الأربعاء، 17 يوليو 2019

فصل من رواية «الدوائر والأبواب» لعبد الوهاب عيساوي

عبد الوهاب عيساوي

عن دار ميم للنشر، صدر حديثاً للكاتب عبد الوهاب عيساوي رواية تحمل عنوان «الدوائر والأبواب» وهي الرواية الفائزة بجائزة سعاد الصباح لسنة 2017. وقد سبق للروائي الشاب أن أصدر رواية تحمل عنوان «سييرا دي موريتي» وهي الرواية التي حصدت عددا من الجوائز الوطنية أبرزها جائزة آسيا جبار سنة 2015.

فيما يلي مقطع من روايته الجديدة «الدوائر والأبواب»:

 

أحمد…يا أحمد …. صوت مثل هزيم الرعد ارتفع في غفوته، لم يستفق، شق الصوت حجاب المنام، وتكاثف النور من حوله، وقف وهو الطفل، وامتد ظل والده أمامه، لم يتكلم، ولكن صوتا راعدا خاطبه …طوال عمرك كنت لاهيا يا أحمد، ضيّعت اللوح المرسوم بكلام الله، ثم نسيت حروفه، وجريت خلف جرار اللاقمي* وبنات عيداس*، حملتك الصحراء سفاحا وليتها خنقتك.

ارتد الصوت إلى مكانه، وذاب الضوء في مساحة الظلمة التي انتشرت من حوله، أفاق مرعوبا والتفت حوله، مازال الظلام يلف الغرفة، ولكن خيط نور ضئيل تسلل من كوة في الجدار، أنار مكانا صغيرا قربه، مدَّ يده، تحسس المكان المضاء، ورفع رأسه إلى السطح حيث أضاء له جريدة نخل يابسة، شعور غريب غالبه، وهو يرفع رأسه مرة أخرى ليرى السطح، أغمض عينيه لدقائق، واستنشق أريجا مختلفا، وما إن فتح عينيه، حتى انهمرت خضرة النخل من حوله، تدلى سعفها وحجب الشمس، إلا خيوطا دقيقة تسللت، وامتد الحقل أمام ناظريه إلى نهاية الرؤية. سار خطوات إلى الأمام، وتوقف للحظات أمام دربين، اختار أحدهما دون تفكير، ومشى مسافة أخرى غير قصيرة، لكنه اكتشف أنه عاد إلى مكانه أمام مفترق الدربين. ترامى له الدرب الثاني مختلفا، فكلما تقدم فيه تضاءل الزرع من حوله، واتضح الطريق أكثر، حتى صار يسع العربة، وللحظات أصاخ السمع، صوت ما كان يشرخ الصمت، أصوات صبية ترتفع من حوله كلما توغّل بين النخل، وأخيرا انفرج الطريق، على باحة تحت نخلة عظيمة، تحلقوا حولها يرددون ما يتلو عليهم العجوز من آيات قرآنية.

انتبه العجوز إلى أحمد، وصرخ مناديا عليه من بعيد أن يتقدم، وما إن اقترب حتى كانت العصا فوق ظهره: أين كنت لاهيا يا أحمد، لقد نبهتك مرارا ألاّ تتأخر هكذا، ولكنك لا تسمع الكلام، يجب أن أقتل هذه الدودة التي في رأسك حتى تستريح منها، أو أستريح منك.

– ولكني تهتُ يا سيدي.

– هذا الكلام قله للحريم هناك في القصر، أنا أعرفك.

– والله يا سيدي أنا لا أكذب.

– قلت لك لا تحلف حتى يطلب منك.

قال الشيخ ذلك، وكانت العصا تنزل على ظهر الطفل، ثم سحب اللوح من خلف النخلة وأعطاه له، وأمره بالجلوس أمامه.

في المساء سرّحهم الشيخ، كل صبي أخذ طريقه إلا هو، تشابهت عليه السبل، لم يعرف أيها سيختار، جلس تحت نخلة عجوز، غفا هنيهة ثم استفاق على ضربات الدفوف، الصوت قادم من طرف الواحة، قال في نفسه، وجرى إلى نهايتها حيث قاده الصوت، ازداد حدة مع تقدمه، وميّز أصواتا عذبة تصدح بالغناء، ركض حتى كاد أن يسقط، وتجاوز كل الأعشاب المرتفعة بقفزات طويلة، داخله شعور بأنه قد مر من هنا من قبل، وإن كان في الحلم، لم تلح الفكرة على مخيلته، كان الصوت آسرا، ذكّره اندفاعه بنوع من الطيور، تغني للرعاة وتغريهم بالمسير خلفها باتجاه السباخ، وما إن يستفيقوا من سحر الغناء حتى يكتشفوا بأن الأوحال قد تجاوزت ركبهم، يصرخون طلبا للنجدة، ولكن الطير قد نفث سحره، وغادر الشط الملحي بعد أن سلب الأرواح.

لم ير أحمد الطير المسحور من قبل، تخيّله من قصص جده، الحاج بابا عبد الرحمن، باني الدار وصاحب كرامة البئر، كان يذكر صوته وهو يناديه من غرفته، وعند سماعه يهب قافزا إلى حضنه، يدثره ببرنسه، ويسحب له حلاوة الطحين من تحت الوسادة، ويشرع في سرد القصص الخيالية، ولكن تلك القصة بقيت عالقة في رأسه، حتى عندما قارب الخمسين، منفيا في مدينة الجلفة، يتذكر حضنه وطعم الحلوى وقصة الطير، وأغاني التيه التي يغري بها الرعاة التي طالما حذره جده منها، لقنه آية الكرسي والمعوذتين، وقال له : إذا سمعت صوته، أغلق أذنيك، واتل ما لقنتك إياه. لكن الطائر تخلّف عن الواحات لسنوات، وظهر بنو عيداس، ولتلك الفترة لم يعتدهم سكان الواحات كمقيمين، بل كرُحل يجوبون الصحراء، يُمارسون طقوس تيههم منذ آلاف السنين.

