الأربعاء، 17 يوليو 2019

بن طلحة.. ذاكرة مُحرّمة في الجزائر

بيار دوم

من بن طلحة قبل 20 عاماً

بن طلحة.. ليلة 22 سبتمبر 1997.

في هذه القرية الزراعية الرّابضة في ضواحي العاصمة، أغتيل أزيد من 400 شخص في غضون ساعات قليلة من طرف عناصر “الجيا”(الجماعة الإسلامية المسلّحة).

في اليوم الموالي، التقط حسين زاورار، وهو مصوّر يعمل لدى وكالة “فرنس برس”، صورة تجّسد ألمًا رهيبًا لسيدة قُتل كل أفراد عائلتها. هذه الصورة ستحمل اسم “سيدة بن طلحة”، نظرًا لتشابهها الكبير مع الأيقونة المسيحية (صورة السّيدة مريم العذراء) وستنشرها كبرى الصحف العالمية، وهي تجسيد للعنف الذي كانت تعيشه الجزائر منذ أزيد من خمس سنوات آنذاك.

قبلها بثلاثة أسابيع وقعت جريمة مماثلة في قرية الرّايس، والتي تقع على بعد بضع كيلوميترات من بن طلحة وقد خلفت حوالي ألف قتيل. أصاب الجزائر ذهول زاد وتفاقم مع المجازر التي حدثت بعد ذلك. في الشهر الموالي وفي “سيق”، جنوب وهران: 50 ضحية. ديسمبر في “عمي موسى” (جبال الونشريس، ولاية غليزان): 400 قتيل. جانفي 1998 في “حد الشكالة” (الونشريس): أزيد من ألف قتيل. بعدها بأيام وفي قرية “سيدي حامد”(متيجة): 103 ضحايا، إلخ.

بعد بضع سنوات من العنف الموجّه أساسًا ضدّ العسكريين، الموظفين، المثقفين والأجانب، اتخذت الحرب الأهلية الجزائرية وجها جديدًا، أكثر رعبا، مع موجة المجازر ضد المدنيّين وهو ما خلق صدمة داخل الجزائر وخارجها.

بن طلحة.. ربيع 2017. لم يبق شيء من الماضي الزراعي للمكان. فقد وصل إلى الأزقة وإلى البيوت المتواضعة لهذه القرية القديمة ذلك التحضّر الكاسح الذي اجتاح سهول منطقة متيجة. خلال 20 سنة، كلّ البيوت زادت بطابقين مبنيّين بالآجر الأحمر أو أحجار البناء الرمادية. تتميّز شوارعها بهذه البشاعة الحمراء والرمادية والتي تشكّل خاصيّة المدن الجزائرية الحالية. الشّيء الوحيد الذي يضفي بعضا من السحر على هذا الديكور الحزين هو مسجد جديد شيّد حديثا عند مدخل الحيّ. كلّ النّساء يضعن خمارا يخفي جيدًا شعرهن، أما جسدهن فمُحاصر بشدة داخل معطف ذو ألوان باهتة. يسيّطر الرجال على الأماكن العمومية والكثير منهم ذوو لحى ويلبسون قمصانا، تلك التي يلبسها المسلمون من أجل الصلاة.

الإسلامويّون خسروا الحرب لكنهم استحوذوا على النّفوس

“في تلك الليلة، اغتيلت عائلة عمّي ولم ينجّ إلا ابن عمي والذي رحل بعدها”. قال رشيد وهو شاب في الثلاثين من العمر. ولكي لا نلفت الانتباه، أجرينا الحوار داخل سيارتنا. رفض رشيد أن يصّرح باسمه الحقيقي. “قد يقع مقالكم في أيدي الدولة وأنا لا أريد المشاكل”. لا يملك رشيد وظيفة قارّة وهو يعمل بصفة غير قانونية في مقهى يمنحه صاحبها في نهاية كل يوم مبلغ ألف دينار. هل يشعر بالحقد تجاه قتلة عمه وعائلته؟ (معظم هؤلاء القتلة، إن لم يتم القضاء عليهم بعد ذلك فهم يتمتعون حاليا بالحرية التامة في البلد – بعضهم ربما يسكن حاليا في بن طلحة). “لا. لقد سامحتهم. كلّ النّاس يخطؤون. بالنسبة لي، لم يكونوا حتى بإرهابيين. كانوا أشخاصا أغبياء لا يعرفون دينهم لأن المسلم الحقيقي لا يملك الحقّ في القتل!”. خارج السيارة ينطلق صوت مكبّر الصّوت ويرتفع الآذان داعيًا النّاس إلى الصّلاة. تمّر مجموعة من الرجال ترتدي القمصان متوجّهة نحو المسجد. “حسبيّ الله ونعم الوكيل”، عبارة دينية قالها رشيد قبل أن يقطع حواره معنا ليلتحق بركب المتوجّهين إلى المسجد.

