السبت، 24 أغسطس 2019

فيصل الأحمر يكتب: هن وإيقاعاتهن

فيصل الأحمر

حركة أولى: الأنثى هي الأصل

فوزية تشبه نوبة قسنطينية ولكنها تتصرّف كقصيدة عربية، لها مقدّمة واستخبارات تمهيدية ثم مجموعة وصلات مختلفة؛ الجمل الموسيقية بينها مفاصل موسيقية تعتمد العزف المنفرد.

الجميع كان يعرفها كاتبة، بعضهم يحلم بجزائر نساؤها كاتبات مفكّرات يتكلّمن في السّياسة والجنس ويذكرن سارتر وكيركغارد، وأغلبهم لا يفعل شيئا في بيته ولا في بيئته لكي يحوّل القطيع المقهور الذي في بيته إلى نسخ محليّة من غادة السّمان ونوال السّعداوي وفاطمة المرنيسي.

كانوا يحلمون ويعجزون عن الحلم يتحقيق الحلم.

شيئًا فشيئًا تجد هؤلاء يكفّون عن الاستماع إلى الموسيقى. يعلنون بأنهم لم يعودوا صغارًا لكي يستمعوا إلى الموسيقى.

هم أنفسهم الذين صاروا مدراء مؤسسات ومسؤولي أحزاب ورؤساء تحرير يطلبون نصوصها على شكل أعمدة صحفية تجتذب القراء الحالمين الذين يشبهون ما كان هؤلاء عليه فيما سبق.

كانت فوزية تكتب ببراعة كبيرة لأنها كانت تتألّم ببراعة.

كثيرا ما كانت تغني على مسامعي “العيون السود” لوردة.

أقول لها الفضل في كلّ ذلك لبليغ حمدي، لولاه  لما كان كلّ هذا.. وكانت تذكّرني بكتاب تبادلناه بلذة وشغف: “الأنثى هي الأصل يا خويا.. لا تنس ذلك أبدًا”.. وكنت أستسلم لأن حبال الغناء بيديها.

كانت تغني على مسامعي “العيون السود”، فتلتمع عيناها بحزن غائر وهي تكرر:

خليك هنا خلييييك.. وبلاش تفارق..

كانت تنظر إلي، تخترق عيوني وروحي المرابطة خلف عيوني لكي تبكي على امرأة لن تكونها لأجل رجل لم أكن بعد قد تعلّمت ان أكونه.

“خايفة من بكرااااااا.. واللي حا يجرااااا.. لما تعود”.

كانت الدّموع كعادتها لا تقوى على قول الباطل. تسيل ومعها يسيل الكحل الذي يذكر بأن الغد الذي لم يكن بعد ظاهرًا للعيون غد أسود. غد مناسب للعيون السّود.

  • لماذا تغنين إذا كنت تبكين في كلّ مرّة؟

كانت تضحك بغنجها القسنطيني اللذيذ: يوووون.. يا إلااااهي.. ماذا لو رآني أحد أساتذتي الآن هنا ماذا سيقول؟

  • لماذا تغنين إذا كنت تبكين في كلّ مرّة؟
  • نكاية في القبيلة..

نصّها الأخير الذي توقّفت بعده كان عنوانه “القبيلة لن تفلت من قبضة القتيلة”.. كان نصًا جارحًا.. قلم يتكلّم على حافّة قبر.

بعدها بأسبوع كنا، نحن الأغلبية اللامبالية، نأخذ شهاداتنا سعداء، أما هي فلم تكن سعيدة وهي تتزوّج لكي تنقل حزنها من بيت الأب والأخ الآمرين إلى بيت الزّوج الذي يمكن دائما إخضاعه للنّقاش عندما تكون زوجته عاملة على موعد بالراتب الشهري.

 

حركة ثانية: الحجارة لا يحركها إلا الصّخب

زهرة هادئة كغرفة التّسجيل في أي أستوديو في جلّ أيام السّنة، صاخبة كإيقاعات الروكنرول أيام التسجيل والبروفات.

كانت عائلتانا تتوقعان لنا الزواج وكنا مقتنعين بأننا غير مناسبين احدنا للآخر. “سيكون خرابا جميلا.. تقدّم لخطبتي”.. وكنت أسألها مرعوبا رغم ظاهر ضحكي: “هلا نظرت ما معنى الزّواج في Le Petit Robert ؟”

ثقوب سوداء كبيرة كانت تسكنها.  وبقدرما كنت أرغب في الثّقوب في مطلق الأمر بقدرما كنت مرتعبا من السّواد.

