الجمعة، 15 ديسمبر 2017

رودريغو بلانكو كالديرون.. لا فرق بين الجزائر وفنزويلا

 ترجمة: سماعن جلال الدين

رودريغو بلانكو كالديرون

نشرت مجلة “لير” الفرنسية، العام الماضي، مقالا عن الكاتب الفنزويلي رودريغو بلانكو كالديرون. قرأته يومها بدهشة وبخوف كبيرين نظرًا للتّشابه الصّارخ بين سيناريو ما حدث في فنزويلا(يومها كانت قد بدأت المظاهرات وأحداث الشغب) والسيناريو الذي تتجه إليه الجزائر.. عاد هذا المقال إلى ذهني، بحثت عنه وترجمته..

رودريغو بلانكو كالديرون(1981-)، تلميذ روبيرتو بولانيو وأحد النّجوم الصاعدة في سماء أدب أمريكا اللاتينية. في روايته الأولى “الليل”(2016)، يتحدّث عن انقطاع الكهرباء المتكرّر والكبير الذي تعيشه مدينة كركاس ويرسم لنا لوحة لاذعة عن فنزويلا، بلد أنهكته سنوات من “الشافيزم”(نسبة إلى هيغو شافيز).

“اخترت أن أبدأ رواية “الليل” بالحديث عن ذلك الرّكود الرّهيب الذي عرفته كاراكاس سنة 2010 لأنه شكّل أولى الدّلائل التي لا جدال حولها بأن البلد كان بصدد التّشتت. انطلاقا من تلك اللحظة، بدأ الفنزويليون يمكثون في بيوتهم وخلت الشوارع من مرتاديها. كان الأمر أشبه بحضر تجوال فُرض عليهم. انقطاع الكهرباء المتكرّر كان وراء نوع جديد من الظّلام أطلقت عليه شخوص الرواية الظلام “القوطي”(Gothique) ويمكننا أيضا تسميته “بالميتافيزيقي”.

ما هو مصدر كلّ هذا؟ إنه مكوث هيغو شافيز وحاشيته في الحكم لمدة سنين طويلة. بسببه غدت فنزويلا أشبه ببلد مخدّر، أنهكه التّضخّم الكبير وانقطاعات التّيار الكهربائي. بلد يعجّ بالمعتقلين السّياسيين ويشهد إعدامات شعبية، هجرة جماعية وندرة في الأطعمة والأدوية.

والأخطر من ذلك، شهد البلد اغتيال أزيد من مائتي ألف شخص خلال سنوات حكم شافيز. والنّتائج العميقة لكلّ هذا تشبه إلى حدّ بعيد تلك التي تخلّفها حرب أهلية. أود فعلا أن أتخيّل بأن الشافيزم سيمّر كذكرى عابرة في تاريخ بلدنا لكن الواقع غير ذلك. لقد شكّل هذا الشافيزم كارثة دمّرت البلد بأكمله إلى درجة أننا لم نعد نتعرّف عليه. ويلزمنا أجيال كثيرة ليكون في مقدورنا النهوض به من جديد. رواية “الليل” تعتبر تكثيفا لهذه المحنة، حيث حاولت أن ألّخص في سنة واحدة أشياء وقعت خلال عشر سنوات.

بعد وفاة الرئيس هيغو شافيز غرق البلد في فوضى عارمة. بالمقارنة مع حكومة شافيز التي يمكننا القول بأنها تميّزت بشيء من الديمقراطية التي تحوّلت، شيئا فشيئا، إلى نظام شمولي وغيّر فعال، فإن حكومة نيكولا ماديرو سرعان ما أصبحت وبشكل علني دكتاتورية غير قادرة حتى على ضمان حقّ العيش للسّكان لأنه لا مجال لأن نتحدث عن ضمان عيش كريم لهم.

أصبح العنف رمزًا ليوميات الفنزويليين. العنف مُرادف للواقع. وفي بعض الأماكن على ندرتها أين يستتب بعض الأمن يُحاول النّاس العيش أو تجاوز المحنة. وهذا ما يحدث لكل من ميخال أرديلاس، ماتياس راي وبيدرو ألامو وهم أبطال الرواية الأساسيين. يبذلون آخر مجهود لهم بواسطة التّلاعب بالكلمات، بالأدب واللسانيات قصد إيجاد معنى في خضم كل هذا السديم.

في فنزويلا، مازالت إلى اليوم الأزمة الطاقوية في أوجّها ومن الغرابة بمكان أن بلدا يزخر بهذا الكمّ الهائل من الموارد البترولية يعيش وضعية مأساوية كهذه. وما هو إلا دليل على مدى فساد وعدم فعالية حكومات تشافيز وماديرو.

في نهاية المطاف، يمكن تفسير الأمر بشكل بسيط جدًا: لقد سرقوا كلّ شيء ولم ينجزوا أي شيء. بحسب بعض المختصين في الاقتصاد، الحكومات التشافيزية اختلست أزيد من ألفي مليار دولار.. اختفت 25 مليار دولار فقط بسبب شركات “وهمية”.. غير أنه بإمكاننا أن نتصوّر أن حجم النّهب كان أكبر بكثير. وكلّ هذا قد أدى إلى وضعية مأساوية وعبثية: أصبح لزاما على فنزويلا أن يستورد البترول..

وبالرّغم من كلّ شيء إلا أنني مازلت عاقدا الأمل وأعتقد بأننا بصدد عيش آخر لحظات الحقبة التشافيزية في الحكم. إلا أنها اللحظات الأكثر صعوبة والأكثر خطورة.”

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

“مولانا” يعيد فتح جراح الجسد العربي

زهور شنوف أخيرًا، وصل فيلم “مولانا”، إلى الجزائر، وعُرض مؤخرًا ضمن “مهرجان وهران الدّولي للفيلم …

1984.. الرّواية التي تنبّأت بما يحدث الآن

الأمين فاروق “1984”.. رواية الإنجليزي جورج أورويل)1903-1950) عادت، مجدداً، إلى الواجهة، ويبدو أنها تعكس أفضل …