تشكّل سنة 1997 السنة الأكثر دراماتيكية خلال هذه “العشرية السّوداء” التي أدمت الجزائر منذ 1992 وإلى غاية بداية سنوات 2000. منذ هذا التاريخ، مازالت بعض المجموعات الإسلامية المسلحة أو ما يعرف “ببقايا الإرهاب” تزرع الرّعب أساسًا في المناطق الجبلية وفي جنوب البلاد. تتميّز مجازر سنة 1997 بنفس الخصائص تقريبا: غياب أدنى تحقيق من طرف الدولة، منع وسائل الإعلام من الاقتراب من أماكن المجازر، تباين في عدد الضحايا. وأحيانا تخيّم الشكوك حول هوية القاتلين..

“بوقرة”.. هي أيضا واحدة من المدن الضّحايا. تقع هذه القرية الزراعية الكبيرة في قلب سهل متيجة على بعد 20 كلم من بن طلحة. منذ 35 سنة، يشتغل عبد الله عقون في طابق أرضي من مدينة “دلس” المشهورة جدا، باعتباره طبيب عائلات الحي. “لقد رأيت الكثير من مرضاي يتحوّلون إلى إرهابيين ورأيت عددا آخر كبير ممن قتلهم أو أصابهم الإرهابيون.” هل بمقدوره أن يعقد اتصالا بيننا وبين هؤلاء الإرهابيين؟ يردّ متعجبًا: “مستحيل! إذا بدأتم في طرح الأسئلة عليهم ستقبض عليكم الشرطة مباشرة!” حتى ولو قمنا بالأمر في سرية تامة؟ “لابد وأنكم تمزحون؟ هناك جواسيس في كلّ مكان!”. هل باستطاعته على الأقل أن يعّرفنا بأهالي الضحايا؟  “لا، الأمر غير ممكن! مازال يُعاني النّاس كثيرًا من هذه المرحلة. حتى ولو مرّ عليها عشرون سنة لكنهم لا يريدون الحديث عنها.”

كان إذا علينا أن نتوجه لوحدنا إلى “حوش بورلاف خميستي”، وهو حي نائيّ من أحياء بوقرة. قبل فجر يوم 22 أفريل 1997، لقي هناك حوالي 100 شخص حتفهم. يومها كانت نورية تبلغ من العمر 24 سنة وقد رأت بأمّ عينيها أختيها وابنة أخيها تُقتلن أمامها. “أبدو بخير وأنا أكلمكم لكن بداخلي كلّ شيء منهار.” هل هي مع ميثاق المصالحة الوطنية الذي أُنتخب عليه سنة 2005 والذي بموجبه تم منح العفو لقدامى عناصر الجماعات المسلحة ومنح مساعدات مالية لعائلات الأشخاص الذين قتلهم الجيش؟  “منذ سنة 2005 عادت الأشياء إلى مجراها الطّبيعي وما قامت به الدولة هو أمر إيجابي. ثم الحمد لله أصبحنا نملك الآن الماء والغاز”.