جالستها مطولاً أحاول مشاركتها ولعها بفرق الروكنرول، ولكن دون جدوى، عدا جدوى صغيرة كبيرة ستصنع الفارق كله. كنت اعتذر لعجزي عن تذوق الهاردروك وكنا نلتقي على البروغ prog، أو  progressive rock.. ذلك النّوع الرّائع الذي يمزج ببراعة بين تقاليد الجاز والموسيقى الكلاسيكية والروكنرول.. كنت أعلن غرامي بالموسيقى الكلاسيكية الذي يوازي غرامي بالموسيقى الشّرقية، وكانت زهرة تقول: “تصوّر لو فعلناها وتزوجّنا ماذا سيسمع أبناؤنا؟ أم كلثوم في صيغة إلكترونية؟ أية صبغيات هذه هي التي ستجمع عبده الحمولي مع مايك أولدفيلد؟”.

لم ولن نتزوج، شيئًا فشيئًا اكتشفنا بأننا نعرف أحدنا عن الآخر كل شيء، أكثر مما يجوز لزوجين أن يفعلا قبل الزواج.. “نصلح أن نكون زوجين قديمين.. فقط”. كنت أقول لها، وكانت تقول: “ولم نتزوّج؟ هل سبق لك أن رأيت زوجين يتناقشان حول السكسوفون عند فرقة supertramp؟”

كانت داخل زهرة زوابع كثيرة.. أبوها الاستثنائي زرع فيها أصنافا خطيرة من الثّورة على كلّ شيء ممكن.. العاصمة خلفت فيها صورا للقسوة إزاء كلّ ضعيف جعلتها تقدس “القوة/القساوة/الاسترجال/السّلطة”.. لم يتعجّب أحد منها وهي تصعد السّلم السّياسي بسحرها المعهود وثقافتها المشهودة وطريقتها البارعة في اتخاذ الجلد الذي تشاؤه..

ومثلما تخرج أصوات النّواح التي في البلوز من صلب القيثارة الكهربائية تخرج زهرة حسرة عميقة على ماضي البلاد حينما كانت الأمهات الرّيفيات الأميّات الماكثات بالبيت يتمكن من تربية بنات صالحات لتسيير مؤسسات الدولة وحلّ أعقد الأزمات..

ظللنا أحيانا نتهاتف دون أن نقول كلمة واحدة..

أكون في السّيارة وأهاتفها لتفتح الخطّ فتجد مقطعًا سبق أن ارتشفناه معًا في البيت العائلي الصّيفي الكبير. تكتفي بكتابة رسالة ردا عليّ:

division bell…pink floyd…great moment

أو تكلمني فإذا كلمتها هجم علي مقطع آتٍ من خليج بعيد من خلجان الروح، أكتب لها رسالة:

waaaaaw…led  zeppelin….stairway to heaven …still like it !

 

حركة ثالثة: هزيت لهموم بحفاني

فريدة شاوية من خنشلة.. زمالتنا في الجامعة جعلتنا نطيل النّظر أحدنا في الآخر.. في ثقافتنا المحلية إذا أطال فتى وفتاة النّظر احدهما في الآخر فإن العواقب تمسّ بالشّرف. لم تكن جميلة، وكنت على يقين دائم بأن الجميلات محدودات الصّلاحية، وكنت مغرمًا بكلمة الأبد التي يتبادلها أبطال المنفلوطي وجبران والأفلام المصرية بالأبيض والأسود، وحتى تلك التي كانت بالألوان، ألوان قديمة تشبه الأبيض والأسود.

كانت فريدة غير عابئة بالحياة عمومًا. Dégoutée. الكلمة التي تقولها دائما. كانت تكبرني بسنتين وكنت أكبر نفسي بعشرات السّنين، أذواقي آرائي ثقافتي مرجعياتي رؤيتي للحياة.. كلّ شيء في كان يُحيل على عجوز سئم تكاليف الحياة ومن يعش.. إلخ.

كانت تقطع أي مقطع من الكلام أو الّزمن أو الوجدان بالتّعبير  المحيل على ماضيها الموسيقي: كما قالها عيسى الجرموني:

هزيييييت لهموم بحفاني.. خويااااااااااااااا خبروووووو  ما جاني..

انتهى بي واجب المغازلة أن أبدي اهتمامًا مفتعلا بالجرموني وبقار حدّة.. وانتهى بها ذكاء المرأة المتستّر دائما خلف رداء غباء خفيف عابر، إلى اكتشاف بأني غير مهتم فعلا بالقصبة والسراوي والشاوي.. قالت:

لا يمكنك تذوّقها يا نصف الشاوي، عليك ان تعاني كثيرًا لكي تدخل القصبة دمك.

