الجمعة، 15 ديسمبر 2017

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

رشيد فيلالي

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق السّيارات، غير أن الملفت في الأمر أن الصّور المعروضة على القناة كانت غير مرفقة بالتّعليق مثلمًا جرت عليه العادة.

وتساءل المشاهدون وككلّ المتتبعين لهذا الحدث الرياضي الذي يجري على الأراضي الفرنسية عن سبب غياب هذه الخدمة الإعلامية الضّرورية، أقصد التعليق الرياضي، الذي من المفروض أن لا تقع فيه قناة محترفة ومعترف لها بالتميز مثل TF1.

وبعد معرفة الحقيقة، صدم الجميع لمستوى المخاطر الثقافية الكبيرة التي صارت تهدّد فرنسا في عقر دارها، حيث تبيّن بأن وراء عدم عرض التّعليق الفرنسي يعود إلى كون مالك حقوق البثّ لسباق السيارات بريطاني، وهو الذي فرض أن يقتصر التّعليق بالإنجليزية دون غيرها، حتى ولو كانت لغة البلد المنظم نفسه وهي الفرنسية!

وأمام مرارة ما حدث فضلت القناة على مضض نقل مشاهد من تفاصيل الحدث الرياضي مصحوبة بوشوشة وصوت محركات سيّارات السّباق فقط، وفي ذلك طبعا دلالة رمزية واعتراف ضمني بهزيمة نكراء منيت بها اللغة الفرنسية أمام ضرتها الإنجليزية.

وفي الحقيقة هذه ليست المرّة الأولى التي تحدث فيها مثل هذه المفارقات، حيث أن فيلسوفا كبيرًا وهو ميشال سير الذي مارس التدريس في أشهر الجامعات الأمريكية لفترة زمنية طويلة، أعلن مؤخرا وبالفم المليان أن جدران شوارع المدن الفرنسية صارت تعجّ بالكتابات الإنجليزية أكثر مما كان مكتوب عليها باللغة الألمانية خلال الاحتلال الألماني النازي.

وأضاف موجها نداء إلى عامة الفرنسيين: “يجب القيام بإضراب عن اللغة الإنجليزية، التي أصبحت لغة الطبقة الحاكمة، على حساب اللغة الفرنسية لغة الفقراء!”. ثم تابع بالقول:”وإذا كان هذا حال الفرنسية فما ذا نقول عن اللغة البروتانية؟”.

وينصح الفيلسوف ميشال سير الفرنسيين أن يقاطعوا كلّ المنتجات المعلن عنها باللغة الإنجليزية، وكل فيلم لم يترجم لا يشاهد، وعندما تنخفض مداخيل التّجار بنسبة 10 في المائة فإنهم سوف يعودون مجبرين إلى استعمال اللغة الفرنسية.

إن الطبقة الحاكمة الفرنسية – يتابع ميشال سير – لم تتحدّث أبدًا لغة الشّعب، ففي السّابق كانت تتكلم اللاتينية، وكان الشّعب الفرنسي يتكلم الفرنسية، وفي الوقت الراهن الطبقة الحاكمة تتكلم الإنجليزية، فيما أضحت اللغة الفرنسية لغة الفقراء، وأنا أدافع عن لغة الفقراء، “ولهذا أطلب من الفرنسيين القيام بإضراب في هذا الشأن”.

والطريف في الموضوع أن البريطانيين المعروفين بدمهم البارد، والتحكّم في أعصابهم وحنكتهم الشديدة، أسسوا عام 1999 جائزة طريفة وخبيثة الأهداف، اسمها “La Carpette” وفي كل عام تسلم لشخصية نخبوية فرنسية “داست” على قانون توبون(1994) الخاص بحماية اللغة الفرنسية والمادة الثانية للدستور الفرنسي (الفرنسية هي لغة الجمهورية) وتحدث بالإنجليزية أو دافع عنها في لقاء رسمي أو في مؤسسته، ومن النخبة الفرنسية المكرمة في هذا الشأن الرئيس المدير العام لشركة “رونو” لوي شفايتسر عام 1999 وذلك لأنه فرض تقديم تقارير الشركة باللغة الإنجليزية، وكان سيفوز بها للعام المذكور الوزير كلود أليغر لأنه صرح قائلا: “على الفرنسيين أن يكفوا عن اعتبار الإنجليزية لغة أجنبية”.