يقترب منا ابن أخيها خالد. كان يبلغ من العمر 11 سنة حين قُتلت أمه. “أنا ضدّ هذا القانون. لا يُعقل أن يقتل شخص آخر ثم تُمنح له الحرية!مازال خالد، وهو غير متزوّج، يعيش مع عمته في المنزل الذي شهد الجريمة. “في وسط المدينة، يحدث أن ألتقي بإرهابيين قدامى فأضطر إلى تغيير الرصيف.” لا يملك عملا ولا أرضا خاصة به. “أحيانا يتصل بي أشخاص لأعمل في أرضهم مقابل 1200 دج لليوم”. هل سعى للاستفادة من القروض التي تمنحها الدولة والموجهة للإدماج المهني للشباب؟ “مستحيل! هذه المساعدات محرمة (من وجهة نظر دينية)! ذلك أن هناك فوائد يجب دفعها”. في حديث لم يتجاوز ثلاثة جمل، فرض الإسلام نفسه كموضوع أساسي للمحادثة. “أنا إنسان ملتزم. أصلي الصلوات الخمس وغالبا ما أفعل ذلك في المسجد. هل أنت مسلم؟” لا. “لكن مؤمن على الأقل؟!”. لا. وتحت تأثير الغضب يهيج وجه محدثنا: “أخرج من بيتي حالا! لم يعد لي شيء لأقوله لك!”.

تزمّت كل من خالد ورشيد ليس استثناءً بل هو بادٍ للعيان في كل ربوع البلد، في الابتدائية والجامعة، في الشوارع، عند مدخل كل عمارة. يضيف الدكتور عقون قائلا: “في بداية الألفية ومع نهاية فترة الإرهاب، توارى ضغط الإسلامويّين وعشنا بعض سنوات من الحرية. لكن بعدها عاد أصحاب اللحى وبقوة وفرضوا منطقهم”. خلال عشرين سنة، انتقل عدد المساجد من أقل من عشرة آلاف إلى أزيد من عشرون ألف وبمباركة من الدولة، هذه الأخيرة تعتبر أن مشروع القرن بالنسبة لها هو “أن تبني في العاصمة أكبر مسجد في العالم” بعد مسجدي مكّة والمدينة في السعودية. بطاقة استيعاب تصل إلى مئة وعشرين ألف مصلّي، من المزمع أن يتم تدشين “مسجد بوتفليقة” (كما يسميه الكل) قبل نهاية السنة الجارية.

بالنسبة للكثير من العلمانيين أمثال الدكتور عقون “فقد خسر الإسلامويّون الحرب لكنهم استحوذوا على النفوس”. اليوم، وبصرف النّظر عن بعض الدوائر المعزولة من المثقفين أو الفنانين في العاصمة، فإنه من المستحيل أن يقرّ أي شخص بكونه ملحدًا أو على الأقل أن يتحرر من هذا التباهي بالتديّن.

تروي لنا حسيبة، وهي أستاذة الأنثروبولوجيا في جامعة جيجل: “أبلغ من العمر 59 سنة وأنا المرأة الوحيدة في حيّي التي تخرج إلى الشّارع دون حجاب. لا يمرّ يوم دون أن أتعرّض إلى تعليقات جارحة من جاراتي اللائي يعتبرنني بحسب قولهن غير محتشمة. ولكم أن تتخيلوا لو أنهن يكتشفن بأنني لا أؤمن بالله؟ سيكون لزاما علي أن أرحل، هذا مؤكد”. مع زوجها الشيوعي وحين يستقبلون رفاقهم من العاصمة، يحدث أن يفتحوا زجاجة نبيذ. يقول زوج حسيبة مازحا: “في هذه الحالة، نُغلق كل شيء! الباب، المصاريع، الستائر. الأمر أسوأ مما كان عليه زمن الاجتماعات السرية لما كان الحزب محظورا!”.

في جيجل وفي غيرها من المدن الداخلية، توالى تدريجيا غلق المطاعم التي تقدّم المشروبات الكحولية وأحيانا بأمر مباشر من الوالي، أو لأن صاحب المطعم لاقى الكثير من العراقيل أثناء محاولته تجديد رخصة الاستغلال. “وحين نكون في مطعم في العاصمة فإن زوجي يشرب كأسه لوحده أما أنا فلا أشرب لأنني لم أعد أطيق نظرات الناس” تضيف حسيبة.

