الجمعة، 15 ديسمبر 2017

محمد بودية: تشي غيفارا الجزائر يعود هذا الأسبوع

صدر حديثًا عن دار النشر «الصباحات الأولى لنوفمبر» بفرنسا، كتاب يتناول حياة ونضال وأعمال الكاتب ورجل المسرح والمناضل الجزائري محمد بودية (1932-1973). الكتاب يحمل عنوان : «محمد بودية : كتابات سياسية، مسرح، شعر وقصص قصيرة» يقع الكتاب في 310 صفحة، من الحجم المتوسط. اشتغل على إعداده وتوثيقه ومراجعته، نخبة من المؤرخين والباحثين، إلى جانب شهادات من بعض أصدقائه وأقاربه، لعلّ من أهمها شهادة رشيد ابنه (1963) الذي لا يكاد يتذكر والده إلا نادرا، بسبب اهتمامات والده المسرحية ونضاله الوطني والإنساني، وهي الاهتمامات التي كانت تأخذ وقته كله أو تكاد، كما ألمح ابنه في شهادته.

غلاف الكتاب

إلى جانب شهادة ناشره الأول لأعماله المسرحية، والذي أشار في مقدمة الكتاب إلى أن «القضية الجزائرية احتلت صدارة اهتمام محمد بودية، وأن القضية الفلسطينية وقضايا التحرّر في العالم، صارت كذلك من صلب اهتمامه».

استعرض الكتاب مقالات محمد بودية التي سلط فيها الضوء على مختلف قضايا السياسة والاقتصاد والثقافة، والجزائر المستقلة تحاول أن تجمع شتاتها، بعد ليل استعماري طويل، موضحًا وجهة نظره ومواقفه منها. وقد سمحت له علاقته الوثيقة بالرئيس الراحل أحمد بن بله (1916-2012) بتمرير أفكاره الطلائعية، وتحقيق طموحاته في المسرح والكتابة والإعلام.

هكذا وضع أسس المسرح الوطني الجزائري سنة 1963، وفي السنة الموالية أشرف على إصدار جريدة «الجزائر هذا المساء» (Alger ce soir)، بوصفها أوّل جريدة يومية جزائرية، ناطقة باللغة الفرنسية، تصدر مساء كل يوم. إلى جانب تأسيسه لمجلة تحمل عنوان «نوفمبر» كان حزب جبهة التحرير الوطني يتولى إصدارها مطلع كل شهر.

كما نشر الكتاب، علاوة على نصوصه المسرحية، مجموعة من الأشعار والقصص النادرة والتي لم يسبق نشرها، كان قد كتبها الراحل خلال الفترة الممتدة من سنة 1962 إلى غاية 1973 تاريخ استشهاده.

محمد بودية رفقة الفنان العنقا

للإشارة ولد محمد بودية بأعالي القصبة، في 24 فيفري 1932، انضم لثورة التحرير منذ انطلاق شرارتها الأولى. هكذا انخرط في صفوف اتحادية فرنسا التابعة لجبهة التحرير الوطني، وقام  بإدارة خلية  العمليات الخاصة المشكّلة من كومندوس مختص في عمليات التخريب الصناعي والمراكز العسكرية الفرنسية. لتلقي الشرطة الفرنسية عليه القبض، ويصدر في حقه حكم بـعشرين سنة سجنا نافذا. وسرعان ما تمكن بأعجوبة الفرار من السجن سنة 1961، ليلتحق بتونس، وينخرط في صفوف الفرقة المسرحية الفنية التابعة لجبهة التحرير الوطني.

عارض محمد بودية بشدّة، الانقلاب العسكري الذي قاده العقيد بومدين ضد الرئيس بن بلة، في 19جوان 1965، وعبّر عن ذلك صراحة في كتاباته ومواقفه. هكذا اضطر أمام التهديدات التي تعرض لها إلى مغادرة الجزائر، واللجوء إلى فرنسا. هناك نسج علاقته المباشرة بالقضية الفلسطينية، انضم إلى صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، واضعاً خبرته النضالية المكتسبة في كفاحه أثناء الثورة الجزائرية في خدمة القضية الفلسطينية.

