماعة تريد دفع المشاهد لمسايرة توجّهات مُلّاك هذه الوسائط، حين يتمّ التلاعب بالخبر أو بالصورة نفسها لتثبيت وتدعيم تلك التوجّهات. كما أنّها تُنتج ثقافات سريعة لدى المتلقّين، بفضل ميزات الإرسال السريع التي تتوفّر عليها، والاستقبال الآني منهم.

كبرى شركات الانتاج السينمائية الامريكية

لقد ظهرت في فترة ليست ببعيدة بعض الأفكار والاتجاهات النقدية الرامية إلى دراسة تأثير وسائل التواصل وتدخّلها في تشكيل أفعال التلقّي وتوجيهها لصالح الهيمنة الثقافية الرأسمالية، من ذلك ما طرحه روّاد مدرسة فرانكفورت الألمانية، وبالتحديد تيودور أدورنو (Theodor.W.Adorno)، حول إشكالية التفاعل بين الوسائل والمتلقّين، وكذلك اتّجاه “نقد ثقافة الإعلام” الذي يعدّ أستاذ الفلسفة الأمريكي دوغلاس كِلْنر (Douglas kellner) رائدا له وصاحب العديد من الطروحات في هذا المجال، أهمّها كتابه “ثقافة الميديا: الدراسات الثقافية، الهوية والسياسة بين الحداثة وما بعد الحداثة” (1995م). هذه الاتجاهات تصنّف جميعها ضمن مجال أعمّ هو مجال “الدراسات الثقافية”.

لقد حاول كِلْنر من خلال طرحه مصطلح (ثقافة الميديا)، أو ثقافة الوسائل، كسر الفواصل التقليدية بين الثقافة وعناصر الاتصال الحديثة(2)، حيث يُنظر للثقافة بوصفها إنتاجا لنشاط بشري، كما يُنظر في وسائل توزيعها الميدياوية، واستهلاكها / استقبالها من طرف المتلقّين، وما ينشأ عنه من تفاعل. هذا التفاعل «الذي يحدث كنتيجة لتدخل الوسائل في تشكيل أفعال الاستقبال، أي في تصنيع التلقي، بحيث تجري عمليات تسليع الثقافة مع دمج الناس في مستوى واحد وتعميم هذا النموذج مما يحقق تبريرا أيديولوجيا لمصلحة الهيمنة الرأسمالية، ويتولى إقحام الجماهير في شبكة المجتمع العمومي والثقافة العمومية»(3).

في صناعة السينما الأمريكية يتشكَّل مفهوم “الهيمنة الثقافية” ويتمُّ هيكلة الوعي الفردي والجمعي لدى الشعوب، وتصدير صورة الفرد الأمريكي القويّ ودولة القيم والعدل عبر الصورة. حيث تتحكّم وسائل الإعلام البصرية وسينما هوليوود في آراء المشاهدين وعواطفهم، وتدفعهم إلى تبنّي أفكارها دون وسائط، وبطرق مباشرة عبر الشاشة، لتصل إلى المتلقّي بأبهى تقنيات التصوير وأسرعها إنتاجا وتشكيلا للوعي، وفي صناعة السينما تنافس كبرى شركات الإنتاج في هوليوود الشركات الاقتصادية الكبرى بأمريكا، بل تسهم هذه الشركات في نموّ الاقتصاد مباشرة بما تجود به من إيرادات الضرائب، وتسويق الأفلام بمبالغ مالية ضخمة جدّا.

فصنّاع السينما الأمريكية يركّزون كثيرا على ظهور المواطن الأمريكي دوما في مقام من يتعرّض للظلم، وفي النهايات دائما ما يكون هو المنتصر، ويكون أعداؤُه مجرمين وإرهابيّين من كافة مناطق الصراع التي يشهدها العالم، ومن المناطق التي تشهد حساسيات خاصّة وأزمات سياسية مع بلاد العم سام. فمثلا في سلسلة الحركة الأمريكية الشهيرة (24 Heures Chrono)، التي تنتجها شبكة Fox التلفزيونية العملاقة على مدار عدّة مواسم، يكون العدوّ دوما أجنبيا، وتحديدا في موسمين فقط يكون المجرم داخليا من الحكومة أو من لوبيات المال والأعمال بأمريكا، وفي سبعة مواسم كاملة يكون المجرمون من الخارج ممثَّلين في جماعات وأفراد من دول إسلامية شرق أوسطية أو آسيوية، ومن روسيا والصين والمكسيك، يحاولون القيام بهجمات إرهابية على الأراضي الأمريكية، ثمّ يأتي المنقِذ الأبديّ ممثَّلا في شخصية بطل السلسلة “جاك باور” (الممثّل Kiefer Sutherland)، وهو شخصية محورية في السلسلة تختصر القيم كلّها، وتحيل إلى مخيّم الخير الذي يصطفّ ضمنه الفرد الأمريكي والمُشاهِد عموما، هذا الأخير يتعاطف مع البطل لا إراديّا، في مقابل اتّخاذه موقفا سلبيا من الآخر الذي تمّ تصويره مجسِّدا لمحور الشرّ. ولو انتبهنا قليلا لوجدنا أنّ هذه الدّولَ الآنفةَ الذكرِ أغلبها في حالة عدم وفاق سياسي وصراع مستمرّ مع و.م.أ، وبكثير من المتعة في السلسلة والأكشن يتمّ تمرير أنساق الهيمنة هذه.