لم يتم القيام بأي شيء لعلاج هذه الصّدمات

للوهلة الأولى، قد يُفاجئنا هذا التديّن الزائد. فكيف لمجتمع عانى كثيرا من ويلات الإسلاموّية أن يتبّنى قواعد هذه الإسلاموية إلى هذا الحدّ؟ في عيادته بالعاصمة، يستقبل الطبيب النفساني خالد آيت سيدهم الكثير من المرضى الذين يُعانون من تبعات سنوات التسعينيات. يحرص على التأكيد بأن “العودة إلى الممارسة الدينية الإسلامية لا يعني فقط الجزائر لوحدها. الأمر ظاهرة عالمية”. لكن بخصائص جزائرية محضة؟  “نعم. العنف الذي وقع منذ عشرين سنة – عنف جاء كإضافة إلى عنف الاستعمار– أثار صدمة يعاني منها الجميع حاليًا. يلعب الإسلام دور المسكّن. والمشكلة هو أن بعض المسكّنات تخلق إدمانا وتبعية قوييّن. وهو الحال مع الدين. خاصة إذا ما كان بيعُ هذا “المخدر” مدعمًا من طرف الدولة”.

عادة ما تستخدم المسكّنات من أجل التّخفيف من الألم في انتظار أن يتم معالجة المرض بشكل نهائي. غير أنه لم يتم القيام بأي شيء من أجل معالجة الصّدمات بشكل عميق. لم تفكر الحكومة أبدا بالسّماح للجزائريين – سواء الضحايا أو الجلادين – بأن يتحدثوا عن هذا العنف الفظيع الذي اجتاحهم. لا وجود لأي هيئة مثل “هيئة الحقيقة والكرامة” كما في تونس بعد دكتاتوريات بورقيبة وبن علي أو “هيئة الإنصاف والمصالحة” كما في المغرب بعد دكتاتورية الحسن الثاني.

في 2005، نجح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في إقناع الشعب الجزائري بأنه يكفي بأن “نُسامح” وبأن نعفو على الجميع كي يستتب الأمن من جديد وتُطوى صفحة العنف إلى الأبد. “أللي فات مات” على قولة المثل الشعبي. يذكّر خالد آيت سيدهم بأن “الماضي لا يموت أبدًا. ميثاق المصالحة الوطنية لسنة 2005 كان مروّعا لأنه تغاضى عن الصّدمات عوض أن يقوم بمعالجتها وفرض على الضّحية بأن يغفر خطايا جلاّده. غير أنه، وحتى ولو فكرت في أن تقوم بذلك، إلا أنه لا وجود في النفسية البشرية لضحية تصبح صديقة مع جلادها“.

لا يوجد في الجزائر إلا خمسة محللّين نفسانيين  بالإضافة إلى شبكة جد ضعيفة من علماء النفس يتم إرسال الحالات المعقدة إلى مستشفى الأمراض النفسية حيث لا تتوفر إلا المعالجة عن طريق الأدوية، التقيّيد بالقوة والصدمات الكهربائية.

يقول الدكتور عقون متحسرا: “حين يأتيني مريض يعاني من مشاكل نفسية متعلقة بالإرهاب لا أعرف حتى إلى من أوجهه. الأسوأ من ذلك هو أنني أعلم بأنه سيذهب لزيارة راق”. الرّقية هي ممارسة تعود جذورها إلى العصور القديمة للإسلام والتي ترى بأن العلّل النفسية مردها وجود جنّ استولى على روح المريض. فيسعى بذلك الراقي إلى إخراج هذا الجنّ من جسم المريض عن طريق قراءة بعض السّور القرآنية، عن طريق تقديم قرابين حيوانية أو شرب بعض الخلطات التي قد يؤدي نوع منها إلى الموت.

