الأربعاء، 17 يوليو 2019

سنوات الضّوء والثّقافة والمحبّة.. سيرة غير كاملة

عبد الوهاب معوشي

أول الخطو.. مراهقا على درب الكلمة

ناهزت من عمر الثّقافة عقودًا ثلاث أو تزيد دون أن أنقص الطّفولات البكر وسنّ اليفاع..

للطفولة والمراهقة نصيب وحساب وتذكار سأعود إليه بعد قليل، قبل أن يجفّ حبر أو تذوي شعلة المكاتيب..

في آخر سنة من هذه الثمانينة الجزائرية البالغة الإدهاش والرّوعة، التي نروح نستذكرها حاملين على أظهرنا راياتها الأوكتوبرية، ثورة صغيرة مبكّرة طفولية انحبست صدق البدايات وألق الفكر المتعدّد وفنون التمرّد على السّلطة والخروج عن الطريق المستقيم الذي رسمته لنا المؤسسة الرسمية بتوابعها وملحقاتها..

ففي آخر عهد ثمانيني شيّق وعاثر كالحبّ الأوّل تعرّفت على ذاتي ومبتدأ وجودي ومسار صيرورتي، فقد استبدلت القسم العلمي بالقسم الأدبي حتى لا أجني على العلوم وأخسر الأدب والسّؤال والسّير الحثيث للمعرفة الفلسفية..

والحقّ أنني صرت ملفوظًا، شقّ عصا الطّاعة، فارًا من باحات العائلة والجامع وحلقات الذّكر الحكيم إلى صفحات الجرائد المدموغة بختم المحاولة الأدبية وتكرارها حتى التّعلم والتوثّب ومجاوزة حصّة التعبير الكتابي الخانقة المغلقة على عربية صارمة نحوية قواعدية جافّة، لا أجد فيها نفسي إلا مكبلا بأغلال من حديد.

أذكر من أساتذتي ابن حبيلس الذي ينهض من نوم ثقيل تجحظ عيناه ويبح صوته رافضًا أن أكون أنا من كتب إنشاءًا حول العنصرية في فرنسا مشيدا برذائل جان ماري لوبان وحماقاته حول فرنسا الفرنسية. أستاذي ابن حبيلس هذا حاججني، أخّر تسليم النّقطة، أشهد عليّ الأولاد، أولاد القسم، هل أنني أنا الكاتب صاحب الجمل الشّهيرة عن عجرفة ماري لوبان، لسانه الحادّ وكراهيته السّمجة لغيره من عرب، أفارقة وكلاب..؟ أم أن الكاتب الصّغير الخارج على نصّ المؤسسة وأدبياتها الفخيمة هو ناسخ، لصّ أدبي، مزوّر ورقات بيض، مُحتال بقلم غيره، صنيعة/ البلاجيا..

الأدب سلاحي، منصتي، مصطبتي

قمت يومها إلى المصطبة – لست أدري ماذا يسمونها اليوم – وارتجلت النصّ شفاهة، أضفت له مقاطع من مسلسل الحريق لمحمد ديب، متناغمًا صوتًا وأداءًا مع عبد الكريم القيطاري، مجوّدًا في الطّريقة والالقاء وأنا أكرّر الجمل وأنصاف الكلمات، مستحضرا موسيقاها المبكية، الدامعة، مستحضرًا عمر “دار السبيطار”، صوته، براءته – لم أعد أرى بريئا كعمار دار السبيطار – صرخات “لالا عيني”، كان ذلك بالنسبة لي مستوى من التّلقي الأدبي المفعم بالرّوحية والجرأة وحتى الإيمان، لست أدري أي إيمان لكنه كان إيمانا بالكلمة ربما بأن أصير لاعبا هاويا في نادي القلم، متمترسًا بالكتب خلفها وأمامها، كانت الكتب سلاحي، مصدر قوتي، منصتي، ومصطبتي.

