الجمعة، 15 ديسمبر 2017

اكتشاف جديد لرسومات تعود إلى العصور الحجريّة

اكتشف هذا الأسبوع، الباحث في الآثار أحمد عقون، بالتنسيق مع جمعية أصدقاء الأطلس لحماية التراث بولاية النعامة، جدارية ذات قيمة فنية وتاريخية معتبرة، تضمّ رسومات منقوشة على الصخر، تعود إلى العصور الحجرية، في جنوب بلدية عسلة بولاية النعامة، وبمحاذاة جبل تانوت، وقد تواجدت على لوحة جدارية تقدر مساحتها حوالي 55 متر مربع، نجد هذه الجدارية التي أبدعها إنسان العصر الحجري الحديث، وهي تجسّد، حسب تفسير أحمد عقون، شخصية إنسان في وضعية استعداد لمواجهة خطر محدق، يضع قناعا وقرونا على رأسه ويحمل بيده أداة تستعمل كسلاح في المواجهة، والظاهر أنه يمارس طقسا سحريا معينا، يقابله أسفل الجدارية مباشرة أسد في حالة ترصّد، أبدع الفنان في تصوير حركة القدمين لتعكس حالة التخفي والاستعداد للهجوم.

الباحث أحمد عقون أمام الاكتشاف

ويضيف الباحث: الأمر المهم الذي تجدر الإشارة إليه هو ضرورة دراسة هذا المشهد دراسة أثرية أنثروبولوجية و (anthropo-zoomorphic) فوضع القرون على الرأس مع إبراز العضو التناسلي رمز الخصوبة في ذلك العصر، يحيلنا إلى إله الفراعنة آمون الذي هو على هيئة رجل برأس خروف، والذي ترتبط قرونه المقوّسة الغريبة بالكلمة الدارجة التي تستخدم اليوم بالإنكليزية للدلالة على شخص مثار جنسيا عندما يقال “Horny” التي أتت من هورن “Horn” أي قرن، وهو نظير الإله أمون الكبش ذو القرون المعقوفة، إله الخصوبة، والذي عرف تقديسه وعبادته في شمال إفريقيا قبل الحضارة المصرية، كما تدل عليه العديد من الدلائل الأثرية ومحطات الصخور المنقوشة، ومن أهمها محطة كبش بوعلام بولاية البيض. كما أننا نجد في نفس الجدارية، العديد من الرسومات التي انطمست معالم الرسم عليها، كنتيجة للتأثيرات الجوية، بفعل هشاشة الصخرة المكوّنة من الرمال المتحجرة. موقع الجدارية الذي تم اختياره لهذا العمل الفني الرائع، والحيوانات المدجّنة والأسُود، ودقة العمل والجهد الذي بذل فيه، كلها تعطى انطباعات روحية عميقة، كما أن الفنان الذي رسم على هذه الصخور، لا يقدم تفاصيل لملامح الوجه أو الجسد، بقدر ما ينقل إحساسه الفطري لما يرسمه.

ويختتم صاحب كتاب ” أمثال وحكم شعبية”(2016) تفسيره العلمي قائلا : أما المكان بمجمله فهو يعدّ موقعا أثريا هاما لكل باحث في الميدان، وبالمقابل مزارا رائعا للسياحة والاستمتاع بالسكينة وهدوء طبيعة الأطلس الصحراوي.

الصخرة المنقوشة (الاكتشاف)

للإشارة منطقة الجنوب الغربي الجزائري، وخاصة منطقة العين الصفراء، تزخر بنقوش صخرية قديمة، تعود إلى العصور الحجرية الأولى للإنسان. حسب الكاتب والمؤرخ خليفة بن عمارة، يعود تاريخ اكتشافها إلى سنة 1847، من طرف الدكتور جاكو، الذي تمكّن من اكتشاف الصخور المنقوشة بتيوت، قرب العين الصفراء، وتعتبر إحدى أقدم التعابير المرئية  للإنسـان  في المنطقـة، والأولى من نوعها على مستوى شمال إفريقيا التي تمكن الغرب من التعرف عليها. في سنة 1888 قام أعضاء مؤتمر علمي فرنسي، بزيارة نقوش تيوت والمحيصرات (7 كلم عن العين الصفراء) حيث قام أحدهم، عام 1889، وهو الدكتور بوني، بإصدار كتاب علمي مرجعي يحمل عنوان “النقوش الصخرية في الجنوب الوهراني”.