إن ميثاق 2005 يغضّ الطّرف ليس فقط عن الصّدمات بل عن المسؤوليات أيضًا. في نصّ الميثاق لا نجد أثرًا لكلمة “الإرهاب” واستعيض عنها بعبارة “المأساة الوطنية”؛ وفي كل مأساة وحدهم الآلهة أو القدر من يتحمّلون مسؤوليتها. “أعتبر نفسي ضحية”، هكذا صرح لنا السّيد عمر شيخي، عضو سابق في كتائب الموت، وهي جماعة مسلّحة تنضوي تحت لواء الجيا وكان يقودها في ذلك الوقت السّفاح جمال زيتوني والذي توفّي في جويلية 1996، ومن بين التّهم الملقاة عليه اختطاف وقتل رهبان تيبحرين (ربيع 1996). يتجّهم “الإرهابيون” السابقون في الحديث إلى الصحافيين ولكننا تمكنا من لقاء بعضهم وقد حرصنا على أن يكون ذلك ليلا ومختبئين في سيارة مركونة في شارع مجهول. حتى ولو كانوا يتمتعون بحكم العفو عنهم والذي يحميهم من أي متابعة قضائية إلا أنهم يعلمون، شأنهم شأن غيرهم من الجزائريين، بأنهم ليسوا أبدًا في معزل عن مضايقات. مثلهم مثل السيد شيخي، كل الإرهابيين يعتبرون أنفسهم ضحايا.

“لقد كنت محظوظًا فأنا لم أقتل أي شخص وضميري مرتاح”. يؤكد وعلى غير المتوقع السيد سعيد. ك، أمير جهوي سابق في الجيا ومؤسس الجبهة السلفية للدعوة والقتال بمعية السيد حسان حطاب – هذه الجبهة التي ستنوب في سنة 1998 عن الجيا وعن الجيش الإسلامي للإنقاذ، الفرع العسكري لحزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ. وفيّ لتدينه الصّارم، يشتغل سعيد ك كإمام في مسجد حيّه الواقع ببئر توتة في ضواحي العاصمة. “أنا مدرك لكل ما قام به وأنا فخور بوالدي!” يؤكد عدلان، ابن السيد عبد الحق لعيايدة، وجه آخر بارز من وجوه “الإرهابيين” الجزائريين، والمقيم حاليا في حي براقي مشتغلا في تجارة مواد البناء. “لم يكن والدي إرهابيا. كان رجل سياسة معارضا للدولة، امتهن السّياسة بالسلاح، هذا كل ما في الأمر”. ولأنها كانت على علم بموعدنا مع السيد عبد الحق لعيايدة فقد منعتنا المصالح الأمنية الجزائرية من لقائه. بعد بضع دقائق من الحديث مع ابنه قام عون أمن بزيّ مدني بالتدخل وقطع حوارنا. تحقيقنا سيكلفنا بعدها التعرض إلى استجواب لمدة ساعتين في مخفر للشرطة بالعاصمة قبل أن يتم إطلاق سراحنا.

كثيرون يخافون من عودة العنف

بعد أزيد من عشر سنوات عن ميثاق المصالحة الوطنية، مازال المجتمع الجزائري بعيدًا عن التّصالح مع ذاته والكل يلقي على الآخر مسؤوليته في العنف. لا يشعر بأي ندم أولئك الناخبون الذين صوّتوا للفيس منذ 1989 وإلى غاية حلّه في مارس 1992. “نعم! لقد انتخبت لصالح الفيس كما فعل 90% من الناس هنا” يقول واثقا سعيد، وهو بائع في محل صغير للكتب الدينية قرب مسجد “السنة” في باب الوادي.

في تلك الحقبة، كانت شوارع الحي تعجّ بالمصلين في الوقت الذي كان فيه الصّوت المحموم لعلي بلحاج، الزعيم الكاريزماتي للفيس، يردّد من مكبرات الصوت لهذا المسجد بأنه ومن أجل دولة إسلامية “عليها نحيا وعليا نموت!” كالكثير من جيرانه، أطلق سعيد لحية كثّة وهو لا يرتدي إلا القميص. إلى اليوم مازال سعيد يرغب في أن يصبح بلده إسلاميا. “لكنني لا أرغب في طريقة العنف. أنا سلفي وطريق السلفية الحقّ هو الخير والطيبة”.