من بين العمليات الفدائية الكثيرة التي قام بها: التخطيط لإرسال ثلاث ألمانيات من ألمانيا الشرقية سابقا، إلى القدس لتفجير عدة أهداف إسرائيلية، قبل أن يكتشف أمرها  فيما بعد. خطط أيضاً لتفجير مركز «شونو» بالنمسا، وكان يشكل مركزا لتجمع يهود روسيا المهاجرين إلى اسرائيل. كما خطط أيضا لتفجير مخازن إسرائيلية ومصفاة بترول في روتردام بهولاندا. أما أهم عملياته الفدائية الناجحة هي تفجير خط أنبوب بترولي يربط بين ايطاليا والنمسا سنة 1972، مخلفا خسائر مادية معتبرة. كما ساهم في عملية ميونيخ الشهيرة، أثناء احتضناها الأولمبياد عام 1972، تمثّل دوره أساسا في استضافة أفراد الكومندوس الفلسطيني قبل تنفيذ العملية، ثم بعد ذلك العمل على تهريبهم وإخفائهم عن الأنظار.

محمد بودية يحمل السلاح

عاد محمد بودية إلى باريس في مطلع السبعينيات بصفته قائد العمليات الخاصة للجبهة الشعبية في أوروبا. هكذا أطلق عليه الثوار الفلسطينيون اللقب الفلسطيني «أبو ضياء» نظير نضاله ومساهماته بقلمه وسلاحه من أجل القضية الفلسطينية.

استشعرت المخابرات الاسرائيلية المعروفة بالموساد، بالخطر الذي صار يشكله محمد بودية، القلم المدافع عن القضية الفلسطينية، والمناضل الثائر، الذي ساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في العمليات الفدائية الموجهة ضد الصهاينة، في كل بقعة في العالم يتواجدون فيها. هكذا قررت الموساد التخطيط لتصفيته جسديا، باستهداف سيارته من نوع رونو 16، صبيحة 28 جوان عام 1973، في حدود  الساعة 10 و45 دقيقة، يوم غادر محمد بودية منزله في باريس، وهو يهمّ ركوب سيارته.

سيارة بودية بعد عملية تفجيرها

كتاب : «محمد بودية : كتابات سياسية، مسرح، شعر وقصص قصيرة» كتاب مهم جدا، إلى جانب أنه جدير بالقراءة والتمعن، يستحق أن يعاد طبعه في الجزائر، و يوزع على نطاق واسع، وأن يترجم إلى اللغة العربية. كتاب يسلط الضوء على نضال وكتابات رجل، استطاع أن يجمع بين القلم والسلاح، بين الكتابة الملتزمة المدافعة عن قضايا الوطن والقضايا الإنسانية، والنضال الميداني.

كافح محمد بودية من أجل استقلال الجزائر، وناضل من أجل القضية الفلسطينية وقضايا التحرر في العالم. صدح بالحق في وجه سلطان جائر، يوم سكت الجميع، في مواجهة سلطة استولت على الحكم في بلده بالقوّة. ودفع في سبيل مواقفه ونضاله وكتاباته، ضريبة اغتراب قاس، وتوجس من استهداف قد يطاله من الصديق قبل العدو، إلى أن سقط شهيدًا في 28 جوان 1973.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

هل يصحّ للرّوائيّ أن يكون ناقدًا في نفس الوقت؟

سماعن جلال الدين – أكاديمي سأل الصّحافي جون راي الرّوائي الياباني هاروكي موراكامي عن سبب …

اكتشاف جديد لرسومات تعود إلى العصور الحجريّة

اكتشف هذا الأسبوع، الباحث في الآثار أحمد عقون، بالتنسيق مع جمعية أصدقاء الأطلس لحماية التراث …