صورة من فيلم سقوط البيت الأبيض

وفي الأفلام ذات الطابع الأمني والقومي، عموما، تركِّز سينما هوليوود كثيرا على إظهار مراكز القوة لدى الأمريكيين، والتي تحمل هيبة في أذهان بقيّة شعوب العالم، مثل مبنى وزارة الدفاع (البنتاغون)، أو مقرّ المخابرات المركزية (السي آي إيه)، وبدرجة أكبر مقرّ الرئاسة (البيت الأبيض). كما أنّه لا يمكن لفيلم من إنتاج أمريكي أن يمرّ على سلطة الرقابة دون أن يظهر علم البلاد فيه، سواء كان ظهوره لافتا يشغل حيزا كبيرا منه، أو عابرا في لقطة من لقطاته، أي أن المشاهد لن يصله فيلم من إنتاج هوليووديّ دون أن يشاهد فيه العلم ثلاثيَّ الألوان ذا الخمسين نجمة، ممّا هو تكريس لخطاب السيطرة والنفوذ في السينما.

وهذه السيطرة والقوّة والنفوذ ليست باستعراض السلاح العسكريّ دائما، بل هناك نوع آخر من محاولات الهيمنة يُعرف بالقوّة الناعمة التي تجسّدها وسائل الإعلام وصناعة السينما حين تستخدمهما الدول القوية لتحقيق مصالحها الإمبراطورية التوسّعية. تقول “بثينة الناصري” في تقديم ترجمتها لكتاب “الإعلام الأمريكي بعد العراق: حرب القوة الناعمة” لنيثان غردلر ومايك ميدافوي: «أمريكا استخدمت – ولا تزال – القوانين لصالح تحقيق مصالح الإمبراطورية: السلاح للسيطرة على الأرض ومافوقها ومافي باطنها من موارد، والإعلام للسيطرة على العقول، واحتلال الأرض يبدأ من احتلال العقول واحتلال العقول يبدأ من احتلال اللغة»(4).

بقي التنبيه إلى شيء أخير، وهو أنّ هذه السيطرة لا تحدث بالجبر والإكراه، بل تتمّ بالقابلية؛ أي بالقدرة على جعل الناس يقبلون هذه الأفكار برضاء تامٍّ يصل حدّ التعاطف مع المظلوم الذي قد يتعرض لعمل إرهابيّ إجراميّ، أو يصبح ضحية عملية خطف، أو يُقتل له قريبٌ فيحاول الانتقام. وفي أحيان كثيرة يتحوّل، مثلا، الفرد القادم من الشرق إلى عدو وإرهابي بالفطرة حتى في نظر المشاهدين من أبناء جلدته. لا بوعي من هؤلاء المتلقّين (الذين لن يمارسوا في هذا الموقف تأويلهم الحرّ)، بل بإيعاز غير جَلِيّ يقوم به منتجو الصورة ويبعثون «رؤيتهم للعالم» إلى العقل الباطني للمشاهد، ممّا يجعلها أخطر أداة في يد الغزو الثقافي الإمبريالي.

 

الاحالات:

1- أُفضِّل استخدام مصطلح “الهيمنة” في هذه الدراسة على مصطلحات أخرى قريبة مثل “رؤية العالم” أو “الأيديولوجيا” لما يضفيه من بعد سياسي، يضاف إلى الأبعاد الفكرية والاجتماعية التي يحملها المصطلحان المذكوران.

ينظر: ميجان الرويلي وسعد البازعي، دليل الناقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء / بيروت، ط3، 2002م، ص347.

2- ينظر عبد الله الغذّامي، النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء / بيروت، ط2، 2001م، ص26.

3- Douglas kellner, Media Culture, p29 نقلا عن عبد الله الغذّامي، المرجع نفسه، ص21-22.

4- نيثان غردلر ومايك ميدافوي، الإعلام الأمريكي بعد العراق: حرب القوة الناعمة، ترجمة وتقديم بثينة الناصري، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2015، ص5.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

“مولانا” يعيد فتح جراح الجسد العربي

زهور شنوف أخيرًا، وصل فيلم “مولانا”، إلى الجزائر، وعُرض مؤخرًا ضمن “مهرجان وهران الدّولي للفيلم …

1984.. الرّواية التي تنبّأت بما يحدث الآن

الأمين فاروق “1984”.. رواية الإنجليزي جورج أورويل)1903-1950) عادت، مجدداً، إلى الواجهة، ويبدو أنها تعكس أفضل …