من هوامش صغيرة ركينة، منسية، مهملة جئت القلم، التحقت بصدفة الفلسفة وشوق التّنقيب عن بترول المعاني والتّواريخ، الذّكريات والأمكنة، النّاس وشفاهياتهم اليومية وحكيهم الخافت، جئت الأدب من وراء السّور، سور المدرسة المتوسّطة، سنة أولى أساسي لمن سبقوني والثّانية في “الايكول نورمال” وعهدي، بهؤلاء الثلاث لا يمحى فلكلّ سيّاق ومشهد وبعض ما تبقى وهم محمد الشّريف خروبي، زهور ونيسي وعلي بن محمد.. وزراء العروبة والأصالة.

أذكر قصاصات صحف كثيرة من “الشّعب” أولاً، ثم “المساء” و”أضواء”حيث أرسل الخواطر والمقالات والرّسائل الأدبية إلى الذين أعرفهم بأسمائهم في صفحات الأدب والذين لا أعرفهم إلا بالاستماع إلى قطوف من خواطرهم وقصصهم أو أقصوصاتهم على أمواج الأثير القسنطيني..

“بدايات موفّقة، حاول مراعاة القواعد يا عبد الوهاب معوشي، نصّك الجميل، شاعري ينقصك القالب الأدبي، ننشر لك هذه المرة خاطرتك تشجيعًا على المثابرة”.. كانت هذه كلّها ردود النّصح والمتابعة من القاصّ محمد دحو، الذي كان معروفًا في أوساطنا الأدبية – في القسم الثانوي وقبلها – وهو نفسه الذي سينقطع ويندثر ولا يثابر ولا نقرأ له أو عنه إلا..

أكتوبر.. الربيع الأدبي

بعد الانفجار الأكتوبري من عام 1988، ارتمى إلى السّاحة سباحة على الظهر وعلى البطن هذا الفعل الأدبي التّاريخي والنّادر، مستفيدا من حيوية الإعلام وخصوبته فضلاً عن الديناميكية الفذّة التي حازها آنئذ كتاب شباب من/ الوطنية الأصيلة/ كما كان يسميها الطّاهر يحياوي، وسرعان ما يظهر الأخير ناقما على مؤتمر زرالدة ولجنة المقاييس في الاتحاد العام للأدباء الجزائريين والتي اشترطت النّشر المسبّق لكتاب أو ديوان أو رواية كي يحصل الواحد على عضويته..

نقمة الطاهر يحياوي ستدفعه لتأسيس “رابطة إبداع”، الخط الوطني الأصيل مثبتًا الشّعار، مؤكدا عليه لتحاشي الخلطات الأيديولوجية السّائدة آنذاك، يساريو اتحاد الكتاب، بوجدرة وأشياعه، تيار واسيني الأعرج، المحافظون كالسائحي وأبو القاسم خمّار، الاسلاميون الأرثودوكس المستهامين بالثورة الإسلامية في إيران كمصطفى الغماري وعيسى لحيلح وآخرون.. شتات وفلول من آل حرز الله..

“إبداع” الطّاهر يحياوي شغلت الشبيبة الكاتبة لما يقرب الثلاث سنوات وبعدها لاذت إلى الصّمت، أو الموت أو الحلّ الإداري، لا أعلم! كان يأتيها نور الدين درويش وعبد الوهاب زيد، شاعران من سيرتا، الإلقاء الجهوري والولاء للعمودي لدرويش، والشعر الحرّ وقصيدة التفعيلة لعبد الوهاب مستخدما فنه الأدائي وجاهزيته الدّائمة للقراء.. وهو الذي قرأ يوميا علينا:

“بكى

بكى حين عامان مرا

وجاب المدينة شبرًا فشبرًا

تذكّر كم توجع الذكريات فتى

للحنين تعرى،

بكى والتوجّع من شفتيه تدفق نهرًا

فأحرق بالتّبغ أخرى،

وأغرق في الشّعر

أخرى”.