أولئك الذين فضّلوا في سنة 1992 خيار الانقلاب العسكري عوض خطر العيش في ظلّ دولة تحكمها الشريعة هم بدورهم لا يبدون أي ندم. “شخصيا، أعلم اليوم لماذا عانيت كثيرا: كي يكون ليّ الحق في أن أمشي حاليا في الشارع دون حجاب”. سرعان ما انتاب السيدة شريفة خدار الغضب حين عبّرنا عن فرضية أنه لو لم يكن هناك هذا الانقلاب العسكري لما مات هذا الكم الهائل من الأشخاص – 200 ألف شخص بحسب التقديرات المتداولة (في غياب عدد دقيق). في إحدى مساءات 1996، قُتل كل من أختها وأخيها تقريبا أمام ناظريها. هي اليوم رئيسة جمعية “جزائرنا” التي تناضل من أجل حقوق ضحايا “الإرهاب”. “كان الجيش حصننا الوحيد ضد الإرهاب. لكننا اليوم محتقرون وحين نتظاهر تقوم الشرطة باحتجازنا!”.. الأوساط العلمانية والتي هي فرنكفونية في معظمها تدعم استيلاء الجنرالات على الحكم في سنة 1992 لكنها في نفس الوقت معارضة للنظام الحالي والذي أقامه نفس هؤلاء الجنرالات لكن يُعاب عليهم كونهم متمادون في موقفهم “المناوئ للديمقراطية”.

الكلّ متّفق على شيء واحد: القتلة الذين عرفتهم الجزائر منذ عشرين سنة هم دون أدنى شك وحوش. تقول بكل أسف كريمة لعزالي وهي محللة نفسية تشتغل بين الجزائر وباريس: “لم نستطع الوصول إلى تساؤل جماعي عن الشّيء الذي أدى بنا إلى هذا الحال. ما الذي ولّد هذا العنف داخل مجتمعنا؟ إن خلق صورة الوحش تمنع أيّ تفكير ذاتي. في حين أن هؤلاء القتلة هم بشر أنتجهم المجتمع الجزائري. إذا لم ننطلق من مبدأ أن لدى هؤلاء الأشخاص شيء ما لنتعلمه منهم فإننا لن نستطيع أبدًا تجاوز صدماتنا. عوض هذا، جعلنا منهم وحوشا ثم قمنا بحبسهم داخل خزانة. غير أن الوحوش تعشق الخزانات وكلما قمت بالإغلاق عليهم كلما كبروا أكثر. وفي نهاية المطاف ستنفجر الخزانة حتمًا”.

يواصل الخوف ملأ صدور ويوميات الجزائريين. خوف منتشر كالنّار في الهشيم، ينخر دواخل النّاس وفي كلّ يوم يزيد حدة بسبب الشكوك السياسية حول خليفة الرئيس الذي أنهكه المرض، عبد العزيز بوتفليقة. خوف تعيشه كلّ امرأة تمكث طويلا خارج بيتها. خوف من الخروج، أو أن تبقى خارج البيت وقد حلّ الليل. خوف من الشرطة، من الشرطة المدنية أو من الوشاة. خوف من أي شخص سرعان ما يُعتبر عدوا فقط لأنه غريب. خوف من الإسلامويين المسلحين الناشطين والذين تتحدث عنهم الجرائد بشكل يومي تقريبا، حين يتم القضاء عليهم برصاص الجيش. وخوف أيضا من كل هؤلاء “الإرهابيين التائبين” المحميّين بالقانون ضد كلّ شخص يتجرّأ على رفع دعوى قضائية ضدهم. عليكم أن تروا الأعين المتوجسة خيفة لسكان براقي حين سألناهم عن عنوان فيلا عبد الحق لعيايدة التي كنا نبحث عنها. “هنا، الكلّ يعلم أين يسكن لكن لن يتجرأ أحد ويخبركم! الأمر في غاية الخطورة!”.

 

(عن صحيفة لوموند ديبلوماتيك)

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الكتابة لحظة وعي أم وظيفة أيديولوجية؟

سؤال افتتح به الكاتب الرّاحل محمد بوشحيط(1943-1996) كتابه الأوّل، الذي صدر عن المؤسسة الوطنية للكتاب(1987)، …

فنلندي في الجزائر أو الحبّ الجيوسياسي

حاوره: أمزيان فرحاني. ت: جلال الدين سماعن التقينا أوسمو بيكونن بالمكتبة الوطنية يوم الإثنين 28 …