تعالت أصوات الدفوف مع اقترابه، وازدادت الطرق توغلا أمامه، حدس بأن عليه التراجع، وأن الأصوات العذبة التي تعالت تدعوه، ماهي إلا صوت الطائر المسحور، ولكنه عاد وتذكر الوصية، توقف واختبأ في دغل من الأعشاب الكثيفة، أغلق أذنيه وشرع يتلو في سره الآيات التي يحفظها، علّ اللعنة تنزاح، دعا في سره أن يكون الصوت حقيقيا، لذة عارمة تسللت إلى جسده، قال في نفسه : لا يمكن أن يكون هذا صوت الطائر، إنها أغان بشرية، وتأكد من ذلك وهو يزيل الحشائش أمامه، رآهم هناك يتحلقون حول النار، الرجال في مسوح مختلفة الألوان يضربون الدفوف، والصبايا يرقصن حولهم، لم يصدق ما رأى، أغمض عينيه طويلا ثم فتحهما، رأى الريح وهي تحمل الحرير المسدل، تطوف به وتعيده، يتهادى عائدا إلى انحناءة أجسادهن، رأى النار وهي ترافق رقصهن، تتلوى فتمتزج حمرتها مع لون الأوشحة، وحين التفتت إحداهن تجاهه ارتخت رجلاه. كانت عيناها ترقبانه ولا ترقبانه، ضرب قلبه بشدة، شعر به وهو يكاد يمزق صدره، ازدادت عيناها اتساعا وهما تسحبانه إلى الأمام، وبدون وعي كان يزحف إلى حيث النار، استطالت المسافة بينهما، وللحظة استجمع قوته ووقف، وسار تاركا النخل خلفه، ووجهه مصوبا نحوهن، على يمينه نصبت خيام بني عيداس، وأمامه اشتعلت حمى الرقص، جلس على الرمل يرقبهن، بينما مالت الشمس إلى الجهة الأخرى من العالم.

لم يعتد بنو عيداس أن يختلطوا بسكان الواحات، وكغجر للصحراء جعلوا سدا عاليا بينهم، يمارسون طقوس تيههم، لكنهم رحبوا به، قادته إحدى الراقصات إلى خيمة الشيخ، كلّمه بلغة لم يفهمها، وعندما رأى وجهه الخالي من أي معنى، عاد وخاطبه بلغة سكان الواحات:

– لا زلت صغيرا على تجاوز هذه المسافة وحيدا، ألم يحذرك أهلك من الابتعاد عن القصر؟

– لست صغيرا، قد تجاوزت الاثنتي عشرة، وشيخ الكتّاب قال إنه قد وجب عليّ الصيام، لقد أصبحت رجلا.

– كيف استطعت الوصول إلى هنا؟

– قادتني الأصوات.

– لا بأس ستقضي الليلة هنا، تحتفل معنا، ولكن عدني بأن لا تعود إلى هنا مرة أخرى.

قال الشيخ ذلك وربّت على ظهره، ثم وقف وأمر المجتمعين بالعودة إلى مكان الرقص، مثلما اجتمعوا في البداية، ولكن هذه المرة، كانوا يحملون جرار اللاقمي، ويصدحون بالغناء بصوت واحد، أعطوه جرته بينما كان جالسا على الرمل، مأخوذا برائحة النار، وانحناءات الأجساد وهي تتلوى طائفة بها، خنقت يده عنق الجرة، رفعها إلى أعلى وعبّ شربة منها، شعر بطعم التمر الممزوج بحموضة غريبة، لم يستطع أن يبلعها بسهولة، أومأت له إحدى الراقصات بأن يستمر، رفع الجرة مرة أخرى، وعبّ شربة أكبر من الأولى وبسرعة بلعها، اختمر التمر في جسده، وتسلّقت اللذة إلى روحه، كادت أن تقفز إلى خارج جسده، صرخ بذلك، وجرى تحت ضحكاتهم كأنه يطاردها، خُيِّل إليه كأن روحه حالت إلى الطائر المسحور، طارده في كل الاتجاهات، ركضوا خلفه، وأمسكوا به عند خيمة الجرار، سحبوه حتى مكان النار، وبعد أن قيّدوه رموه فوق الرمل، منهكا من السكر والجري، راقبهم على حاله، حاول أن لا يسمح لجفنيه بأن يغمضا، وكلما اقتربا من بعضهما، فتحهما بقوة، لمرتين أو ثلاث، حتى ضرب رأسه الرمل بقوة وغطّ في نوم عميق.

—–

* اللاقمي: خمر يستخرج من النخل

* بني عيداس: قبيلة بربرية رحالة

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

يوم تافه... وأشياء أخرى!

يوم تافه… وأشياء أخرى!

على نافذة الغرفة، لم تعد أمي تضع قشور البرتقال، لتجفّ. ما عادت أيضا تضع قشور …

يمينة مشاكرة : شاهدة على غرق السفينة

في  19 مايو تحلّ ذكرى رحيل الكاتبة الجزائرية يمينة مشاكرة (1949-2013) الكاتبة والطبيبة المختصّة في …