لم يكن فقط هذا الثنائيان اللذان يصنعان كاريزما الوسط الابداعي – لجيل إكس – من المبدعين

بل كان يقتحم المنصّة شاعران –قد يكونان من باتنة – هما ياسين صولي وأحمد شنّة، وإلى اللحظة.. أذكر بحته الهائجة وهو يقول منشدًا أو يهدر واقفا: “وفي مقلتيها” مستفزا ميهوبي إبراهيم سعدي – قتل في عام الدّم –.. صهْ! يعني اسكت فورًا.

أحمد شنّة الذي كانت له مسحة من تلك المسحات التي انطبعت بها دواوين مصطفى الغماري على نحو “أرني حسيني الرؤى” أو عيسى لحيلح في “وشم على زندقرشي”.

في “إبداع” – خاصّة مؤتمرها الأول في مكتبة بلدية بوروبة، وعلى مداخل حي ليجيكو باش جراح – كنا نلحظ هيمنة الشعري من رواد قصيدة التفعيلة والبحور الكلاسيكية، على حساب القصّاصين ولم يكن من بينهم روائيًا واحدًا من هذا الجيل، فلقد كانت الرواية لآلهتها المقدّسين، وأربابها الذين لا يقرب منهم أحد و ذلك إلا زلفى لامتلاكهم شكيمة الحزب والسّلطة، التكريس الإذاعي، التّلفزي، الشبكات والمافيا البليدة وإذاعات التروطوار..

رغم حرصي وحرص كلّ جيلي على المرور بمطبوعات المؤسسة الوطنية للكتاب وديوان المطبوعات الجامعية، فكنا نمسح غبارها – لأهميتها أو لعدم أهميتها – ونقتنيها غير آبهين بالأستاذية، أو المنصب أو التوجيه الأكاديمي الذي واصلوا انغماسهم في ألاعيبه ومكره فضلا عن الشّعراء الذين يتجمّعون متراصين وشعراء يتجمعون متراحبين في ردهات فندق الزيبان كلما تنادوا إلى مهرجان محمد العيد آل خليفة الشعري..

الطاّهر يحياوي

كانت “إبداع”، فتاة الطاهر يحياوي المدلّلة، أسّسها، جمع أفرادها حبّة حبّة من نشطاء صفحة إبداعات الأربعائية – أو يوم الثلاثاء – لهم في الشعر العمودي صولة ودربة ولهم في القصّة الشعرية والغناء برغم الخلل، كما في النّقد والمقالة والخاطرة.

اشتغل “سي الطاهر” الأفلاني الوطني الأصيل بذكاء وصبر وحسن تدبير، مستفيدًا من المرحلة الما بعد أكتوبرية المتّسمة بإداراتها الرخوة، بخوف السلطة من طوفانات أخرى بفقدان المنظومة الأفلانية الحاكمة للكثيير من نفوذها وسطوتها إذ كانت منشغلة بلملمة نفسها مع نفسها – كما عبّر يومها الهادي لخديري – وهي التي تأثرت بهمس الصبيان والذي أدى إلى قتلى وجرحى، استيلاء على “المنوبريات” وأسواق الفلاح، الاستفراد بغنائم ماركة “ستان سميث” وباقي الأحذية الرياضية، إغلاق “الكوميساريات” وإعلان الحصار العسكري وبروز نجم العسكري خالد نزار، تلك كانت تداعيات وأجواء أرهصت لمثال اسمه الطاهر يحياوي أن يقدّم بسياسة وتوأدة ليخرج “إبداع” إلى العلن، إلى التنظيمية والنّضال المُباشر، بعدما كان الكتّاب الشباب يظهرون بأسمائهم وأحيانا بصورهم على صفحة “إبداعات”..