علمتني فريدة وهي تتأوه من حين لآخر في باحة جامعة قسنطينة بمواويل الجبال الشّاهدة على عنت كبير عميق غائر يتسرّب إليها عبر الدّم بأن الموسيقى قضية وراثية أيضا..

مؤخرا علمت بأنها لم تتزوّج، ولم تنل حظًا وافرًا من الحياة. وُلدت أكبر من الزواج وعاشت أصغر من طفلة ترقب الفرح من نافذة قلب الجرموني الجريح.

 

الحركة الرابعة: شرفات أرمينيا

جليلة امرأة رائعة بكلّ ما تحمله الرّوعة من إيقاعات.

أغرمت بحميد أحد الأعمام الغامضين الذين تجد لهم قصصا تصلح لأفلام سينمائية هندية لكثرة تقلبات الدهر التي فيها: شاب ذكي يكره المدرسة، مات أبواه على صغر فعانى من اليتم فيما النّاس يسترجعون أمومة الجزائر غداة الاستقلال، متفوّق في كلّ شيء فاشل في جلّ الأشياء، يفهم الجميع ولا أحد يبدي الاستعداد لفهمه؛ الشيء الذي انتهى به إلى تعمد إفساد كل شيء تقع عليه يداه.

حكاياهما تقول بأنه سقطت على أرضية حافلة من شدة الزحام، مد يده اليها ليعينها على الوقوف فوقعت في حبه ولم ترغب في يد أخرى تمتد إليها لتعينها على أي شيء.

مرة أخرى فشل المشروع الذي كان حميد بصدد العمل فيه/حوله/خارجه/عليه فوجد نفسه لأول مرة بامرأة على عاتقه وبضرورة كسب العيش، وضاقت السّبل أمامهما فعاد بها؛ هي ابنة أرقى أحياء العاصمة  إلى منزله الريفي الذي كان بائسا إلى درجن انه عندما حفر مجاري بيت الراحة جاءه الجيران يباركون الإنجاز: “مبروك عليكم المرحاض”..

كان من المفروض أن يدوم ذلك الوضع عدة شروط ولكنه دام اثنتي عشرة سنة تغيّرت بعدها المواقع والظّروف دون تحسن كبير عدا العودة إلى عاصمة بائسة لم تكن قبل ذلك تعلم أنها موجودة. كان شرطها واحدا ووحيدا: أريد عتادًا موسيقيًا جيدًا..

ظلّت تعيد الاستماع إلى أشرطة شارل آزنافور لمدة إحدى وثلاثين سنة.. آزنافور الذي كانا هي وزوجها بائس الحظ والوقت والأصدقاء يحفظان جل أغانيه. سننجح بعيدا عن العاصمة مثلما نجح هو بعيدًا عن أرمينيا. وكان يدندن لها أغنية آزنافور الملائمة:

A 18 ans, j’ai quitté ma province/ bien décidé à empoigner la vie

le cœur nouveau et le bagage mince/ j’étais certain de conquérir la vie.

وكانت تسمع في دخيلتها

Je vous parle d’un temps/ que les moins de vingt ans/ ne peuvent pas connaitre

dans son nouveau décor/ Montmartre semble triste/ et les lilas sont moooooorts

كان آزنافور روحًا ثانية تمنحها حياة قد تكون تعذرت عليها ، لسائليها عن شعورها إزاء سيرورة حياتها وللمتعمدين أن يشيروا إلى كون مصيرها غير مشرف لمسيرها كانت تشحذ ابتسامتها المعهودة قائلة: “عشت حياة جميلة جدا.. عرفت البؤس ولكنني لم أعرف التعاسة، جعت ولكن حميد ظل يغني داخل رأسي…ولا زلنا نقضي ساعات طويلة ضاحكين حد القهقهة…وأتساءل كم من نساء عائلتينا يفعل ذلك؟”

حينما كنت أسمع وأنا بعد صغير ذلك الكلام كنت أستحضر ابتسامة شارل آزنافور الأبدية التي كانت تواجه السراء والسراء.. سيسأل سائل: وأين الضراء؟.. سيجيب جليلة ومعها حميد و آزنافور:

Que c’est triste Veniiiiiise au temps des amours mortes….

Que c’est triste Venise adieu rêves perduuuuus…

الضّراء هي خلو الحياة من إيقاع الحلم وفراغ القلب من دقّات الحبّ.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

العاهرات يعدن هذا الأسبوع

بُترت ساق الطّريق، وانفض من حول الحمام الرّيح، تعكّر مزاج السّماء لكنها رفضت أن تنوح، …

يوم تافه... وأشياء أخرى!

يوم تافه… وأشياء أخرى!

على نافذة الغرفة، لم تعد أمي تضع قشور البرتقال، لتجفّ. ما عادت أيضا تضع قشور …