وقد فاز بالجائزة أيضا وزير الدفاع الفرنسي عام 2000 ألان ريشار والوزير السابق بيير موسكوفيتشي، وغيوم بيبي وحتى اتصالات فرنسا “France Télécom” كرمت بهذه الجائزة عام 2005 عن خدماتها في تمرير رسائل وتطبيقات بالإنجليزية.

وتبقى المفاجأة الكبرى هي منح الجائزة للمجلس الدستوري الفرنسي، لخرقه المتكرر للمادة الثانية من الدستور وهي”الفرنسية لغة الجمهورية”!

آن فلورنس شميت نالت جائزة La carpette العام الماضي

ومنحت الجائزة كذلك لمدير نشر جريدة لوموند جون ماري كولومباني، الذي نشر عام 2002 ملحقا أسبوعيا بالإنجليزية مأخوذا مباشرة من جريدة نيويورك تايمز، وكاد رئيس الاتحادية الفرنسية لكرة القدم كلود سيموني أن يفوز بالجائزة عام 2004 لكونه اختار الأغنية الإنجليزية “Can you feel it” شعارا للمنتخب الفرنسي، لكن ابن بلده كلود تيلو نال الجائزة أو بالأحرى خطفها عن جدارة واستحقاق، بعد أن اعتبر اللغة الإنجليزية ضرورية في التّعليم شأنها في ذلك شأن الفرنسية، ودعا إلى عرض الأفلام بالإنجليزية دون ترجمة، مع التذكير أن هذا الرجل هو رئيس “لجنة الحوار الوطني حول مستقبل المدرسة الفرنسية”!

وربما أكثر المسؤولين جرأة في خيانة  اللغة الفرنسية، وزيرة التعليم العالي والبحث العلمي فاليري بيكريس التي نالت الجائزة الإنجليزية عام 2008 بعد تصريحها المثير قائلة بالحرف الواحد:”إن الفرنسية لغة انحط شأنها(استعملت عبارة en déclin أي في طريقها للأفول!) وأنه من الضروري كسر طابو استعمال الإنجليزية في المؤسسات الأوروبية.”

وزير النقل فريديريك كوفيليي هو الآخر نال الجائزة بعد أن صرح قائلا: “يجب أن تكون الإنجليزية لغة العمل وتحرير الملفات الرسمية”.

والطّريف في الموضوع أن الرئيس المدير العام لشركة الخطوط الجوية الفرنسية ألكسندر دو جونياك نال الجائزة بعد تغيير الشعار الإشهاري المعروف والرومانسي للشركة « Faire du ciel le plus bel endroit de la terre». بشعار إنجليزي تافه «Air France, France is in the air».

وكما هو واضح فإن أي تعليق أمام انقلاب الطبقة الحاكمة الفرنسية على لغتها وخيانتها لها يظلّ أقلّ تأثيرًا، كون الأمر تجاوز كل التوقعات وحدود المتعارف عليه من التحفظات الدبلوماسية..

لكن وماذا عن الطبقة الحاكمة في الجزائر وتفضيلها للفرنسية في قضاء شؤونها بدل اللغة العربية؟ أعتقد أن الرد على هذا السؤال لا يحتاج هو الآخر لأي تعليق!

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …

الأناشيد الوطنية.. حقائق وأسرار غريبة!

كلّ نشيد وطني لأي بلد هو في الأصل قصيدة حماسية تعبّر عن انتماء وهوية قومية. …