حينها امتلك ذكاء الوقت وبصيرة الرؤية ونضج الحدث، فالمادّة الخامّ لتأسيس جمعية ثقافية وطنية متوافرة، متاحة وسلسة، كتاب وشعراء جدد صغار ليس بهم لوثة العهد الأحادي البائد، اليوطوبيا والأحلام، سهولة الانفلات عن السّلطة – كما قلت – اذ انشغلت بإنهاء حقبة شريف مساعدية ولخديري وعبد الحميد الإبراهيمي ومحمد بن أحمد عبد الغني وعطايلية وبلوصيف لفائدة جناح إصلاحي من الدّاخل، لم تكن في أجندته الثقافة وشواغلها، بل سيبدو ليبيراليا إلى حدّ غير مألوف، مثلما بدا واتضح في النماذج الإعلامية الهامة التي كانت تنزع إلى الطابو وفضح المسكوت عنه وتهيئة محيط جيّد وجديد للحراك الثقافي في كامل القطر وعلى مختلف الجبهات..

نشأة رابطة إبداع.. شعراء، شعراء

ظلّ العامل الاستثنائي الذي ساعد على نشأة “إبداع” وفرادتها – كتنظيم للمعرّبين – هو المدّ البشري الهائل والآتي من كلّ الجهات متّصلا بالطّموح الاجتماعي، إرادة الانتصار على “الريفوية” لدى كثيرين، فلم تكن تكن “إبداع” عاصمية مالكة لرمزية المدينة ومركزيتها وكذلك كانت خاوية من الاستعمالية والمناورة على ما يحدث اليوم داخل الجمعيات والتنظيمات من حروب المواقع على التصفيق والتملق والمداهنة، فقط من أجل عطايا وهدايا تافهة وجوائز تصنعها العلاقات العامّة الممكيجة، لاسعة الخيال وحبّ الأدب أو جمالية الأسلوب وعشق العبارة وذوق المعنى.

شعراء من قسنطينة وباتنة وسطيف كقدور رحماني والزوبير دردوخ ومن جيجل كصالح سويعد، لهم وصفة خاصة بهم في الملبس والمشرب، في الصّوت والصّورة والطّبع، في ذلك الخط الوطني الأصيل بلغة ذلك الزمان وأهله كان من بين هؤلاء المصلون، المتصوفة الإباحيون الزنادقة وقلّة هن النساء الشاعرات والقاصات.. وقلة أكثر ممن ينتمون إلى المركز العاصمي المديني، وربما كانوا صغارًا من أن يعتلوا الإدارة وسدّتها أو أن يتدبّروا في النفاق المعيشي لبعض الأعضاء الوافدين من الولايات..

بيد أن الصّدق لم يكن غائبًا أو مهملاً رغم بعض الطفيليات، إذ كان الكلّ يتقدّم بقصيدته أو خاطرته نحو الميكروفون، وكانت ملحة المجالسات لا تنسى ولا تنام عنها العين، فهاهو بشير مفتي صغيرًا، متأبطًا محفظته – وقد كانت محفظة للأوراق – يتندر مع علال سنقوقة لأن حسين عبروس نطق في أمسية أدبية الموسيقى بالتاء المربوطة.. “سواءا أكانت شعرًا أ م موسيقية”.. يروحان يكرران هفوة حسين وفداحتها، مثيران غبطة وسعادة لا توصف وأنا المُجالس لسعدي وعقاب بلخير وغيرهما تحضرني أسماؤهم فيما بعد، فالذكرى أكبر من أن تنسى..

يتبع..

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الكتابة لحظة وعي أم وظيفة أيديولوجية؟

سؤال افتتح به الكاتب الرّاحل محمد بوشحيط(1943-1996) كتابه الأوّل، الذي صدر عن المؤسسة الوطنية للكتاب(1987)، …

فنلندي في الجزائر أو الحبّ الجيوسياسي

حاوره: أمزيان فرحاني. ت: جلال الدين سماعن التقينا أوسمو بيكونن بالمكتبة الوطنية يوم الإثنين 28 …