الجدارية المتضمنة الرسومات المكتشفة

وتعتبر الصخور المنقوشة، بمثابة شهادات ذات قيمة تاريخية لا تقدر بثمن، توارثتهـا شعوب غابرة، تبرز نمط عيش الانسان الأول وطقوسه وتقاليده، وتساهم في التعرف كذلك على الحيوانات التي كانت تحيط به. لنلاحظ أن الجزء الأكبر من النقوش هذه أنجزت قبل أعمال الحضارة السومارية وقبل أقدم الأهرامات المصرية. حسب ما يؤكد خليفة بن عمارة، والذي أصدر سنة 2002، كتابا يتناول بالتفصيل تلك الفترة التاريخية، من خلال بحث ميداني قام به في المنطقة. الكتاب يحمل عنوان “لمحة تاريخية عن الجنوب الغربي الجزائري من الأصول إلى ظهور الإسلام ( 500 قبل الميلاد إلى القرن الثامن ميلادي)”.

ففي مجال ما قبل التاريخ يعتبر الأطلس الصحراوي أحد أكبر المتاحف المفتوحة على الهواء في العالم. محطات ما قبل التاريخ، نقوش و مواقع الأدوات، تتواجد في مجموع مناطق الغرب الجزائري ؛ تنتشر عبر جمـيـع جبـال القصـور التي تحيط بالعين الصفراء قبل أن تلـتحـق بـجـبـل العمـور. وقد أحصى الأب كوميناردي، الذي عاش في المنطقة، وأنجز دراسات ميدانية مهمة جدا، نحو 150 محطة في الجنوب الغربي سنة 1980. من بينها 67 محطة بالنسبة لمنطقة العين الصفراء ولعل أبرزها محطات : العين الصفراء، درمل، مغرار التحتاني، عسلة، بوسمغون، شلالة، تيوت، كدية عبد الحق، المحيصرات، عين القطيطير.

مكان الاكتشاف في ولاية النعامة

يقول الدكتور لينيز الباحث الفرنسي المختص في آثار إنسان ما قبل التاريخ، وصاحب كتب ودراسات تاريخية  في هذا الخصوص : “إذا كانت منطقة العين الصفراء، تبدو لنا اليوم جافة وقاحلة، فإن الأمر لم يكن كذلك في العصور البائدة. فقد كانت المياه تسيل في المجاري المائية المجففة اليوم، وكان هناك غطاء نباتي وفير، ينمو عبر السهول القاحلة اليوم ؛ أقوام كثيرون كانوا يقطنون هنا حيث الزوابع الرملية اليوم، وحيث تتراكم كثبانها بفعل الرياح. ولعل مجارى الوديـان، وتآكل الصخـور، وتواجد أجزاء الأشجـار اليابسة بالرمال، وأخيـرا الصوان المصقـول أو قشوره المتواجد بكثرة على ضفاف الوديان، والمتكدسة على سفوح الرمال، والتي كانت تشكل مخبأ. جميع هذه الأشياء تشهد بأنه في زمن ما، كانت هناك حياة نباتية، حيوانية وبشرية ومياه غزيرة أنعشت هذه المناطق، التي تبدو اليوم قاحلة، صامتة ومقفرة”.

 

 

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

هل يصحّ للرّوائيّ أن يكون ناقدًا في نفس الوقت؟

سماعن جلال الدين – أكاديمي سأل الصّحافي جون راي الرّوائي الياباني هاروكي موراكامي عن سبب …

محمد بودية: تشي غيفارا الجزائر يعود هذا الأسبوع

صدر حديثًا عن دار النشر «الصباحات الأولى لنوفمبر» بفرنسا، كتاب يتناول حياة ونضال وأعمال الكاتب …